news-details

قصّة: الليل المخيف| نبيه القاسم

لم يكن يتصوّر أن هذا ما ستؤول إليه حالته بعد تلك السنوات الطويلة الجميلة التي شهدت له بالعزيمة والقوّة والمال والغنى والعزّ والجاه، حتى كان اسمه على كلّ لسان، ليس في بلدته فقط وإنما في كل مناطق البلاد المحيطة، كانوا يُردّدون "الأستاذ سمير ما في مثله". ويفرح ويمتلئ نشوة واعتزازا وهو يسمع هذه الكلمات التي ينقلونها له كلّ يوم.

ورث الغنى والمال من أبيه حيث كان الابن الوحيد له، وزاد بأن اشترى الأراضي الكثيرة، وشارك في عدّة مشاريع نجحت ودرّت عليه المال. درس في الجامعة وحصل على شهادة الماجستير في الحسابات والإدارة. بعد تخرّجه عمل في مكتب حسابات كبير اكسبه الخبرة والمعرفة والتّعرّف على العديد من الشخصيات ذات النفوذ. ولمّا وثق من نفسه افتتح مكتبا كبيرا ضمّ العديد من العاملين في مجالات الإدارة والحسابات. ويوم قرّر الزواج فاجأ الجميع أنه اختار سميرة ابنة عامل الصّيانة، اللاجئ المهجّر من بلدته بعد النكبة، التي لفتت انتباهه يوم جاء بها أبوها معتذرا عن تغيّبه عن العمل للاحتفال بابنته الوحيدة المُدَلّلة سميرة يوم تخرجها من المدرسة الثانوية. يذكر كيف أقسم اليمين أنّ كلّ مصاريف الاحتفال على حسابه وهدية منه لسميرة مبلغ ألفين شاقلا.

كان يسأل الوالد عن سميرة ونجاحها في دراستها الجامعية وعن سنة تخرّجها وحصولها على الشهادة ، ويستغرب الوالد كل أوّل شهر أنْ يجد مبلغ ثلاثة آلاف شيكل منحة تعليمية لابنته، وإذا ما دخل على الأستاذ ليُرْجع المبلغ يقسم أنّه هبة منه، وإذا ألح الوالد على إرْجاع المبلغ يقول:

-اعتبره قرضا مؤجّلا لبعد تخرّج سميرة من الجامعة ومباشرتها العمل.

لم يلحظ والد سميرة أيّ تغيّر في تعامل الأستاذ معه، بل كان يُثقل عليه في بعض المهمّات، وأحيانا يُظهر عدم رضاه عن عمل أو تصرّف قام به، ولا يقبل الاعتذار بل يقول حازما:

-في العمل يجب الالتزام وعدم الخطأ أو التّقليل من خطر نتائجه.

لم يصدّق والد سميرة ما تسمع أذناه ولم يستوعب الكلمات:

-أتقدّم إليك بطلب يد سميرة. أنتظر جوابك خلال أسبوع.

غمرت الفرحة البيت فقد زغردت الأم، وسميرة لم تُصدّق ما تسمع، فلطالما تمنّت أن تكون من نصيب الأستاذ الذي سحرها يوم رأته في مكتبه مع والدها ، وفي كلّ مرّة التقته خلال الأربع سنوات كان يُعاملها بمنتهى الأدب ويُسمعها الكلمات اللطيفة الرّزينة التي يُعبّر بها عن اعتزازه بها لما يسمعه عنها من والدها.

احتفال الزواج اقتصر على عدد قليل من الأهل والأصدقاء ثم سافرا في رحلة لمدة شهر كامل، زارا عدّة دول ، وبعد عودتهما فضّل أن يعيشا في المدينة القريبة حيث تعمل سميرة. وباشر ببناء بيت كبير في الكرم الذي ورثه من والده وطالما حلم بالعيش فيه.

ثلاث سنوات قضاها سمير وزوجته وهما في أسعد حال، يُتابعان علو جدران البيت الذي يُبنى لهما على سفح الجبل في البلدة، ويضحكان بمرح لسماع كلمات والدته ووالدتها:

-يلا يا أولاد، نريد زغيور وزغيورة يْفَرْحونا ويملأوا علينا البيت.

يوم تزوّج من سميرة كانت في الخامسة والعشرين من عمرها وهو في الخامسة والثلاثين، وعندما كانت تريد إثارته تقول له ضاحكة بغُنج:

-عموه أعطيني هذا وحياتك.

فيسارع ليردّ عليها:

-مش حرام عليكي عمو تتعبيني وإنتِ زْغيّورة قد الكَمشة؟

أحيانا كانت تُظهر الغضب، وأحيانا تقول:

-بلاش جْميلتك أنا بَجيبه!

وكثيرا ما كانت ترمي بجسدها عليه ضاحكة مُردّدة:

-أنا قد الكَمشة وزْغيورة .. طيّب الله يسامحك

ويغمرها بالقبلات ويشدّها إليه مُرددا:

-إنتِ ستّ الستّات وأميرة الأميرات.

خمس وثلاثون سنة عاش مع سميرة، رُزقا خلالها أربعة أبناء ملأوا البيت بهجة وفرحا، وظلّت سميرة  تتمنّى لو تُرزق ببنت تُجالسها وتُحدّثها وتكون إلى جانبها دائما. لكنّها وجدت في الأحفاد الذين يلتقون معا كلّ يوم سبت تعزية.

اعتاد سمير  صباح كل يوم، قبل ذهابه إلى مكتبه، أن يتنقّل بين غرف البيت، يفتح النوافذ وينظر عبرها ليطمئن أنّ كل شيء على ما يُرام. ويقوم بإقْفالها مع حلول الظلام. فرَحُه كان يكبر وهو يتنقّل بين غرف بيته مُتابعا أحوال أبنائه الأربعة ومطمئنا على صحة ونجاح كلّ منهم. وتزداد سعادته وهو يتجوّل بين الورود والأشجار التي تحيط بالبيت برفقة زوجته سميرة وأحيانا مع الأولاد أو بعضهم، وسميرة تتحدث عن عشقها للورد والشجر والطيور والموسيقى وكل أنواع الفنون، وتَعده بأنها ستعزف له أجمل لحن يُحبّه، ويهز رأسه بغنج ويعبث بشعرها الطويل المنساب على كتفيها ويقول:

- وتُسمعينني بصوتك الجميل الأغنية الأحَب على قلبينا.

قرّر سمير وقد وصل الخامسة والستين من عمره أنْ يترك العمل، وكانت سميرة قد خرجت للتقاعد المبكر قبله بسنتين بعد أن اطمأنّت على أولادها حيث أنهى عزّات وحَميد دراستهما الجامعية ويشغلان مناصب مهمّة، وتزوّجا ورُزقا الأبناء والبنات، والثالث سعيد يدرس الطب في ألمانيا والصغير  التحق بجامعة تل أبيب لدراسة الحقوق.

خلال السنة الأولى بعد تقاعده، قام سمير برفقة سميرة برحلات إلى العديد من الدول، وشاركا في الاحتفالات والمناسبات المختلفة داخل البلاد وخارجها. الشيء الوحيد الذي كان يُثير أحزانَ سميرة فَقْدُها لوالديها خلال سنة واحدة ممّا يجعلها أحيانا تنفجر بالبكاء وتتمنّى لو أنّهما على قيد الحياة ليُشاركاها فرحَها وسعادتها.

اعتاد سمير بعد خروجه للتّقاعد أنْ يلتقي صباح كلّ يوم أصدقاءه في مقهى البلدة لتبادل الأحاديث والأخبار والآراء حول مختلف القضايا السياسية والفكرية والاجتماعيّة، ويستذكرون ما جرى من أحداث في البلدة وخارجها، وبعد انقضاء ما يُقارب الساعتين يعود إلى البيت ليجد سميرة قد أنهت أعمال البيت وحضّرت الفطور وتنتظره.

انتظمت حياة سمير على هذه الوتيرة الهادئة، يقضي مُعظم ساعات يومه بالجلوس في البيت مع زوجته التي كثيرا ما كانت تقوم بالعزف على البيانو وتغني بعض الأغنيات، أو بزيارة أقارب وأصدقاء، والمشاركة بمناسبات اجتماعيّة وثقافية مختلفة، وكانت أيام السبت أحلى الأيام وأجملها حيث يلتقي الأبناء والأحفاد لساعات طويلة حتى كان ذلك اليوم الحزين والساعة الرّهيبة عندما فوجئ بانقطاع عَزْف سميرة  وصَمْت مُفاجئ يلفُّ المكان فالتفت نحوها وإذا بها تحني رأسَها على البيانو بهدوء وبسمة تملأ محياها.. ناداها لم تُجب.. سارع إليها، أمسكها ، لاطف وجهَها، ولم تُبدي أيّ ردّ فعل ، ففزع وسارع للاتّصال بالإسعاف وطبيب العائلة الذين أعلنوا أنّ سميرة تعرّضت لنوبة قلبية حاّدة وفارقت الحياة.

لم يستوعب سمير كلّ الذي حدث، ولم يُصدّق أنّ زوجته المحبوبة فارقته إلى الأبد وتركته لوحده. حاول الأبناء والأقارب بكلّ الوسائل تخفيفَ وَقْع المصيبة عليه، واقترحوا أن ينتقل للسَّكن عند أحد أبنائه. ولمدّة أسبوعين ظلّوا يلازمونه كلّ ساعات اليوم والليل .. واضطر سعيد أنْ يعود إلى ألمانيا لمُتابعة دراسته في كليّة الطب، وبعد يومين سافر عمر إلى جامعة تل أبيب حيث يدرس في كلية الحقوق، وأيضا عزّات وحميد عادا إلى بيتهما ولمتابعة عملهما.

انطوى سمير على نفسه وفضّل الوحدة والعُزلة، كان يسعد بزيارة الأبناء والأحفاد، يستقبل أحيانا بعضَ الأصدقاء والمعارف والجيران، ولكن أغلب ساعات اليوم كان يقضيها وحيدا يتجوّل في حديقة البيت، وإذا حلّ الظلام يُغلق الأبواب ويجلس لمتابعة بعض البرامج التلفزيونيّة.

كان يُكثر الوقوف أمام صور الأولاد وزوجته سميرة ويمسح الدموع المنسابة على خدّيه، وكثيرا ما كانت سميرة تأتيه وقد استسلم للنّوم، تُجالسه وتُحدّثه. كان يُعاتبها على هجرها له ورحيلها عنه. لكنّ الأحلام الجميلة التي كانت تجمعه بسميرة وأولاده بدأت تختفي وتحلّ محلّها الكوابيسُ المُخيفة. أحيانا يسمع صوتَ إطلاق رصاص خارج البيت ويرى أحدَ أولاده مُلقى خارج الباب ينزف دما. وليلة أخرى يرى سميرة يجرّها رجالٌ أشرار يدفعونها بكلّ عنف وهي تستنجد به ليخلّصها منهم. ومع الأيام بدأت ساعات الليل تكون رهيبة تُعَيّشه في الفَزع والخوف.

بدأ يكره الظلام ويخافه، ويُسارع مع قُرب الغروب لأغلاق الأبواب والنوافذ. يحصر نفسَه في غرفة نومه حتى ساعات الصّباح الأولى. يُفزعه أيُّ صوت يصله من الخارج أو أيّ حركة تحدث، حتى اهتزاز أغصان الشجر ومواء القطط بدأت تُرعبه.

كم تمنّى لو أنّ بيته يضيق ليقتصر على غرفة صغيرة تضمّه ساعات الليل. فالبيت الواسع والغرف المُتعدّدة تُسبّب له الخوف، وساعات الليل بالنسبة له ساعات القلق وتوقّع المجهول والشرّ. حتى بدأ يتخيّل وكأنّ هناك مَنْ دخل البيت واختبأ في إحدى الغرف، أو أنّ لصوصا يراقبونه وسوف ينقضّون عليه.

لاحظ الأبناء أنّ حالة والدهم بدأت تُثير القلق وتستدعي الاهتمام، فألحّوا عليه أن ينتقل ليُقيم معهم. لكنّه كان يُكابرُ ويتظاهر بالقوّة وأنه لن يترك بيته، وسيبقى في بيت الذكريات الجميلة يستعيدها ويحياها. حتى كان وحضر عزات، الابن الأكبر، لزيارة والده ومجالسته فوجده مُتكوّما في زاوية غرفة نومه، يبدو الفزع والخوف في عينيه وقد فارق الحياة.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب