قراءة نفسيّة سياسيّة في "الخرّوبة" لرشيد عبد الرحمن النجّاب| أ.د جهاد حمدان

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

الخرّوبة سيرة روائية (الآن ناشرون وموزعون-عمّان 2024) تتكىء على "كمشة" من الحقائق التاريخية تتصل بأواخر أيام الدولة العثمانية في بلادنا، أُعيد نسجها بما استبطنه خيال كاتبها رشيد النجّاب الحفيد لتحكي جانباً من سياسة تلك الدولة في استخدام الشعوب العربية، ومنها الشعب الفلسطيني، مصدراً مهماً لتمويل ميزانيتها عبر ما فرضته من ضرائب وأتاوات، ومستودعاً بشرياً لرفد آلتها الحربية بمقاتلين يصيرون رغما عن إرادتهم وقودا لحروبها وغزواتها. وهنا أصل الحكاية،

يبدأ الكاتب بتهيئة القارئ نفسيّا لحدث جلل هبط ذات ليلة على عائلة عبد الرحمن النجّاب المكونة من زوجته مصِلْحة وابنهما رشيد وابنتيهما فاطمة وحمدة. فأمّ رشيد سرقت بالكاد غفوة قصيرة في ليلة خيّم فيها القلق واستطال على رشيد ومستقبله، "ودت لو كان له أخ أو أكثر ... أحد عشر حملاً، ولم يبق منهم سوى رشيد وأختيه، ابن واحد فقط". فقد شاعت في جيبيا أحاديث تناقلها الناس في القرى المجاورة عن خيالة يجوبون  المدن والأرياف بحثا  عن رجال يسوقونهم للتجنيد في جيش السلطان العثماني. وإنْ حطّ ركبُهم هنا، سيكون رشيد بُغيتهم. ولكنها شعرت بشيء من الطمأنينة لحديث إحدى الجارات عن إمكانية إعفاء الابن الوحيد لوالديه من التجنيد.  في الصباح حكت لزوجها عن جفاء النوم لعيونها وقلقها على رشيد فقال: "إنّ ليلته لم تكن أفضل من ليلتها، وأنه بحث  في أمور كثيرة ممكنة من بينها أن يتوارى رشيد عن البيت ... ، ولكنه خشي الوشاة"، وصرف نظره عن الفكرة.

في الواقع وصلت فرقة التجنيد جيبيا، ثلاثةُ خيالة وخمسةُ راجلين، وساقوا رشيدا معهم بعد أنْ ردّ قائدهم بحزم على استفسار عبد الرحمن عن إمكانية استثناء وحيد والديه: "أوامر جلالة السلطان واضحة تجنيد يعني تجنيد للجميع ودون استثناء". وتابعت الفرقة مهمّتها في قرية أم صفاة المجاورة لتسوق ستّة من الشباب الفلسطينيين ليصيروا مع من تجمعهم الفِرقُ المماثلة جنودا في جيش السلطان يدافعون عن مصالح دولة لم تُنشئ في قراهم مدرسة أو مستوصفا طبيّا ولم تشقّ فيها طريقا أو تحفر بئرا. ومن اللافت أنّ البلدتين سلّمتا أبناءهما دون رفض أو معارضة، وبدا التجنيد وكأنّه قدَرٌ لا رادّ له إلى حدّ أنّ مختار أم الصفاة نصح أهالي المرشحين "بالاستعداد لهذا الاستحقاق، وحذرهم من الفرار أو التخفي". ولم يردْ في "الخرّوبة" ما يوحي بأنّ تعامُل بقية البلْدات مع الأمر كان مختلفاً. ربما كان هذا "التسليم" تعبيراً عن قلة الحيلة أمام بطش الدولة وسرديّتها: "نحن في خطر، والجهاد واجب، ولا إعفاء لأحد". كان هناك رافضون للخدمة العسكرية "فراريّون" لكنهم ظلوا مطاردين ولم يتحوّلوا إلى حركة رفض منظمة للتجنيد. وقد أفاض الراوي "الكاتب" في تفصيل الأبعاد النفسية والعملية  لما حواه خطاب قائد الفرقة من تهديد ووعيد تعقيباً على اختفاء أحد المرشحين للتجنيد في أمّ الصفاة: 

سنقضي الليلة هنا، ومن الأفضل لكم أن تؤمّنوا عودته حتى يوم غد، واعلموا أن أحدا لن يفلح بالفرار ، لدينا عيون تنتشر في كل مكان ... وإن طال الزمان أو قصر سيكون في قبضتنا،  كما أنّ فرقاً متخصصة تجوب الجبال والوديان..، سيكون القتل الفوري عقابهم إذا صادفتهم هذه الفرق وحاولوا الهرب مجدداً،  أما إذا استسلموا فإنّ مدة الخدمة مضاعفة، والمكان بعيد، بعيد، ربما لا يرجعون،.. سنبقى في زيارتكم حتى يعود الشخص، وسنطلب تعزيزاً بقوات إضافية، سنفتش البيوت، والحقول، وحتى في الكهوف والويل لمن حاول الفرار.

فرق التجنيد تنهي جانباً من عملها، ويجد المجندون أنفسهم في المحطة الرئيسة للقطارات في القدس. وفيها سُمّيت الجهات المخصصة لكل مجموعة ، تقرر أنْ يذهب البعض نحو غزة، ويتابع جزء منهم إلى مصر، ويذهب آخرون إلى يافا استعدادا للإبحار إلى البلقان، وتسافر المجموعة الأخيرة ومن ضمنها رشيد في القطار إلى دمشق، وهنا لا بد من الإشارة إلى تقنية مهمة اتبعها الكاتب في إطار التهيئة النفسية عبر طرح أسئلة قصيرة وعبارات تُوجّه مسار القصّ، فيظل القارئ متابعاً يقظاً لالتقاط إجاباتها: هل ستكون دمشق خاتمة المطاف؟ هل صدق حدسه عندما هدّأ من روع والدته في ساحة بايزيد؟  هل يطَمئن نفسَه بهذا الشعور؟ ثم كيف تصل هذه الطمأنينة إلى والديه في جيبيا؟

للمكان في هذه السيرة أهمية خاصة. فمع كلّ ما فيها من خيال لازم لتظل عملاً إبداعياً، إلا أنّ كاتبها احتفى بتوثيق الأمكنة أيّما احتفاء وربَطها في كثير من الأحيان بما اتصل بها من قصص وحكايات. فجيبيا، مسقط رأس رشيد، وجاراتها كوبر وبرهام وأم الصفاة تشاركت معاناة التجنيد وقسوة الحياة ونقص الطعام وصعوبة التنقل والمشي على طُرقِها. وهناك محطات القطار التي مرّ بها رشيد من القدس إلى دمشق. فطول كرم أوّلها، وأصلها طور كرم، وتعني جبل العنب. وبَعدها المسعودية، فجنين "حارسة مرج بني عامر"، ثمّ بيسان ولسعات الناموس المؤلمة، وصولاً إلى سمَخ، على شاطئ بحيرة طبرية، حيث "نشأ القائد الفلسطيني ظاهر عمر الزيداني، الذي أقام أول كيان فلسطيني في القرن الثامن عشر  ...، فحكم عكا وأنشأ مدينة حيفا". رحل الزيداني لكنّ ألق سمخ لم يرحل. ففي 20 نيسان 1920، بعد أقل من سنة على عودة رشيد إلى جيبيا، ارتقى الشهيد الأردني كايد مفلح العبيدات، على أرض سمخ بنيران رشاشات الطائرات البريطانية بعد أنْ أبلى ورفاقه بلاء حسنا.

وصل رشيد محطة دمشق لتنقله وغيره شاحنات إلى معسكر التدريب في بعلبك، حيث أظهر مهارة فنية فائقة في التصويب مما دفع القيادة لتعيينه مدرباً إلى أنْ أُرسل في مهمة خاصة إلى القدس. وما أنْ وصلها حنى علِم بهزيمة تركيا وانتهاء الحرب، فغضّ النظر عن مهمته وعاد إلى جيبيا ليكتشف أنّ والده عبد الرحمن قد توفي في بلدة العباسية التي هاجر إليها طلباً للرزق.

تناولنا المكان، فماذا عن شخصيات الرواية؟ كانت محدودة من حيث الدور والعدد، أهمّها رشيد ويليه والداه وأبو سليم الذي أبدع الكاتب في صُنع شخصيته ليصير محرّك الأحداث بعد انقطاع أخبار رشيد. هو صديقٌ قديمٌ لأبي رشيد يسكن في بير زيت ويعمل في القدس. أم رشيد اقترحت على زوجها زيارته عسى أنْ يجد عنده خبراً حول رشيد. فوافق وركب حماره قاصداً أبا سليم، وهناك شغّل أبو سليم شريط الأحداث فاتصل ما انقطع منها. أخبرنا الراوي سابقا أنّ رشيد لمح رجلاً يعرفه وهو يتجه إلى عربة القطار في القدس. تلاقت العيون وميّز كلّ منهما قبيله. أما أبو سليم فأخبر عبد الرحمن أنه سمع اسم رشيد أثناء المناداة على مجموعة المجندين المتجهين إلى دمشق ورآه وهو يتجه إلى عربة القطار..

 لم يكن من تلاقت عيونهم سوى رشيد وأبي سليم. وهكذا أحيا أبو سليم الأمل في قلبَي عبد الرحمن ومصلحةـ رشيد حيّ وفي دمشق وربما لم يبتعد عنها كثيراً. كان اختيار الشخصيات موفقاً ولكنّ الراوي احتكر صوت معظمها  وظل يتحدث نيابة عنهم في غالب الأحيان. ولم يشذّ عن هذا رشيد، الشخصية المحورية الرئيسة، إذْ ظل معظم الوقت رهيناً لما ينقله الراوي عنه. وعدد المرات التي تحرر فيها وأسمع صوته قليلة. أوّلها عندما قرر تسليم نفسه طوعاً لفرقة التجنيد حيث بدا رابط الجأش. ثم سمعناه يرصد محطات سير القطار من القدس إلى دمشق ومنها بالشاحنات إلى بعلبك. وظهر في مواقف محدودة يتحدث بعبارات مقتضبة تتصل بالتدريب مع الضباط الأتراك في معسكر الإعداد والتدريب العثماني في بعلبك وحول المهمة العسكرية التي كُلّف بها لرصد من أسموْه بأحد الأشرار لاعتقاله أو قتله.

هناك شخصيتان ابتدعها الكاتب لكنه لم يطورهما: سالم داوود نخلة النبالي، رفيق العسكرية في بعلبك، وسليمان النجّاب، نجل رشيد، القائد الشيوعي الذي عانى أبشع صنوف التعذيب خلال النصف الثاني من القرن العشرين سيما في السجون الإسرائيلية ورحل عنّا عام 2001، ورثاه الشاعر محمود درويش في قصيدته: رجُلٌ وخِشْفٌ في الحديقة يلعبان معا.ً  من يدري؟ فقد يُعاد لهما الاعتبار الروائي إنْ فكّر رشيد الحفيد باستكمال سيرة رشيد الجدّ في أجزاء لاحقة من هذه السيرة. وأنا أشجعه على ذلك.

أما اللغة فشفيفة تمزج بين الفصجى السلسة في القصّ والمحكية الفلسطينية عند بوْح الشخصيات بمكنوناتها. ويزخر النص بالأمثال الشعبية المحلية التي يساوي الواحد منها قنطاراً من الكلمات مثل: إنْ لم يتوفر الضاني عليك بالقطانى (في غياب اللحم عليك بالعدس وما شابه)، وابنكِ رغيف في باطية (إي ليس لك من سند غير هذا الولد الوحيد إنْ أصابه مكروه).

بقي أنْ أقول إنّ الرواية لا تتوزع على فصول بل على ثمانية عشر عنواناً نابضاً تتناوب في عرض الأحداث بين جيبيا وخارجها، تبدأ بذات صباح وتنتهي بالعودة إلى جيبيا ليعيد رشيد الجدّ رسم مساره. أبارك هذا المُنجز المهم للحفيد رشيد وأتطلّع لقراءة ما يجود به من السيرة النجّابية.

 

كاتب وأكاديمي أردني

 

**صورة حديثية تُظهر الطبيعة الساحرة في قرية جيبيا

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية