قُبَيل الفجر (قصّة من أقاصيص)| محمد علي طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

/النّاطق

مرهقاً قاد الدّكتور سامي الشّرقاوي سيّارته المازدا عائداً من الحرم الجامعيّ الى بيته في قريته النّائمة على ذراع الجليل الغربيّ بعد النّقاش السّاخن بينه وبين زميليه في العمل دكتور أوري مزراحي ودكتور يوسي غولدفيلد، مما جعل جثث القتلى من الشّعبين تقفز إلى قاعة النّدوة التي كانت مخصّصة لموضوع الاحتباس الحراريّ الذي لا علاقة له بهذه الحرب الضّروس وبأحداث يوم السّبت السّابع من أكتوبر.

خلع د. أوري مزراحي ثوبه الجامعيّ وشنّ على زميله د. سامي الشّرقاوي حرباً وحمّله أحداث ونتائج ما جرى في ذلك اليوم في قرى غلاف غزّة بعد أن قرّر أن يكسر فنجان الكابتشينو الذي كان يشربه أسبوعيًّا مع زميله سامي في مقصف الجامعة منذ سبع سنوات.

تفاجأ د. سامي من هجوم زميله أوري ومن صمت زميله يوسي والصّامت عن الحقّ شيطان أخرس فكيف إذا كان بينه وبين يوسي عيش وملح بعدما زاره في بيته ثلاث مرّات وتناولا معاً الطّعام اللذيذ الذي تجيد زوجته أميرة طهيه وتقديمه بصورة جميلة.

اتّهم أوري العرب بعامّة والفلسطينييّن بخاصّة أنّهم قتلة ومجرمون يخطفون الأطفال ويغتصبون النّساء ويقتلونهنّ وانّ ما فعلوه في غلاف غزّة يذكّر المرء بأفعالهم بالجاهليّة حينما كانت قبيلة تغزو قبيلة أخرى مثل حرب داحس والغبراء ولمّا احتدّ النّقاش قال له "أنتم دواعش" وهذا ما فعله المسلّمون في العراق وفي سوريا مع الاقليّات.

ذُهل د. سامي من هذا الهجوم وهذه الاتّهامات وشعر بجفاف في حلقه وبحبّات عرق على جبينه الحنطيّ على الرّغم من انّ الطّقس شتويّ.

كان د. سامي يحدّق في الحاضرين في القاعة فلم يجد طالباً أو طالبة من طلاّبه ولم يحتج أن يسأل عن سبب غيابهم فالبلاد في حالة حرب والشّبّان اليهود في جبهة القتال في الجنوب وفي الشّمال والطّلاّب العرب في بيوتهم.

كان الحاضرون رجالاً ونساءً، مسنّين ومسنّات، من المدرّسين ومن العاملين في الجامعة. يعرف د. سامي القليلين منهم معرفة سطحيّة.

كان قد التقى بهم في المقهى أو في المطعم أو في المكتبة وتبادل التّحيّات مع بعضهم.

شعر بندم لموافقته على المشاركة في النّدوة التي تمّ اختيار موضوعها وموعدها قبل شهر وعدّة ايّام من نشوب هذه الحرب التي فاجأت الجميع. كان عليه ان يقدّر الجوّ العدائيّ والموقف العدوانيّ لكلّ ما هو عربيّ في هذه الأيّام العصيبة وكان عليه ان يعتذر عن المشاركة في النّدوة او ان يطلب تأجيل موعدها على الاقلّ فالبلاد في حالة حرب والطّائرات الحربيّة تقصف مدن قطاع غزّة وقراه ومخيّماته وتقتل الرّجال والنّساء والأطفال، والدّبّابات تمحو مدناً وقرى عن وجه الأرض وجثث القتلى من الغزّييّن في الشّوارع وعلى الأرض ولا أحد يدفنها.. موتى بلا قبور.

كانت السّيّارة تسير ببطء ود. سامي يقود بحذر وسط العاصفة، وكان البرق يلمع وكان الرّعد صارخاً وكان المطر غزيراً.

وقفت صورة والده أمامه.. بين زخّات المطر وبين لمعان البرق. دفعنا ثمناً غالياً يا ولدي حتّى بقينا في الوطن. لا أحد يعرف ذلك سوانا نحن الذين ذقنا المرّ والصبّار والزجاج.

تدمع عينا أبي سامي كلّما تذكّر تلك الأيّام التي لا تُنسى، ما قابلَنا في تلك الأيّام صحافيّ يا ولدي ولا تحدّثنا في إذاعة او تلفزيون. لم يشاركنا أحد في مأساتنا. عشنا في البراري بين الصّخور وبين الأشجار. نمنا في العراء تحت السّماء والطارق كما يقولون، ما زالت الحرب هي الحرب، وما زال الصّراع على البيت.

هدموا بيتنا وقريتنا مثلما يهدمون اليوم بيت حانون وجباليا وحيّ الرّمال، دفعنا ثمناً غالياً يا ولدي حتّى بقينا في الوطن.

ولماذا تخاطبني في وقت الشّدائد يا ابتي؟ أما زلت تخاف عليّ؟ تعلّمت منّك الصّمود، واعتدتّ على التّحدي واعتدت على حوار الآخر.

لن أحني رأسي في يوم ما، أنا ابنك يا أبي. انا سامي الذي رعيته وشدّدت أزره، ما حملت شهادة الدكتوراة كي أداهن واساير بل كي أعيش منتصب القامة ومرفوع الهامة.

النّكبة تعود. أبطال المسرحيّة هم هم.

رمتني بدائها يا أوري وانسلّت.

من القاتل؟

أنا مرهق.

من القاتل؟

 

/الصّامت

على كتفي اليمنى شرطيّ، وعلى كتفي اليسرى مُخبر، وأنا مراقب في كلماتي وحركاتي وأحلامي، فجوّالي يراقبني، وبطاقة هويّتي تشي بأفكاري، وهذا الجهاز الذي في سيّارتي مُخبر عصريّ، وبلادنا في حالة حرب، ويبدو انّ الحكم العسكريّ عاد، ولا يثق المرء بأخيه وبصديقه وبزوجه، وصرنا نتحدّث همسًا، وقد يعود أبناؤنا وأحفادنا تلاميذ المدارس ينشدون على أطلال قراهم: "في عيد استقلال بلادي، غرّد الطّير الشّادي، عمّت الفرحة البلدان، من السّهل للوادي، يلّا ويلّا وهيه!" وكأنّ يوم الأرض حدث في بلاد الواق واق، ويوم المساواة ذهب مع الرّيح، وصارت المرحومة الدّيمقراطيّة أضيق من سمّ الخياط.

    يؤلمني أنّ أصدقاء الأمس من الشّعب الآخر وضعوا حزني في المختبر حينما رأوا غضب الإنسان الذي لا ينام في داخلي من صور قتل وأسر الأطفال والنّساء والشّيوخ في قرى كانت غلافًا لغزّة، وأتعبني البحث عن الضّمير الغائب فيما بعد.

    "كرمال" خاطر الدّولة أقفلت فمي بشريط لاصق، احتفظت به من أيّام حرب الخليج، كي لا تقتحم فرقة من الشّرطة بيتي في ليلة ظلماء. قالوا لي: اخرس لا تتنفّس! فأطعتهم فاستكثروا عليّ صمتي!

    وضعوا قائمة الممنوعات في دنياي وهم يدركون أنّ ما يُمنع في زمن الحرب من الصّعب إلغاؤه فيما بعد.

    لا يُسمح لي أن أفرح بهطول الأمطار لأنّ هذا الفرح قد يُفسّر تفسيرًا خطيرًا، ولا يجوز لي أن أقارن بين الطّفل العربيّ وبين الطّفل اليهوديّ لأنّ حياة الطّفل اليهوديّ هي المهمّة فقط لا غير وأمّا حياة الطّفل العربيّ فهي فاشوش لعربوش.

    ولا يصحّ أن أقارن بين حزن الأمّ اليهوديّة الثّاكل وبين حزن الأمّ العربيّة الثّاكل لأنّ هذه المقارنة جريمة وفيها تأييد للإرهاب فقد اكتشفت في هذه الأيّام أنّ الأمّ اليهوديّة لها قلب وعندها شعور واحساس وأمّا الأمّ العربيّة فهي منحوتة من حجر البازلت فلا تفرح ولا تحزن. مرحى مرحى لدبّابة المركفاه التي انتصرت على مستشفى، ومرحى مرحى للصّاروخ الذي هزم مسجدًا وكنيسةً وعمارة برلمان.

