"ومع الوقت بدأ صدري بالتحجر وامتلأ بالحليب"، بعد أن ارتفعت الحرارة في جسمي.
بعد نداء وزارة الصحة لاستدعاء حليب أمهات مُرضعات بسبب النقص في بنك الحليب مساء العاشر من اكتوبر، أيامٌ وتبدأ قوارير الحليب بالوصول المستشفى… كنتُ في منتصف ورديتي لأتسلم من المُرضعات الحليب،
فتحتُ السجل الرقمي لتوثيق الحليب، الكمية، التاريخ، اسم الأم، رقم هويتها وموعد ولادتها ومدة الرضاعة وما الى ذلك من تفاصيل، وسوار محاطٌ بذات التفاصيل حول عنق الزجاجات. وبالطبع تتسلم كل مُرضعة بطاقة شكر على هذا التبرع السخي.
احتفلُ اليومَ بعيد ميلادي الثالث والثلاثين. كان يومًا قاسيًا وبردًا قارصًا وليلًا طويلًا مع قذائف سكاد الصاروخية في سماء قريتنا الوادعة القادمة في حرب الخليج حين رَفَعَت أمي راسها إلى السماء مبتهلةً لله أن يُسهّل ولادتها ودموعها تتساقط على خد كل نساء العائلة اللاتي لم يَكّنَ معها ليلة الولادة.
يبتهلن الى الله ويحضن أطفالهن وعوائلهن في الملاجئ خوفًا من القذائف.
وحده أبي مع أمي والقابلة...
أنا الأصغر بين إخوتي وأخواتي اللائي سبقني بسنوات.. كتبَ الله لي عمرًا … ومع صافرات الانذار المدوية وصوت الصاروخ وطلق الولادة الأخير جئتُ الى الدنيا … " كيان" …
وبسبب الخوف والهلع لم يتدفق الحليب في صدر أمي في البداية، واضطر الاطباء أن يحرروني بعد يومٍ واحدٍ إلى البيت بسبب تردي الأوضاع وتأهب المستشفيات.
قضيتُ ساعاتي الأولى في بيت جدي يحيطُ بي أفراد العائلة وكنا في غرفةٍ واحدة.
في منتصف الليل بدأتُ بالبكاء مثل أي طفلٍ ينادي أمه، لتضعني على صدرها وتحاول تهدئتي، جربت أن تطعمني، لكن لم يتدفق الحليب منها مما أبكاني أكثر. وبدأت أمي تبكي معي، تناولتنا جدتي وهدأت من روعها وصارت تتلو المعوذات وتحيطنا بالبسملة وترقينا. وهدأنا معًا.
في صبيحة اليوم التالي، ارتفعت حرارة أمي واخبرتها جدتي أنه الخير، سيهلُ عليها متدفقًا من صدرها… وهكذا بدأت رحلتي مع حليب أمي… الحليب المتأخر بطعم الخوف والحرب.
ومرّت الأيام والسنوات، وفي كل احتفال ميلاد لي، كانوا يضحكون ويقولون لي، "أنت ولدت يوم الحرب"… ومرت السنوات بعدها حلوةً كالشهد وكبرتُ في حضن عائلة محبة وحلمتُ أن أكون ممرضة ذلك لأني شعرتُ أني أدخلتُ بهجة على قلب والدي كبيري السن وكنت أداويهم بفرحتي وأطيرُ معهم وبينهم كفراشة…
أنهيتُ تعلمي كممرضة مؤهلة في مستشفى شيبا تل هشومير، والتحقتُ بقسم الوالدات والأطفال في نفس المستشفى… يعتبرُ هذا المستشفى الأهم والأكبر في إسرائيل، متعدد التخصصات والأبحاث والابتكارات العلمية والطبية كما يأتي اليه المرضى للعلاج من كافة دول العالم.
وتلدُ فيه النساء العربيات واليهوديات، الأثيوبيات، وكافة الديانات والثقافات من كل أقطار البلاد.
بالإضافة لكونه المستشفى العسكري وفيه أجنحة مخصصة لقياديين عسكريين وسياسيين كبار. هو باعتبار مدينة طبية مهمة جدًا في مركز البلاد.
ومع تلبية النساء المرضعات إحضار قوارير الحليب للأطفال الرضع، كنتُ اتسلمها واقوم بتوثيق التفاصيل والاحتفاظ بهن في ثلاجات خاصة حتى يتسنى التصرف بهن للأطفال الذين غابت عنهم أمهاتهم.
ماذا لو غيرتُ من تفاصيل القوارير؟! وحركتُ أثداء الأمهات من مكانها؟
ماذا لو أذقتُ الأطفال من عروق مختلفة حليبًا مختلف الأمومة؟!
دارت في ذهني شيطنةٌ كبيرة أن أخلط الدنيا ببعضها، هكذا رُبما يصيرُ الرضّع أخوة…
"يُقال أن الديمقراطية تُرضع مع حليب الأم".
وجدتي حين أرادت أن تصف نساء كانت تقول، "حليبها نجس".
تصطف أمامي قوارير الحليب، لأمهات من مختلف الأعراق والجنسيات والأديان، العامل المشترك بينهن أثدائهن الممتلئة بالحليب ترى كيف ملأن القوارير؟ هل امتزج الحليب بالدموع أم بالبهجة؟ هل تدفقت الأشرار والأحقاد من عروق النساء أم تدفق الخير والعطاء والتسامح؟ وعلى هذا المنوال وبيدي التي أقسمت أن أحافظ على سرية المُعالجين، بدلتُ لاصقات التفاصيل عن قناني الحليب.
جربتُ أن أتخيل أن الأطفال سيكونون أخوةً أو بالأحرى سيعودون أخوة كما بدأت الخليفة وكبرت….
وهذا ما حصل …
ومع تصاعد الأحداث في مستشفى شيبا واختلاط الوافدين، لا أحد سيتعقب الحليب ولا أحد يستطيع كشف الدهاء… وهكذا لا تستطيع النساء اللائي يردن الحليب لأطفالهن التمييز من أي اثداء وصلهن… ولن يعرف الاطفال ماذا يجري في عروقهم ويملاً معدهم وأي قيم سيرضعون …
مرت السنوات وانا محتفظة بهذا السر في صدري ولم يتدفق حتى مع الحليب لأطفالي …
تحجر صدري وتدفقت المشاعر في عروقي بعد سنوات، تمامًا يشبه شعور امرأة مرضعة يوشك الحليب أن يتدفق من ثدييها في ميعاد اطعام رضيعها وذلك حين وقف الرئيسُ مخاطبًا بعد أن تولى سدة الحكم ممثلاً عن الحزب الديمقراطي ليبشر بحقبة سياسية مُزهرة تراءت فيها أجنحة السلام ليفاجئ العالم أن هناك مكان للتسامح والازدهار،
وأن زمن الرخاء موجود وأن المجتمع باختلاف أطيافه وتعدداته ممكنٌ..
وهناك دائمًا مسعىً للسلم مُؤمنًا أن الديمقراطية تُرضع مع حليب الأم.




.png)




.jpeg)


