(1)
مُتفرِّغٌ للحُزنِ..
قلبي قاب قوسينِ وأعظمُ من ظلامي..
ما كنتُ أعرِفني
إلَّا بهذا البيت يَنتحُ في عظامي..
ما كنتُ لولا النِّيلُ في الدُّنيا
يُذكِّرُني بموجتهِ ويَذكُرُ ساحةً للاعتصامِ.
أنا أحدُ البدائيِّينَ
أُهمِلُ رحلتي في غابة الكلماتِ،
أستعصي على هذي الحداثةِ،
أنتشي بالأرض في جسدي
وأَعرَى بالأغاني من مسامي..
ما خيٍّبتْ ظنِّي
خُيُولُ العاشقينَ على بلادي
إنِّي وما لي في التَّمنِّي
من تغنِّي
سوى أن يفتحَ الدُّنيا جَوَادي.
(2)
سأُعاهدُ الدُّنيا
بموتي حافياً من كلِّ أخطائي أمام الله.
سأُعاهدُ البيتَ القديمَ
بدمعةٍ كنتُ اتَّزنتُ بها حينما جفَّت من الدُّنيا
المياه.
سأُعاهدُ الشُّعراءَ بالمنفى
ما كنتُ واحدَهم
ولكنَّ تلك قصيدتي
وعلى الدُّنيا الجميلُ على الحياه.
سأُعاهدُ السُّودانَ بالشُّهداءِ
والشُّهداءَ بالسُّودانِ..
هُمْ بصموا حُدُودَ الاعتصامِ
وغادروا الدًّنيا على أعصابهم
لكنَّهم في دورة الأحزانِ
قد رسموا خُطُوطَ الانتباه.
سأُعاهدُ الذِّكرى
بسِرِّ قصيدتي في آخِرِ الدُّنيا..
ما خنتُ أحلامي
ولكنِّي أخاف على الكلمات من شَرِّ الشِّفاه.
(3)
سنُنظِّفُ، لا بدَّ،
جميعَ شوارعِنا بُرهةً من الدَّم..
سوى بقعةٍ لشهيدٍ عنيدٍ
سنبني عليها قصيدتَنا منزِلاً منزِلاً
ونرفعُ فيها عزيزَ العَلَم.
سنفتحُ كلَّ الشَّبابيك يوماً على النِّيل..
ونمسَحُ عنها غُبارَ الزَّمن..
نُلمِّعُ في الأفْق كوكبةَ المستحيل..
ويَلمَعُ فينا جبينُ الوطن.
سنقرأُ في الضَّوء تاريخَنا من جديد..
نُقلِّبُ صَفَحاتِهِ كموجات نهرٍ يُغنِّي
على الرُّوح ما شاء حُلمُ الشَّهيد..
وشاءت على الشِّعر شُرفاتُنا في التَّمنِّي.
سنَعرِفُ أيَّامَنا بالمشْي بين الحُقُول..
بالكأس في وقتها كما حدَّدته العبادة
بالغناء الذي لا بدَّ منه بصوت الطُّبُول..
لكي تتوفَّرَ فينا الإرادة.
(4)
هذا آخِرُ الدُّنيا
............
........
............
هيَ طفلةٌ قُتِلتْ أمامي..
بيدَيَّ هاتينِ احتضنتُ رمادَها
عُمُراً شهيداً كاملاً لطفولتي
وشممتُ رائحةَ قُبلتي الأولى
لحبيبتي الأولى - الأخيرة..
غطَّيتُها بتراب أمدرمانَ
وقلتُ يا الله يا لَلحربِ يا للحرب يا للحرب!
يا الله خُذْها
- دون أن أعني كلامي -
ما أقسى تُوَيْجاتِ الدَّمِ
المسفوحِ من قلبي
على حُضن العشيرة!
......
.... ..
هيَ زهرةُ الشُّعراء
لم تَذبُلْ ولم تَسهُلْ..
لكنَّها قُتِلت أمامي
لكنَّها قُصِفت إلهي
من عُرَى بُستانِكَ العاري من الإنسان..
يا اللهُ..
خُذْها حِفنةً من رُوح هذا النِّيلِ،
خُذْها زهرةً أولى
إلى تلك الجِنان.
(5)
يا خِلِّي في الرُّؤيا
وحبيبي بالتٍّشديد "أبا نُوَّاس"..
تأخَّر كأسيَ عنك لأكثرَ من ألفِ مَلعُونِ عام..
فهلَّا سٍكِرنا هذه اللَّيلةَ رأساً برأس..
في حياة هذا الأسى،
دون حياءِ الحرام؟!
في الصورة: بائعو فاكهة في الخرطوم، أيلول 2022




.png)




.jpeg)