    لا بدّ من أن أبرهن خمس مرّات في اليوم على اخلاصي لسيّدتي الدّولة التي تراني عدوًّا لدودًا لها.

     يحقّ للوزير دختر أن يتحدّث عن نكبة غزّة وتدمير غزّة وترحيل سكّان غزّة وأمّا أنا المواطن العربيّ فممنوع أن أذكر ذلك بتاتًا لأنّ الجيش الاسرائيليّ جيش إنسانيّ جدًّا، وعليّ أن أتذكّر بأنّ العرب يحبّون الموت ويحبّون الرّحيل فالعربيّ بيته على ظهره منذ زمن البداوة، والرّحيل جزء من حياته وتاريخه، والأطلال رمز لحضارته.

    لا يحقّ لي أن أصرخ من وجعي: "أوقفوا الحرب" لأنّ إيقاف الحرب يعني انقاذ النّساء والأطفال والأشجار والأزهار والأطيار والخدّج ومرضى السّرطان وهذا يعني أنّني إنسان.

    منذ السّابع من أكتوبر طلبوا مني أن أكون إنسانًا بلا عينين وبلا أذنين وبلا لسان وباختصار بلا حواس، وأمروني: اخرس لا تتنفّس! ثمّ صرخوا في وجهي: لماذا أنت صامت؟

    دعا عضو كنيست اسرائيليّ من الائتلاف الحاكم إلى قصف غزّة بقنبلة ذريّة ومسحها من على وجه الأرض مثلما فعلت أمريكا في هيروشيما. هذا البرلمانيّ رجل ديمقراطي ويجوز له ما لا يجوز لغيره. لا هيك الإنسانيّة لا بلاش.

لا بدّ يا ناس، يا عالم، من أن تنتهي الحرب ولا بدّ من أن يعرف الآخر أنّني واحد من خمسة وبدوني لن تكون في البلاد ديمقراطيّة ولن يكون طبّ وصيدلة وحديقة وأشجار وأزهار وحمّص وفلافل.

وسيّارتي تسير. والبرق يلمع. والرّعد يقصف. وماسحات المطر تروح وتجئ بسرعة على زجاج السّيّارة الأماميّ وتكاد تتعب من غزارة المطر.

وعمود أسود يخرج من غابة الصّبّار وينتصب أمام دكتور سامي. مارد أسود.

من الذي هدم بيتكم في عام النّكبة؟

من الذي سرق قمحكم وخبزكم وزيتكم؟

ويخرج المارد من غابة الصّبّار الى الإسفلت.

هزّي بجذع النخلة يا مريم!

هزّي هزّي!

من غابة الصّبّار يخرج.

قال: ربّي وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك ربّي شقيّاً.

قال كذلك. قال ربك هو عليّ هيّن وقد خلقتك من قبل ولم تكن شيئاً.

طفل صغير يلعبط. يتحرك. يخرج من قماطه. يعدو في الشّارع يكاغي.

اسمي مخيّم.

هل يا بدر لا رحنا ولا جينا.

لا. لا.

 

                                /ليلة الدّخلة

مدّت الرّياح أصابعها الى أغصان التّوتة وعرّتها من الأوراق قبيل النّوم مثلما يفعل العريس والعروسة في ليلة الدّخلة في شهر كانون الأول.

تساقطت الأوراق الصّفراء والأوراق البنيّة على الأرض الموحلة فانكشفت الحرباء بلونها الرّمادي على غصن التّوتة بعدما شعرت بالبرد القارس وتمدّدت وحبت ببطء على الغصن الوسنان فضحكت أوراق التّوت اليابسة على التّراب وخرج حفيفها ممزوجاً مع الرّياح.

بكت الرّياح.

وندبت الاغصان.

همست الحرباء في أذن التّوتة: "الربيع قادم".

ردّت الأوراق: يا له من حلم جميل.

 

                                /زيتونة الشّيخ رومان

كانت لزيتونة الشّيخ رومان التي تقع في الهامش الجنوبيّ للدّرب التّرابيّ الذي يربط قريتنا بالمدينة رهبة كبيرة. هي شجرة عجوز لها جذع خشن تزيّنه ثقوب عديدة مثل أفواه عجائز خالية من الأنياب والأسنان، تستوطنها حشرات عديدة مثل النّمل والدّبابير والزّقرط. والزّقرطة حشرة تشبه النّحلة ولسعتها أضعف من لسعة الدّبّور وأقوى من لسعة النّحلة. وهذه الزّيتونة العجوز من فصيلة الزّيتون الرّوميّ الموجود في بلادنا ويُعتقد أنّه من زمن الرّومان الذين استعمروا وطننا أي قبل ان تدخل خيول يزيد بن ابي سفيان فلسطين وتنشر الدّين الإسلاميّ. باعدت السّنوات بين فروعها وخلعت عنها الأفنان الخضراء فبدت تحمل هرم الشّيخوخة وتشي بأنامل الجنيّة واظافرها الحادّة. وكانت جدّاتنا وامّهاتنا يقسمن بها في حديثهنّ وينذرن النّذور لها إذا ما مرض طفل او طفلة او اعتلّ شابّ او صبيّة او إذا ما تعسّر حمل عروسة او طالت غيبة مسافر، ويعلقنّ على فروعها الحزينة قطع القماش الحريريّ او الكتّانيّ وفق الوضع الماديّ والاجتماعيّ للمرأة النّاذرة. وحدث في طفولتنا أن أُبعدت عائلة مطاوع العبد عن قريتنا لمدّة عام بعد خلاف مع عائلة مسعود فتركت الأولى محراثها وتوابعه عند جذع الزّيتونة أمانة ربّما تعود من الأبعاد فلم يقترب أحد منه وبقي سليماً كما تركه المَساعدة حتّى عودتهم. وكنّا في تلك الأيّام عندما ننهي لعبنا في ساعات الغروب في حاكورة البركة ونقرّر العودة الى بيوتنا قبل ان يحلّ الظّلام فنهرب مهرولين في الدّرب مخافة ان تقبض على ملابسنا أنامل الزّيتونة الحادّة. وما زلت حتّى اليوم اذكر واقعة القسم عندما اتّهمت زليخة زوجة صالح عبد الهادي الشّاب جميل أبو ذراع ابن الحارة الفوقا بسرقة حليّها ستّ ليرات ذهب عصملية وسواران وادّعت أنّها رأت بعينيها الاثنتين رجلاً طويلاً مقنّعاً تسلل في الليل الدّامس الى غرفة نومها وسرق حليّها ولم تنبس ببنت شفه من شدّة رعبها. ولكن الرّجل انكر ادّعاء الحرمة فطلبت العائلة منه ان يقسم اليمين عند جذع زيتونة الشّيخ رومان بعد صلاة الجمعة فوافق مكرهاً فالعرف يقضي بأنّ البيّنة على من ادّعى واليمين على من انكر. تجمّع اهل قريتنا في ذلك النّهار أمام المسجد بعد صلاة الجمعة لمشاهدة فصول المسرحيّة المجّانيّة. سار الامام عبد الهادي وسار وراءه عدد كبير من رجال القرية ومن الاولاد وكنت واحداً منهم. كنّا نترقب أداء القسم وعقاب اللصّ وكيف أنّ الشّيخ رومان سوف يُيبّس له ذراعه إذا كان كاذباً وتصبح مثل عصا المكنسة. كنّا فرحين، نضحك ونقفز. اقترب الموكب من الشّجرة العجوز وما هي الّا عشر خطوات وربما أقلّ من ذلك حتّى انهار الرّجل الشّابّ القويّ جميل أبو ذراع وقال بصوت مرتجف: دخيلك يا سيدي الشّيخ رومان، ذهبات الحرمة عندي.

كانت شجرة زيتون عجوز مباركة لها هيبة. وحدثت لها مأساة بعد عام النّكبة عندما اقامت عائلة محمود الدّامونيّ خيمة بجوارها وسكنت فيها حتّى يفرجها الله وتعود العائلة الى بيتها في قريتها المهجّرة. وفي سنة الثّلجة كان البرد قارساً جدّاً يهدّد حياة العائلة وخاصة الأطفال مما دعا محمود ان يتناول بلطة حادّة ويباشر في قطع فروع الزّيتونة واشعال النّار فيها كي تتدّفأ العائلة. وتعجّب اهل قريتنا واستغربوا جدّاً مما فعله الرّجل الكافر وتوقّعوا له السّوء فلا بدّ من ان يضربه الشّيخ رومان ضربة قاضية. وطالت أيّام الثّلج والبرد وكان محمود يشغل بلطته كلّ يوم في جذع الزّيتونة حتّى أتى على جذورها ولم يعد للزيتونة أثر في التّراب.

ولم يحدث لمحمود مكروه بل بنى برّاكيّته من التنك والخشب مكان الشّجرة واستوطن فيها مع عائلته.

وبعد عشر سنوات أصاب محمود عارض صحّيّ أدّى الى شلل في يده اليسرى وساقه اليسرى أيضاً فقال النّاس إنّ الله تعالى يمهل ولا يهمل، بينما قال الطّبيب ان عدم تناول محمود الدّواء الذي يعالج ضغط الدّم العاليّ كان السّبب المباشر للعارض الصّحيّ.

ومرّت سنوات وعقود واتّسع الشارع وعبّده أحد المقاولين الذي فاز بمناقصة توسيع وتعبيد الشّارع، ولا أحد من اهل قريتنا في هذه الايّام يعرف ان شجرة زيتون عجوز مباركة لها هيبة كانت مكان البناية الكبيرة ذات الطّبقات الخمس التي تسكنها عائلة الدّامونيّ، ولعلّي واحد من القلائل، من اهل قريتنا الذي يعرف هذه المعلومة.

  

 

                                   / ماجد يبحث عن قبر

البرد قارس والرّياح عاتيه والمطر يتساقط بغزارة والصّبيّ عمره سبع سنوات وسبعة أشهر وسبعة أيّام، وماجد يحدّق بعينيه السّوداوين في السّماء ويخاطبها، يدعو، يبتهل، يرجو، يناشد، يسأل، وأمجد على ظهره. كانوا سبعة، وماجد يحارب الرّياح ويتحدّى ويتّهمها بالتّعاون مع الغول. وقدما الغول في الوحل وذراعه في الفضاء وأنامله تقترب من عنق الصّبيّ. والحمل ثقيل، وماجد يشتم وشتيمته تجري مع الرّياح. كانوا سبعة والقصف كان في السّابعة، صباحاً او مساءً، لا فرق، الزّمن هو هو، والقصف هو هو، والموت هو هو، والسّاعة هي هي، قالوا له إنّ والديه سافرا الى الجنّة، وصاروا خمسة، وأمجد على ظهره، لم يسافر أمجد مع والديه، أمجد على ظهر ماجد، وماجد يبحث لأمجد عن قبر، ولو يا وطن، يا سهول ويا هضاب، يا بيّارات ويا أشجار ويا كروم، أمجد على ظهر ماجد، والصّبيّ عمره سبع سنوات وسبعة أشهر وسبعة أيّام ويحمل أخاه على ظهره، كان أخوه واحداً من سبعة وصار واحداً من خمسة و... أم الطائرات و.. أم الدّبّابات و.. أم الجنود، ذهب الذين يحبّهم، ماجد وحيد، يحمل أخاه أمجد على ظهره ويبحث له عن قبر، ولو يا وطن، أمجد يكتفي بحفرة طولها متر وعرضها نصف متر وعمقها متر، وماجد يحمل أمجد على ظهره ويبحث له عن قبر، كانوا سبعة، هل لحقوا بالوالدين؟ هل امتطوا طيور السّمان التي طارت واختفت، هل طاروا؟ لم يترك الفولاذ طائراً في الوطن. هذا الخريف بلا طيور، لا سمّان ولا زرزور ولا قطا، وأمجد على ظهر ماجد، وماجد يبحث في هذا الوطن عن قبر لأخيه، عن قبر لأمجد، والرّياح تصفر، تنوح، تندب. والمطر غزير. ومعطف ماجد تحت ركام البيت، كان للعائلة بيت، وكان للبيت حارة، وكان للحارة مدينة، وكان للمدينة أهل، وكانوا سبعة، والرّياح عاتية، تبّاً للرّياح العاتية التي تمنع ماجداً من الحصول على قبر لأمجد، وأمجد على ظهر ماجد، وماجد عمره سبع سنوات وسبعة أشهر وسبعة أيّام، وابيّض شعر الصّبيّ بعدما غزاه الدّهر، ماجد ليس صبيّاً، كانت بيّارة برتقال، بيّارة خضراء وعلى اشجارها اوراق خضراء وازهار بيضاء لها عبير. قلعت أنامل الغول، الاشجار، قلعت البرتقال واليوسف أفندي، قلعت الزّيتون وقلعت النخيل، تعبت حمامة نوح وهي تحلّق في الفضاء وتبحث عن شجرة، عن زيتونة، بكت مريم وهي تبحث عن جذع نخلة كي تضع ولديها، اغتالوا الزّيتون والنخيل، راحتا الغول طويلتان، أنامله حادّة، وماجد يحمل جثمان أخيه على ظهره، ويبحث له عن قبر، ولو يا وطن. قبر طوله متر وعرضه نصف متر، وشاهد، حجر صغير يلائم القبر، والغول يكبر، ويكبر.

عن ماجد عن ابيه عن جدّه انّ الغول ظهر له عند باب الوادي...

 

 

                                    /زينب

ذهبت البنت زينب قبيل الفجر لتقضي حاجتها في الخلاء مثل عادة القرويّات والقرويّين في تلك الأيّام. وكان الخلاء يقع بين مقبرة القرية الجنوبيّة وبين كرم التّين الكبير وفيما كانت ترتدي سروالها شاهدته يخرج من دغل الصّبّار أو دخنوس الصّبّار كما كنّا نسمّيه. كان يصعد في الفضاء. يعلو ويعلو. أنفه مثل ثمرة اليوسف أفندي، وبين جبينه الأسمر الغامق وبين الأنف عين واحدة فقط لا غير. عين واسعة حمراء مثل جمرة السّنديان. وفمه كبير يتّسع لغراب وفيه أسنان حادّة متفرّقة. وذراعاه طويلتان مثل مذراتين.

صرخت البنت صرخة قويّة. يمّا. يمّا. يمّا. وهرولت.

كانت تعدو وهي مكانها. سمعته يناديها. قفي يا مقصوفة العمر! ولم تقف. ولمّا وصلت أخيرًا إلى بيتها ارتمت في حجر أمّها. فسقتها ثلاثًا من طاسة الرّعبة وكمرتها في اللحاف. ووضعت أمّها الطّاسة مملوءة بالماء على سطح المنزل كي تتنجّم وتسقيها منها في الأيّام الثّلاثة الآتية، وتتوكّل على الله.

سمع الشّابّ فرسان ابن عمّ زينب لحّاً بما جرى. وفرسان شابّ معروف بشجاعته وبسالته وقلبه الفولاذيّ. وكان فرسان يريد زينب وينوي أن ينزّلها عن ظهر الفرس لو زفّوها لرجل آخر. حمل خنجره المجدلاويّ وذهب مساءً إلى كرم التّين وانتظر عند دغل الصّبر علّه يلتقي بالغول.

يقول فرسان: دخّنت جربنديّة تبغ وأنا انتظر حتى بزغ سهيل ولم أرَ غولًا أو غوليّة، إلا أنّ زينب أكّدت له روايتها فذهب في الليلة الثّانية وانتظر ولم يرَ حيوانًا أو إنسانًا أو جنيّاً.

دخّن السّجائر وشرب الماء.

ويبدو أنّ الغول ابن حرام وذكيّ جدّاً ولم يغامر بلقائه حتى كانت الليلة الثالثة.

يقول فرسان: سمعت خرفشة ثمّ سمعت صوتاً، لا هو صوت انسان ولا صوت حيوان. لا صوت ذئب ولا صوت ضبع. صوت قبيح جدّاً.

وبدأ يظهر من دغل الصّبّار.

انتظرته.

كان يدنو من منيّته.

سحبت الخنجر من الغمد.

وسرت نحوه.

وهرب الغول ولحقت به.

دخل الكهف ولحقت به.

إمّا قاتل أو مقتول.

وهرب إلى الدّاخل، ولحقت به.

واختفى.

وعاد فرسان الى القرية التي احتفلت به وبزينب.

 

 

/الشّيطان

اعتقدت أمّي أنني بحاجة الى علاج عند الشّيخ يوسف فحاولت اقناعها بخطأ تفكيرها فنحن في عصر العلم يا حاجّة، وأمّا والدي فشكّ في روايتي على الرّغم من أنّني أكدت له أن الشّيطان يظهر لي في المدرسة وفي ملعب الكرة وفي الحاكورة وفي قاعة الإحتفالات. يبتسم لي احياناً ويضحك احياناً ويبكي بدون صوت احياناً أخرى وأقسمت له أنّني عملت بنصيحته وقرأت آية الكرسي فاختفى للحظات ثمّ عاد كما كان، الوجه هو هو، والعينان هما هما، والملابس هي هي، والأنف هو هو، والأذنان اكبر من أذني جاري في الصّف الدّراسيّ، جاري حسني الحمار. هكذا نسميه لأنّه يحرّك أذنيه الطّويلتين الى الإمام والى الوراء، والى اليسار والى اليمين. يسمّيه البعض "أبو الأذنين". نطلب منه أن يحرّك أذنيه الطّوليتين كما يفعل الحمار فيفعل وهو يضحك ضحكة صغيرة ولكنّ حسني الحمار نظر اليّ مشدوهاً مشكّكاً بعقلي حينما قلت له إنّ الشّيطان يجلس قبالتنا وطلبت منه أن يراه فقال لي: "سلامة عقلك يا مجدي".

في المرّة الأولى شاهدته بجوار امرأة عارية شقراء ذات عينين زرقاوين وشعر أشقر طويل وأنف صغير وفم بحجم الخاتم. امرأة عارية كما خلقها ربّنا. فلمّا أخبرت والدي بحياء عمّا رأيت نهرني وقال لي: هذا من قراءتك للرّوايات الأجنبيّة ولم يعلم أنّني شاهدت بالسّرّ فيلم "هشّك مشّك". ونصحني أن أطالع كتب التّراث وأمّا أمّي فقد فتّشت عن نساء حارتنا في ملابس الدّاخليّة ونزلت الدّموع من عينيها السّوداوين ذاتي الرّموش الوطفاء التي تعتزّ بها ونذرت أن تضيء سبع شمعات لمقام سيّدنا الخضر.

انتشر الخبر بين أترابي فسألوني عنه وحاولوا ان يرصدوه فتردّدت في البداية ولكن سالم ابن جارتنا صالحة كان لحوحاً وهدّدني بألّا يلعب معي في أيّة لعبة إن لم أرصده معه فوافقت ورصدناه معاً فلمّا جاء الشّيطان ووقف أمامي عند شجرة البلّوط في أثناء جولتنا المدرسيّة ناديت سالم كي يراه فاختفى، فقال سالم: لم أرً شيئاً وانت واهم وموسوس. فكّرت ان اشتمه ولكنني تراجعت ومرّت أسابيع وأشهر كان يغيب أيّاماً ثمّ يعود. عاد مرّة بصورة شرطيّ من حرس الحدود فأقسمت له بأنّني لا أحمل بطاقة هويّة لأنّ القانون يعفيني من ذلك لصغر سنّي فهزّ رأسه ولا أدري إذا ما وافقني او خالفني إلّا أنّه أصرّ على أن أحمل بطاقة هويّة للقاء القادم.

حاولت ان اسأله ماذا يريد منّي فأنا انسان عاديّ وبسيط ولم أؤذِ هرّة ولم أكذب ولم أسرق ولم أنافق فضحك ساخراً منّي ومسحت حبّات العرق عن جبيني.

عاد مرّة بصورة رجل المخابرات فسألني عن طعام فطوري وطعام عشائي وعن سور القرآن التي يقرأها الشّيخ الإمام في صلاة العشاء التي أدّيتها مساء أمس والتي قرأها في صلاة الغائب فلم أجبه فاختفى. وعاد مرّة أخرى حزيناً باكياً فأشفقت عليه وحاولت أن أجفّف دموعه بمنديل ورقي فربت على راحتي.

عندما تقدّمت لإشغال وظيفة في المجلس البلديّ تتعلّق باختصاصي سألني رئيس لجنة القبول إذا ما كانت لي علاقات مع قوى أجنبيّة فأدركت أنّ العكروت يعلم بعلاقتي مع الشّيطان فانسحبت من المسابقة ولعنت الشّيطان ولعنت رئيس لجنة القبول وأكثرت من اللعن عليه.

على من؟

 

/من أمنيّات الصّغار في العالم

قال التّلميذ الصّغير في "روضة المستقبل الأخضر" في مدينة بيروت: عندما أكبر سوف أصير إعلاميّاً بارزاً.

قال التّلميذ الصّغير في "روضة المستقبل الأخضر" في مدينة القاهرة: عندما أكبر سوف أصير ممثّلاً سينمائيّا عالميّا.

قال التّلميذ الصّغير في "روضة المستقبل الأخضر" في مدينة برازيليا: عندما أكبر سوف أصير لاعب كرة قدم دوليّا.

قال التّلميذ الصّغير في "روضة المستقبل الأخضر" في مدينة نيويورك: عندما أكبر سوف أصير مليونيراً وأملك مصانع أسلحة.

قال التّلميذ الصّغير في "روضة المستقبل الأخضر" في مدينة باريس: عندما أكبر سوف أصير فيلسوفا.

قال التّلميذ الصّغير في "روضة المستقبل الأخضر" في مدينة برلين: عندما أكبر سوف أصير عالم ذرّة.

قال التّلميذ الصّغير في "روضة المستقبل الأخضر" في مدينة موسكو: عندما أكبر سوف أصير رائد فضاء.

قال التّلميذ الصّغير في "روضة المستقبل الأخضر" في مدينة بيجين: عندما أكبر سوف أصير كوكباً.

قال التّلميذ الصّغير في "روضة المستقبل الأخضر" في مدينة طوكيو: عندما أكبر سوف أصير صاحب مصنع سيّارات ذرّيّة.

قال التّلميذ الصّغير في "روضة المستقبل الأخضر" في مدينة الخرطوم: عندما أكبر سأكون عالماً زراعيًّا يزرع الصّحارى قمحاً.

قال التّلميذ الصّغير في "روضة المستقبل الأخضر" في مدينة ليبيريا: عندما أكبر سوف أصير عالماً يحوّل التّراب الى أرغفة خبز طريّة.

وقال التّلميذ الصّغير في "روضة المستقبل الأخضر" في مدينة اسمها رفح أو غزّة أو طولكرم أو جنين: قبل أن أكبر سوف أكون شهيداً.

                              

/مقابلات

سأل مذيع التّلفزيون البنت السّمراء من خان يونس عن اسمها فأجابت بدون تلعثم: انا نور ابنة الشّهيد والشّهيدة، واخت الشّهيد والشّهيدة، وحفيدة الشّهيد والشّهيدة، ومن آل الشّهيد والشّهيدة، ومن حارة الشّهيد والشّهيدة، وصديقة الشّهيد والشّهيدة انا نور مشروع شهيدة.

وفيما كانت البنت السّمراء تجيب السّيّد المذيع سقط مطر غزير ونبتت نباتات خضراء وتفتّحت ازهار شقائق النّعمان.

وسأل مذيع التّلفزيون طفلة من روضة أطفال في مخيم نور شمس عن اسمها فأجابت: انا وردة وكان اسم ابي يزيد فصار اسمه مخرّباً، وكان اسم أمّي حرّية ولأنها تكره السّجون صار اسمها مخرّبة، وكان اسم أخي رياح، ولأنه يكره الجنود فصار اسمه معتقلاً، وأما أختي فكان اسمها أمل ولأنها تكره الدّبّابة فصار اسمها شهيدة.

نسيت أن اقول لك: كان اسمي وردة فلمّا شتمت جنديّاً صار اسمي مخرّبة.

 

 

/دعاء فاطمة

نضبت الدّموع من عيني فاطمة السّوداوين بعدما بكت جدّها الشّهيد وجدّتها الشّهيدة، وبعدما بكت والدها الشّهيد ووالدتها الشّهيدة، وبعدما بكت أخاها الشّهيد وأختها الشّهيدة، وبعدما بكت سلفها الشّهيد وسلفتها الشّهيدة، وبعدما بكت جارها الشّهيد وجارتها الشّهيدة، وبعدما بكت مدرّستها الشّهيدة ومدرّسها الشّهيد، وبعدما بكت قطّتها الشّهيدة، ورفعت راحتها الى السّماء وقالت: اسألك يا ربّ ألّا يبكي أحدٌ عليّ.

 

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية