قصاصة من زمن الحبِّ الأوَّل| مارُون سَامي عَزّام

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

غطّى غمام السنين أيّام الدراسة، لكنّ صفوف الذكريات ما زالت على أهبّة الذّاكرة، ترفض أن تغادر حَرَمْ اشتياقها لتلكَ الفترة التي قَدَّمَت لنا الوجَبات الأُولى للعِلم. جرفنا تيّار المعرفة نحو أعماق الاجتهاد، صعِدنا قارب النّشاط، وجدَّفنا بأقلامنا في بحر المنافَسَة، رافعين أعلام الزّمالة الحقيقيّة، إلى أن وصلنا شاطئ التخرج.

مشروب المراهقة الشّهير الذي أثمل شبابي تركته، واليوم صرتُ أكثر إدراكًا، أُفَتِّش عن قصاصة وثَّقتُ بها أول حبٍّ وضعته على خريطة طيشي السلوكيّ، لأن هذا النّوع من الحب كالحصبَة آثاره لا تزول. دخلتُ غرفَتي ووجدتُ رفوف الزّمن ما زالت معلَّقَة على حيطان الوحدة المحيطة بي، تُذكِّرني من جديد بتلك الحقبة التي لم تلتهمها نيران الظُّروف المشتعلة بالأحداث، فتحتُ دُرْجي صدفةً، ووجدتُ تلك القصاصةَ التي بُحتُ من خلالها لزميلتي بحُبّي البسيط الذي رسم لي أولى خطواتي بدافعٍ عاطفيّ ساحق.

أخرجتُها من دُرج مكتبي، فوجدتها بالية بعض الشّيء، لكثرة ما مرّت عليها حافلات الأيام، فَتَحتُ طِيَّتها بلطف، لئلّا تتفتّت بين يدي، وانبعث منها عِطر تلك الفترة الذّهبية، فارضَةً عليّ الظروف الشّبابيّة أوّل حالة حب لا إراديّة. لقد تناثرت حالًا أمامي تلك اللحظات الماضية والنَّقيَّة كحبّات اللولو المضيئة، وعادت تُشعَّ عليّ الآن...

...كانت تدخل باحة المدرسة صباحًا باحترام، كأنها تدخل مكانًا مُقدَّسًا، جمعَنا الصّف معًا، لحظّي أن مقعدها كان يلي مقعدي، تراكمت الكُتب على طاولتها... مُركِّزةً في بوصلة المعلِّم التدريسيَّة، بينما ضربَ تيّار الجرأة عصَب تردّدي، وبدأت الأفكار تتصبَّب من رأسي، كاتبًا لها هذه القصاصة، التي أنهيت كتابتها قبل نهاية الدّرس.

ودَدتُ أن أقدمها لزميلتي، لكني عَدَلْتُ عن الفكرة، وبقيتُ محتفظًا بها في دُرجي، فلماذا طرقتُ الآن باب الحنين إليها؟! لأنَّها ببساطة شديدة عادت تلقائيًّا من أعماق وادي النِّسيان إلى معقل حاضري، اعتقدتُ أن الحب الأول قد يحترق ذاتيًّا ليصبح رمادًا، أو عندما يتباعد عنّي سيقتَلعَ جذوره من حياتي، لأنّي لم أدارِهِ كما يجب، لكن بصماته ما زالت منقوشة في مَحضَري!!

قصاصة حبٍّ، فيها خلاصة إعجاب بفتاةٍ غدت اليوم زميلة محصورة في مخيِّلتي، لأنّي خفتُ أن يستفرد بي جمالها المطبوع كالوشم في قلبي، فأعود لأتعلَّق بوهم سينخر عقلي هباءً. بعد مرور كل هذا الوقت استطعتُ أن أحوِّلها إلى قسم المحفوظات السريَّة. هذه القصاصة هي حجّتي الوحيدة على حقيقة مشاعري، والدّليل القاطع بأن هذا الحب لم يكن محض خيال، بل كان واقعًا جميلًا... عشتُ تفاصيله العذريَّة غير المُعلَنَة، لم أنشرها في جريدة الأحاسيس لتقرأها زميلتي التي أطفأت ملامح لهفتي

حبّي الأول بقي مثل طعنةٍ في القلب، يدمي لوعتي، وتنهيدة ندم لا تنتهي، يحتلُّ منطقتَيّ الشّعور واللاشُعور، وأعتبره أوَّل مُذكِّرة غرام شقية لا تُشبه غراميّات هذا الجيل المنفتح أخلاقيًّا!! فإنّ رومانسيّة جيلنا تشبَّعَت بالوفاء... قصاصة استمرأت فيها لأوَّل مرّة طعم الحب الخام، الصّافي الذي لم يمُر بَعْد بحالات تصنيع أنثويَّة، استخرجته من باطن تجاربي البريئة، ليكون لي مرجعيَّة تذكاريَّة تقليديَّة، قادرة على إعادة زمن الحب الأول الأصيل، معشِّشًا في عُش الماضي.

 

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية