قصة: مَسارِب ودُروب (الحلقة 2)

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في فجر اليوم المتفق عليه، ها هم هناك يتجمعون على ذيال بيادر الربيعة، من البيادر ظل الاسم فقط، الغرْز، الصّفاية، السّماط، الربيعة، امتلأت كلها بالبيوت، قلّت زراعة القمح، الارض مزروعة بالخوخ والتفاح والدراق والكرز والعنب والخضار، عنب من انواع جديدة، دَبوقي، و"ريدجْروب"، وسَلطي وخليلي، وبدل البندورة الزهرية البعلية الحامضة، صاروا يزرعون بندورة 56.

  • تْسُؤْ!! محلِوْنه تحِلون، بلا طعمة... وكوسا جْباب، مدوّرة تدوير، كان بيت الكوسا البلدي على التّرامي يمد، طوله اربع خمس فحجات، كوسا زرقا مضلعة مثل ذراع الزلمة، اليوم فتاتيل قد الاصبع، المهم ما تبور الارض، جْناس جديدة، مهجّنة.

يا بنت امير المالكي

   تمشي وتهزّي رْدانِكِ

يا خوخ ابوكِ ما استوى

   لولا استوى جِبنالِكِ

سمعت لغطهم من بعيد، واستلقيت في صوته معهم، وهم يركبون السيارات، ليس من المناسب ان احكي له عن جدته، عن أمي، ونحن نمرّ من حدّ قبرها المطرف عن البلد، كانت تحمل نصبة الزيتون البرّي مع قرميّتها والرعش على راسها، من هذا الوعر، الى الشاغور، الى عين الاسد، بعد سنة، يركّبونه – يطعّمونه – بزيتون سوري اصيل، وتظل التركيبة مع وجهها، تعيش، اليوم خلّيه مبسوط مع صحابُه، غنمتُه سارحة.

هؤلاء الشباب عمليون، قلت مرة: لو نرشّ شوية قمح وشعير في الوعر، حتى يتقوّت الحجل ويتكاثر، والقمح مع الايام، يسبل ويتكاثر في وعور البلد، ويظل الحجل يرشح بصوته الحنون، الأنثى تنادي الديك، ونحن نعاشر الحجل:

يا ديك الحجل يلّلي في الخلّه

   تمام تْقاقي يا مالي العِلِّه

والجاجِه تطبخ والديك يقلّي

   والفرخة تنادي تعوا تعشّونا

كنا ننصب الخطّارة للحجل، نعمّر خشة صغيرة، كم من حجر على حجر ونغُزّ سبلة القمح في بابها، وهناك نعمل حلقة في خيط ماكن، تمد الحجلة رأسها لتطول سنبلة القمح في الشتاء، فتزرُد الحلقة على رقبتها وتعلق.

رشوا كيلا من القمح والشعير، للقُبّر – الجعاطي – والحجل، حتى يتقيّظ في موسم الشتاء، قاموا بذلك، كل المجموعة، وفي النواحي الاربع، من جبلة عروس الى الرّشادِه، ومن الجرمق الى خلة المساق في المقلب الثاني من جبل حيدر.

أحضروا اليوم معهم وكما توقعت انواعا جديدة من الادوات، من زمان كان هنالك القدّوم والفاروعة والمنجل والمنشارة – السَّروقة – والمقص الصغير. ونحن نقول للجَمل:

قِزْ عينك تقدح نار

   في القدوم وفي المنشار

والجمل ينظر الينا بانبساط، والبريق في عينيه نرى خْيالنا فيه. اما مع الدّواب، مع الحمير، فنحكي حكي رزالِه:

حدَيدَك مَديدَك، سيف يقطع إيدَك خِيزْعرَّه!!

مع الشباب مناجل كالسواطير الكبيرة، ومقصات طويلة، ومناشير كبيرة وصغيرة، وبلطات مع عصاية حديد.. وأدوات أخرى أراها لأول مرة. وبدأ العمل، يقصون شوك اللجّين وفنود السوّيد، وبعض اغصان السنديان، لعمل مسرب ضيق، للماشي، عرض فحجة، حتى أنهم يكتّفون بعض العسالج ويعلقونها ولا يقصونها، هم مسؤولون عن البلد وحِكْرها ووعرها، ليظل شجر السنديان والملّ والشبرق والسويد والبرْزَه والبطم يهيّق على المسرب، لا ترى غير قوّيعة السما، الوعر مشبك، لو أعرف كل انواع الشوك والاعشاب المتسلقة على عروق الشجر، عليها بقع خضراء وصفراء، كتلك التي نراها على الصخور، ناعمة كالمخمل، لا اقصد العليق والعمشق والبلان المقصِّر المهترئ واللجين، رائحة الارض المغطاة بالورق العتيق المتراكم سنة بعد سنة فيها رائحة حموضة كالعجين الخامر ووحل البُرك، والشجر العالي تتطاول فنوده وتتسابق لتعلق ما يمكن من نور الشمس وحرّها، عناكب وجنادب وسلاحف صغيرة وسحليات تتحرك بكسل وهي تتنكر من هؤلاء القادمين الى عالمها، والطيور والعصافير تتقافز، كل نوع وموالُه، أعشاش سوداء عتيقة واسعة وضيقة، في عبّ الشجر، بعضها مهترئ مهجور من زمان، وبعضها يبدو جديدا. شغلتي هوينة، أصبّ القهوة والمي، انا مرافق، والعرق يرشح من وجوه الشباب، والكثير من الاوراق والاشواك عالقة على ثيابهم ورؤوسهم، كبوش بطم بنيّة، وخيوط عنكبوت. فئران تصأصئ وتوسّك بأصوات حادة كالمقصّات.. يبدو أن هذه المخلوقات من الزواحف والطيور والهوام تتقن الكثير من حروف الهجاء – السين والصاد والراء والعين...

في طفولتي كنت مع دار عمتي تميمة في ارض بير موسى ومرَوان، نطّت فأرة صغيرة، نظرتْ إلي وكأنها قالت – بْريست لِتوفيسك، بعدها عندما قرأت عن هذه المعاهدة وهذا الصُلح، نمّل رأسي، وخفق جسمي من الذكرى، لا ادري كيف حفظت هذا الاسم، والصغار شياطين، حكيت لهم عن ذلك فاستلموني، واحد قال: انا سمعت فأرة تقول سايكس بيكو، وآخر يقول وعد بلفور، ولليوم نمزح من تلك الحكايات.

في جوف الوعر اصوات كالغَلَيان، تعلو وتخفت، رياح تصفر ونسائم طفولية ناعمة تُهسْهس، يخترقها صوت طائر كبير يفرفر زاعقا، قد يكون يلاحق فريسة صغيرة، يضع حدا لحياتها، ولماذا يزعق، هل للتخويف، كالحرب النفسية، الطيور المفترسة والوحوش تفترس بضجيج صاخب مهدد، اما الفريسة فتطلق آخر اصوات المسكنة والاستغاثة والوداع قبل ان تهمد، هي أبعد ما تكون عن التغريد الممراح.

الوعر موطن ومصدر رزق ومعيشة للكثير من المخلوقات، يبدو ان السنجاب يحضّر مؤونته من البلوط وقلوب اللوز البري، يجمعها في مُدمَليّات لموسم الشتاء، اما اليوم فهو يتسلق على رؤوس الاشجار بانطلاق. العليق والبطم والزعرور والسويد والقاتل تتهافت عليه الطيور، وعصافير التركمان تجد لذّة وهي تمعر شوك الفار لتصل الى الحَبّ الصغير، نقّار الخشب مضحك وهو يعلق رجليه على عرق الشجر، ويعمل باجتهاد، ينقر الخشب الصلب، لا ادري ان كان يتغدى على ذلك، لكنه يظل يطرق. 

من هذه الأمكنة العاصية تصل الينا الرياح المزمجرة الهادرة في الشتاء، والنسمات العطرة الربيعية تحمل معها أنفاس الزهر والنوّار، شيح وزعرور وريحان، وشقعات المياه المتدحرجة في الوادي العميق، تنكفت من مدرجات الصخور والشّيّار.

اتطلع الى الوراء، حلو هذا المسرب الضيق المفتوح في قلب الوعر، الأرض رطبة حتى في الصيف، لا تصل الشمس الى الأوراق والحشائش المكدسة، لم نسمع عن أي حريق حدث في وعر بُخوخ ووادي بوعلي، فظل الوعر سليما غير مشوّه، الحريق آفة فظيعة، يشعط كل ما هو اخضر، النار تأكل الأخضر واليابس، والشجر يئن ويتوجع، يتلوى مخذولا، يزوبع فيه الدخان واللهب، وتترك النار القاسية الظالمة سلاحف ميتة وحيّات ظلت عظامها مع لحم أسود متآكل، ملتصق بالعظم الأبيض، والعصافير تنوح وهي تهرب وتترك فراخها تلتهمها النار، كل الأحياء تشهق شهقات الموت، وتظل بقع داخنة لتأتي على قرم الشجر، تتوهج في الليل وتطلق شررا يبعث المرارة والترقب، وقد تندلع النار بعد ان انطفأت وأخمدت.

أنصت الى حديثهم، لا أتدخل، ليأخذوا حريتهم، كما هم، تصل إلي بعض الكلمات والمقاطع، مقطعة بلا تواصل، في مواضيع تهمّهم، أشعر بارتياح، وأمل، كأن كل واحد منهم يعمل لوحده، يقوم بدوره، لكنه يروح يختلط، يترابط ويتواصل، في كل واحد منظم.

هذه هي جبهات وصدور الاشجار، التي تلوح بيضاء مزركشة في الثلج، كالمخرّمات المسدلة الملقوحة بخفة ونعومة، في هذ المواقع لا يتخلّع ولا ينكسر الشجر تحت ثقل الثلج، يرتكي على بعضه البعض، وفنود وعسالِج اللجينة الشائكة والعمشق تلتف على الفروع وتمكّنها، تحني بخشوع وتواضع لكنها لا تقع، هم ايضا مجموعة متعاونة قوية على العمل الجميل، كهذا النشاط اليوم. حتى عندما يقصون غصنا او فرعا عن المسرب، لا يفعلون ذلك بقسوة، يحيدونه، وكأن بينهم وبينه علاقة حُب وقرابة ووحدة حال وعيش مشترك.

على جانبي المسرب، بعض الفجوات الصغيرة الضيقة، مسارب تكاد لا ترى، قد تكون دروبا للنيص، والارانب والثعالب المحتالة. في الوعر المعلّق الصاعد، على بُعد رمية حجر من راعي قوي، اسراب من الطيور والعصافير، تحط وتطير، يجب ان تكون العين هناك، حتى بالإمكان شمّ الماء والطين، الحجل يرشح بصوت شجي حنون، والسنونو كعادته يحوم ويغفّ، كنا نراه ينغتّ في البركة، يصيد ذبابة، او يحمل الماء والتراب ويبني عشّه المتقن المعلق بالوحل، مع ثقب صغير، مدخل العِش، ويطلق نبرات قصيرة ناعمة. الشحارير تزعق مزعوبة، تتطلع بعتاب ودهشة.

موجات من البهجة والحبور، ورشرشات من النسيم العذب الشفاف تداعب النفس.

في الحُرش يا أصحابي

                          طير يغرّد

قد لذّ لفؤادي

                      ما كان يُنشد

وهو يرفّ دوما

                  يدعو ولا مجيب

لبّى الربيع يوما

                     نداءه العجيب

صديقنا الربيع

                      يفرّح القلوب

ولونه البديع

                    يجلو صدا الكروب

أية أنغام وألحان يجود بها الوعر، مواويل وشهقات وزفرات، كمن يتنهد، اصوات دفّ ورباب وأرغول وشبابة قصب، وترديد غناء هامس من صماصيم القلب.

ولكل شيء في هذا الفجاج الوعري دور، كل غصن وطير وشوك وحجر ووحش، لا يوجد ما هو زائد، بلا حاجة، عالم متكامل عامر، يتجدد.

حطّ زوج من الغربان، على شجرة عالية بتثاقل ووجوم، بعد ان اطلقا نبرة قصيرة، نعم ها هي، هي العين، بلجْنا عليها وبلجتْ علينا، التقينا معا.

(يتبع)

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا لعودة سياسة المقامرة

featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-05 09:06:56

عِبَر من أستراليا

featured
سنان أنطونس
سنان أنطون
·2026-01-05 09:18:28

زهران ممداني والقرآن في أمريكا

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:47:52

يجيل ليفي: لماذا دعم اليسار الصهويني جرائم الحرب في غزة ؟

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-04 15:41:16

كاتب أمريكي: ترامب يشن حرب هيمنة على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذج

featured
آرام كيوانآ
آرام كيوان
·2026-01-04 15:36:48

المسألة الفنزويلية والإمبراطورية الأمريكية

featured
عمر فارسع
عمر فارس
·2026-01-04 07:08:18

من سيأتي ضحية ترامب بعد فنزويلا؟

featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة