كَفٌّ تلاطمُ مخرزًا (2): قراءة في رواية "بلد المنحوس" لسهيل كيوان

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

تبنّى اليهود بعد الاستيلاء على عكّا سياسة إقلاق راحة أهلها بواسطة قرع الطبول، والنحاسيّات، والأبواق ليل نهار، وافتعال المشاكل مع السكّان والتحرّش بهم قصد إرغامهم على الرحيل عنها، لكنّ هذه السياسة لم تزدهم إلّا تمسّكا بمدينتهم، وحين وصلت الفرقة المزعجة بآليّاتها إلى باحة بيت أمين الزيدان ودخلوا إلى حديقته ومعهم حمارهم وقد علّقوا في عنقه نايات ربحي الناياتيّ، ووصل أحدهم إلى غنمة أمين، وراح يعبث بها، لم يستطع أمين أن يتمالك نفسه، فوقف في شرفة بيته وصار يلعنهم، ويلقي عليهم ما يجده في طريقه من أشياء، فسقط قائدهم أرضًا، ممّا جعله يطلق الرصاص نحو أمين دون أن يصيبه، إنّما ألحق ضررًا بالغًا في بيته، فهبّ أهل الحيّ لنصرة أمين، عندها تراجع اليهود عن بيته، وتوقّف التطبيل، وانسحبوا عائدين خشية أن يتورّطوا في شجار مع أهل الحيّ (267 - 269)، بذلك يُبدي أمين جرأة بالغة في التصدّي للمحتلّ والدفاع عن بيته، وهو يفتقر لأيّ سلاح يُمَكّنه من ردّ المعتدين.

رغب أمين الزيدان في ترميم بيته وفق القانون، فتقدّم بطلب الأمر من شركة تطوير عكّا التي تشرف على عمليّة الترميم وتنفّذها، وبعد عمليّة فحص البيت ووضعه طُلِبّ من أمين مبلغًا باهظًا مقابل الترميم، لكنّه لم يستطع دفعه،فعرضوا عليه أن يبيعهم البيت أو يؤجّره لهم لمدّة تسعة وتسعين سنة، وهي السياسة التي اتّبعها اليهود للاستيلاء على ما تبقى من بيوت عكّا وطرد سكّانها، لكنه رفض، فانهالت عليه الأوامر لإخلاء بيته، ووصلته آخر رسالة من الشركة المذكورة تأمره بضرورة إخلاء البيت، وإلّا سيتمّ الأمر بالقوّة، وسيدفع تكاليف قوّة الشرطة المصاحبة، وتكاليف عمليّة الإخلاء، ممّا دفع شباب الحيّ لإقامة خيمة اعتصام تضامنًا معه واحتجاجًا على معاملة السلطة، تهافت الناس على اختلاف مشاربهم على الخيمة يلقون بكلماتهم وانتقاداتهم للسلطة، حتّى شاعت ممارسات السلطة في كلّ البلاد وفي العالم الواسع، أمّا أمين فلم يترك بيته وصار يتسلّل إليه لينام فيه، لكنّ هذه الخطوات لم تردع فرقة الطبول والنحاسيّات، بل ازداد إزعاجهم وبلغ توتّر الناس ذروة أخرى، أطلق عليها حساسيّة الطبل التي أصابت الأطفال، الرجال، والنساء على حدٍّ سواء(270 – 273).

هذه الهبّة لم تُفقد رجالَ السلطة الحيلةَ لكفِّ الناس عن تضامنهم مع أمين، إذ قام إيزاك باستدعاء ابنه شكري إليه وعيّنه معلّما للموسيقى في قريتي المكر وجديّدة، فطلب أمين من ابنه رفض الوظيفة، لاعتقاده بوجود سرٍّ وراء ذلك، لكنّ شكري اقترح على والده الانتظار ريثما يصدر عن السلطة ما يسوءه، ولمّا علم الناس بتعيين شكري معلّمًا تراجعوا عن الخيمة والتضامن مع والده، وشكّوا بمصداقيّتهما، بل اعتبروهما عميلين للسلطة، وحينما تعرّض شكري لاعتداء الشرطة وشراسة الكلب راعام عند الحاجز الذي أقامته الشرطة لمراقبة تحرّكات أهل عكّا في غدوّهم ورواحهم، وهو في طريقه إلى المدرسة، ممّا اضطرّه إلى دخول المستشفى، عندهاتجدّدت ثقة الناس بأمين وابنه بعد أن شرح لهم أمين ممارسات السلطة معه ومع ابنه شكري. وهكذا يظهر أمين حريصًا على سمعته الطيّبة، شهامته، وتقدير الناس له، وقد زرع هذه الخصال في نفس ابنه شكري ويتمثّل ذلك في وصيّته له: "المال إذا راح ممكن أن نستردّه، ولكن الكرامة إذا راحت ما بترجع"(280).

 

      1. نماذج نسائيّة متباينة

تعكس الرواية نماذج نسائيّة متباينة إيجابًا وسلبًا، تظهر السيّدة نجمة الزيدان، زوج أمين الزيدان، أبرز النماذج الإيجابيّة، وممّا تسجّله الرواية لصالحها أنّها عرضت بيتها على السيّد قدّورة وتلاميذه ليكون مكانًا بديلًا لدارة الفنّحتّى يواصل الأولاد دروسهم الموسيقيّة بعد سيطرة اليهود عليها (ص144). أمّا أجرأ مواقفها وأكثرها شهامة يوم أعلنت الإضراب عن مجامعة زوجها؛ احتجاجًا على موقفه وعدم فاعليّته كغيره من الرجال في صدّ اعتداءات اليهود عليهم، ومواصلة إزعاجهم وإقلاق راحتهم وحرمانهم من النوم بطبولهم وأبواقهم، وهم لا يقومون بأيّ محاولة تصدٍّ لليهود، تقول نجمة مخاطبة زوجها: "لقد نجحوا بخصيكم، اقتنعتم بأنّكم عاجزون عن مواجهة من يحرمونكم النوم بطبولهم وأبواقهم، عاجزون حتّى عن ترميم بيوتكم، هكذا قُتِلَتِ الشّهوة، لم يعد لي قدرة على شيء، هذا الشيء الذي في بالك، انتهى عندي وعند كلّ نساء الحيّ، جميعهنّ يعانين من الحساسيّة والبرود، ما بدّي إشي منّك، احسبني قد متّ ودفنتَني"(241 – 242). تبنّت معظم نساء عكّا موقف أمّ شكري وأضربن عن علاقتهنّ بأزواجهنّ، وأخذ الرجال يتداولون الأمر فيما بينهم متذمّرين من سوء معاملة زوجاتهم وإعراضهنّ عن ممارسة حقّهم الشرعيّ، إلى أن تدخّل رجال الدين وشيوخ المساجد وأكّدوا في خطبهم أنّ الدين يحرِّم ذلك السلوك ويعدّه معصية توجب دفع كفّارة، الأمر الذي جعل النساء يتراجعن عن موقفهنّ، فيُفضّ الإضراب ما عدا أمّ شكري التي واصلت إضرابها رغم محاولات زوجها العديدة وتوسّلاته لها، ووعده أن سينفّذ كلّ طلباتها إلّا أنها بقيت على رأيها وإصرارها حتّى رأت زوجها يدافع عن بيته الذي اقتحمه اليهود، يشتمهم، يرميهم بالكراسي وأحواض الزهور، وزوجته نجمة تذود عنه، وتقاطر الناس من كلّ صوب، فخشي قائدهم، أوريا، من التورّط، وأمر جماعته بالانسحاب مشيّعين بالشتائم، وقد شعر أمين بأنّه يقتلع شوكة صبّار من حلقه، فهذه أوّل مرّة منذ يوم النحسة يعبّر عن غضبه، أخيرًا فعل شيئًا ما، ممّا ارضى زوجته، وقامت بمصالحته(248،267 – 269).

صورة أخرى لسيّدة فاضلة هي زهرة الخيّاطة، أمّ ياسمين، التي نشأت وتربّت في بيت تقليديّ محافظ، لم تكن تسمح لخطيبها مالك الجارحيّ بأن ينال منها أكثر من المصافحة خلال سنتين، وحين سرق منها قبلة على خدّها كاد يُغمى عليها، وما عادت تختلي به أبدًا، وفي ليلة زواجها رفضت أن تقف أمامه عارية، وأصرّت على إطفاء النور لتتيح له القيام بواجبه الزوجيّ، وهي في نصف ملابسها (ص290). هذه المرأة انتهك عرضها واغتصبت من قبل جندي يهوديّ يدعى أوريا كما اغتصبت غيرها من النساء، يفاجأ زوجها مالك بمنظرها مغتصبةً، فيختفي من البلد، وتنقطع أخباره، أمّا زهرة فتشعر بالخزي والعار ولا تخرج من بيتها لفترة طويلة، وتشغل نفسها بالخياطة والعناية ببيتها، يستغلّ الدكتور سري الطواشي اختفاء زوجها فيدعوها لمرافقته في رحلة استجمام لعلاجها من مرض الحساسيّة، لكنّها ترفض، ويعاود معاكستها وإصراره على دعوتها ليوم نقاهة معه، إلّا أنها تخبره غير متردّدة أنّها ما زالت على ذمّة زوجها، مالك الجارحي(305).

تقف جملات السيّد، على رأس النماذج النسائيّة السلبيّة في الرواية، إذ كانت فتاة عزباء لم يتمّ لها الزواج من ابن عمّها قدّورة الذي فضّل عليها امرأة أخرى كانت تتعلّم في دار المعلّمين في يافا، فارتبطت جملات بعلاقة غراميّة مع رسمي المخلوف رغم كونه متزوّجًا، وقد أعلمها أنّه لن يتزوّجها خوفًا من إخوة زوجته فضّة، لكنّه أقنعها أن يجعلها "ملك يمينه" ممّا يخوّله لفعل ما يفعل كلّ زوج مع زوجته بعد أن دفع لها مهرًا معجّلًا، قرطين من ذهب، ودخل بها، إلّا أنّ أمين الزيدان وقف حائلًا بينهما، عندما رأى رسمي المخلوف ينزل من بيتها، فقام بتوبيخه واعتراضه، فشبّ بينهما شجار تطوّر واتّسع بين عائلتيهما، ثمّ خبت ناره بعدما تمّ الصلح بينهما، منذ ذلك صار رسمي يخاف، فقد انكسر قلبه برأي جملات (42). تزوّجت جملات من ربحي الناياتي بترتيب من ابن عمّها قدّورة ليتحرّر من همّها، ولم تكن مقتنعة بذلك الزواج، فربحي لا يملك سوى نايات تذكّرها بوفاة والدها، وهو بلا شكّ طامع بالغرفتين اللتين تملكهما ودكّانها في السوق، لكنّها وافقت أخيرًا بتشجيع من نساء الحيّ.

 

رغب أمين الزيدان في ترميم بيته وفق القانون، فتقدّم بطلب الأمر من شركة تطوير عكّا التي تشرف على عمليّة الترميم وتنفّذها، وبعد عمليّة فحص البيت ووضعه طُلِبّ من أمين مبلغًا باهظًا مقابل الترميم، لكنّه لم يستطع دفعه،فعرضوا عليه أن يبيعهم البيت أو يؤجّره لهم لمدّة تسعة وتسعين سنة، وهي السياسة التي اتّبعها اليهود للاستيلاء على ما تبقى من بيوت عكّا وطرد سكّانها، لكنه رفض، فانهالت عليه الأوامر لإخلاء بيته،

 

كانت علاقتهما فاترة، فهي ما زالت تحنّ إلى رسمي المخلوف الذي أشعرها بأنّها أنثى مرغوبة، أمّا زوجها ربحي فكان يشعر بالنقص والدونيّة في كلّ مجلس يكون فيه رسمي الذي يذكّره بفعلته مع جملات، وممّا زاد في توتّره ما قامت به ليلة الدخلة ومحاولة تمثيلها دور العذراء، كان زوجها ربحي يتخيّل رسمي فوقها، فيشمئزّ منها وتثبط عزيمته، فيقوم بواجبه الزوجي بسرعة تخلّصًا من تلك المشاعر، وزاد نفورها منه وتذمّرها المستمرّ من صوت الناي الذي تعتبره نواحًا، فما أن يبدأ بالعزف حتّى تسرع لمغادرة البيت، وقد هدّدته ببيع ناياته ونفّذت تهديدها فباعتها لليهود كما باعتهم دكّانها في السوق، وبيت أمّها بوساطة رسمي المخلوف الذي رآه ربحي هابطًا من درج بيته، فتشاجر معه، وقامت جملات بمؤازرة رسمي مدّعية أنّ زوجها ربحي يريد قتلها، فهوت بالعتلة على رأسه، فسقط أرضًا دفاعًا عن نفسها، كما أوضحت للجيران الذين هرعوا إلى بيتها لسماعهم صراخها، أمّا رسمي فقد تسلّل عبر السطوح حتّى وصل إلى دارة الفنّ وأعلم أوريا بما جرى، وتمّ اعتقال ربحي بشبهة محاولة قتل زوجته (256 – 266). بذلك أدّت جملات خدمة لليهود كصنيع عشيقها رسمي، عميل اليهود، فجعلت لهم سلطة في السوق، وعملت كذلك على زيادة قدرتهم في إزعاج أهل عكّا.

تظهر شخصيّة بات شيبع نقيضًا لشخصيّة جملات رغم كثرة علاقاتها بالرجال، إلّا أنّها ومنذ أن ارتبطت عاطفيًّا بأوريا أخلصت له ولم تسمح لأي رجل بمغازلتها، فقد لاحقها إيزاك رئيسها في الوظيفة، وحاول مرّات عديدة إقامة علاقة معها لكنّها صدّته، وشكت أمره لحبيبها أوريا مُعلمة إيّاه أنّها لن تخونه لأنّها مقتنعة به هو فقط، ولن يمسّها أحد غيره، وقدأعلمتهأنّها لو فكّرت بغيره فسوف تخبره بالأمر، وتنهي علاقتها به، فلا يمكنها أن تبقى معه حين تمنح جسدها لغيره، فكرامتها لا تسمح لها أن تتصرّف كعاهرة(78). بذلك تظهر بات شيبع مخلصة وصادقة في علاقتها بحبيبها أوريا مقابل خيانة جملات لزوجها مع رسمي المخلوف. لكن عندما تأكّدت بات شيبع من اغتصاب أوريا لزهرة الخياطة قطعت علاقتها بأوريا لتقع في أحضان إيزاك الذي لم ينفكّ عن ملاحقتها. كما تَظهر بات شيبع امرأة مخلصة لقومها وشعبها مقابل خيانة جملات التي تقدّم تفصيلها، بعد أن باعت نايات زوجها، ودكّانها لليهود فقويت شوكتهم، بينما ظهرت بات شيبع جنديّة شرسة تحارب أهل عكّا مع قومها اليهود، يتذكّرها شكري وهي تلفّ بالخرقة وجوه من أعدموا في ساحة الميناء، ويدرك أنّه كان على الشاطئ برفقة ذئبة كادت أن تفترسه(220). وقد بلغ تفاني بات شيبع في خدمة شعبها بأن عرضت خدماتها الجنسيّة على شكري، فأتاحت له أن يدلِّك جسدها مستغلّة هذا الأمر في تذليل شكري وقبوله وظيفة المعلّم التي عرضها عليه إيزاك؛ قصد زعزعة ثقة الناس به وبوالده أمين الزيدان، وقد تحقّق له الأمر بعد أن انصرف الناس عن أمين الزيدان وابنه وتوقّفوا عن التضامن معه لاعتقادهم أنّهما عميلان لليهود.

 

  1. تعدّديّة الخطاب

تنفتح رواية سهيل كيوان على خطابات عديدة ومتنوّعة يستقيها الكاتب من مجالات معرفيّة مختلفة ليترك القارئ مذهولًا بالأفق المعرفيّ الذي يمتلكه الكاتب، ويُبرز الجهد الكبير الذي بذله في إنتاج هذه الرواية التي أضحت في تصوّرنا سجلًّا حافلًا بمعلومات تاريخيّة، اجتماعيّة، سياسيّة، دينيّة، فنّيّة - موسيقيّة، تراثيّة، ونحو ذلك من عناصر المعرفة الإنسانيّة، ناهيك بما يورد فيها من موضوعات مؤرّقة كالجنس الذي يوظّفه لأهداف عديدة ومتباينة سنأتي على تفصيلها فيما بعد.

 

    1. الخطاب التاريخيّ

يعنى كيوان بالخطاب التاريخيّ عناية بالغة، فيسلّط الضوء، كما أسلفنا، على قضيّة النكبة والوضع الذي آل إليه أهل البلاد العرب بعد احتلال اليهود للبلاد، وهو المحور الرئيس الذي تدور في رحاه أحداث الرواية كلّها، لكنّه لا يتوقّف عند ذلك بل يذكّر القارئ في كلّ مرّة بأحداث تاريخيّة عالميّة أو عربيّة من شأنها أن تدعم الفكرة التي يبغي إيصالها ومن ذلك ما ذكره من اجتياح الجيوش الألمانيّة للأراضي البولونيّة، ومن ثمّ هزيمة الألمان في ستالينغراد ممّا جعل اليهود في أوروبا يشعرون بالراحة بعد زوال الشبح الألمانيّ عن صدورهم. وحين يستعرض الراوي ما قدّم مخلوف أفندي من خدمات للإنكليز يستطرد في شرح خدماته ودوره في اغتيال الدكتور أنور الشقيريّ، إذ قرّر الإنكليز التخلّص منه بسبب معالجته للمصابين والمرضى من ثوّار القسّام، عندها اتّصلوا بمخلوف الذي ساعدهم في تحقيق هدفهم، بعد أن تمّ استدراج الشقيري، بحجة مساعدةامرأة تعسّرت ولادتها، حتّى عمارة البهائيين وهناك خرّ صريعًا بعد أن أطلقت عليه ثلاث رصاصات، ثمّ اتّهموا الثوّار بالاغتيال(126). يعود الراوي إلى سجلّات تاريخ البلاد مسترجعًا بعض ما اقترفه الإنكليز ضدّ العرب، وخاصّة أهل عكَا، مشيرًا إلى تحالف الإنكليز مع العثمانيين ضدّ محمّد علي باشا وقصفهم مدينة عكّا عام 1840 وكان من نتائج ذلك القصف تهدّم خان الحمير واختفاء آثاره، إضافة لكثير من مباني المدينة، كعمارة آل الزيداني التي أصبحت فيما بعد دارة الفنّ، الأمر الذي يؤكّد عداوة الإنكليز للعرب منذ القدم ومؤازرتهم لليهود حتّى تمّت لهم السيطرة على فلسطين(245). ثمّ يلتفت إلى التاريخ الإنساني، فيذكّر بإضراب شيكاغو عام 1886، واحتفال عمّال العالم في الأوّل من شهر أيّار، ثمّ يعودليسلّط الضوء على أصلسكّان عكّا، مشيرًا إلى أنّ معظمهم من المصريّين الذين وصلوا مع حملة إبراهيم باشا عام 1831 حتّى عام 1840، مبعوثًا من والده محمّد علي باشا، تمرّدًا على الدولة العثمانيّة، وبقوا في عكا بعد انتهاء الحملة، وتشهد أسماء العائلات العكّيّة على أصلها المصريّ كعائلة المصري، مصاروة، السيّد، مكّاوي، حجازي، بسيوني، البيّومي ونحو ذلك(202). ويبدو الكاتب مُلمًّا بالتاريخ اليهوديّ إلمامه بالتاريخ العربيّ، فيذكر مستوطنة كريات حاييم وتأسيسها "عام 1934 على اسم حاييم أرلوزوروف، وهو دكتور في الاقتصاد وأحد المثقّفين اليهود، أقام مصنعًا للزجاج على شاطئ عتليت عام 1930 ثمّ أفلس، مولود في روسيا القيصريّة، نشط بين روسيا وألمانيا وأمريكا لأجل الهجرة إلى فلسطين، اغتيل في تل أبيب على الشاطئ عام 1933، عندما كان برفقة عشيقته، على الأرجح لأسباب عاطفيّة، عُرفت فيما بعد بقضيّة أرلوزوروف، إذ شكّوا بأنّه اغتيال سياسيّ، فتح مناحيم بيجن تحقيقًا في ملفّه مرّة أخرى عام 1982، ولم يُسفر عن شيء"(202). إنّ هذه الأحداث التاريخيّة وغيرها تؤكّد من ناحية اطّلاع الكاتب الواسع على التاريخ، وتدعم من ناحية أخرى من خلال التداعيات الموظّفة في الرواية، أفكارًا كثيرة وردت فيها.

 

لا يأتي الخطاب الموسيقي مقحمًا على الرواية، كما يشعر القارئ في بعض المواضع، إنّما هو ضرورة من ضرورات سرد أحداث الرواية المتعلّقة بشخصيّات الرواية التي تمارس الموسيقى، مثل أبي ربحي الحكواتي وابنِه ربحي الناياتي، المعلّم قدّورة، وشكري الزيدان وغيرهم، ولعلّ في استهلال الكاتب روايته بعزف أبي ربحي الحكواتي على الربابة وإنشاده حكاية وضحى الصّفوريّة وحبيبها حمد الطبرانيّ ما يشير إلى عناية الكاتب بهذا الخطاب؛
    1. الخطاب السياسيّ

يرتبط الخطاب السياسيّا رتباطًا وثيقًا بالتاريخ، وتتّضح ثيمات الخطاب السياسيّ في بعض المواضع من خلال شخصيّات الرواية كأحد موظّفي مقرّ الجيش في القلعة المدعو شموئيل الذي يؤمن بالفكر الاشتراكيّ، وكان على علاقة طيّبة بإميل حبيبي، محرّر صحيفة "الاتّحاد" العربيّة الوحيدة التي استأنفت صدورها بعد النحسة، فكثيرًا ما تصدّى لزميله شفيلي (حرّف العرب اسمه إلى شويلي) الحاقد على العرب، ويصفهم بالحيوانات، فيتصدّى له شموئيل مؤكّدا أنّهم كلّهم أولاد تسعة، ويرى أنّه من واجب اليهود إقناع العرب بحقّهم في أرض إسرائيل، وأن يُشعروهم بأنّهم شركاء في المصير، وعليهم الاستفادة من قوّتهم البشريّة الهائلة. وحين يسمع شموئيل زميله الشويلي وهو يشتم العرب يقول له: "لا تبالغ في إهانتهم، هذا ليس في صالحنا على المدى البعيد، لا تعاملهم كما عاملك الأغيار في المنفى أيّها اليهوديّ! هذا عيب وعار عليك"(129 –130). وفي موضع آخر نسمع أحد الباعة في سوق الرشاديّة، حين استعادت نجمة الزيدان عود ابنها شكري، يقرّع العرب لموقفهم من اليهود قائلًا: "ما كان لازم تسمعوا كلام ملوك العرب اللي بدهم يذبحوا اليهود، الألمان حرقوا الشكناز، وأنتم بسلامتكم سمعتم كلام الحاج أمين الحسيني، صاحب هتلر، وفكّرتم اليهود ضعاف"(143). وفي هذا ما يدلّل على نظرة اليهود للحاج أمين الحسيني ومن بعده سائر العرب الذين يريدون إبادة اليهود كصنيع هتلر بهم.

تبطّن الرواية نقدًا سياسيًّا للاتّحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكيّ لموقفهم من دولة إسرائيل، فحين أقامت الدولة احتفالًا واسعًا في الأوّل من أيّار، في حديقة الباشا، "اتّفق المسؤولون على حملة إعلاميّة موحّدة وقويّة، تكون رسالة شكر وتقدير للاتّحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكيّ الحديث الولادة، على دعمهم للدولة الوليدة وتأييدها بقوّة، معنويًّا ومادّيًّا"(176). ويلمح القارئ تعريضًا ساخرًا بالمعسكر الاشتراكيّ ورجال متنكّرين من المجتمع العربيّ، إذ يشير الراوي إلى حضور شخصيّات رسميّة عالميّة ذلك الاحتفال، على رأسهم سفير الاتّحاد السوفييتي بافل يارشوف، كما قدّم السفير التشيكي تحيّة واستُقْبِلَ بالوقوف والتصفيق المتواصل لأكثر من دقيقة، تحيّة لصفقة السلاح الشهيرة، وحضر قناصل من دول غربيّة، ومن أمريكا الجنوبيّة، ووفد من رجال عرب متنكّرين، كما لو كانوا في عيد المساخر(178 – 179).وتُظهر الرواية تضامن فئات كثيرة من المجتمع والحزب الشيوعي مع أهل عكّا وخاصّة مع أمين الزيدان الذي تلقّى إشعارًا بضرورة إخلاء منزله؛ لأنّه يشكّل خطرًا عليه وعلى أهل منزله، فأقيمت خيمة تضامن معه في خان العمدان، ووقف شباب من حزب شموئيل وإميل (الحزب الشيوعي) مندّدين بسياسة السلطة تجاه أهل عكّا، ورفعوا صورة رجل مهيب، ببزّة عسكريّة، له شاربان ضخمان، كتبوا عليها بالعبريّة "الرفيق ستالين شمس الشعوب"، فاقترح بعض الشباب رفع صورة الحاج أمين الحسينيّ إلى جانب صورة ستالين، لكن الاقتراح رُفِض لأنّ الحسيني كان صديقًا لهتلر، وقد يتّخذها إيزاك ذريعة لاقتحام الخيمة(271). وفي ذلك ما يُظهر دور الحزب الشيوعي في الدفاع عن حقوق الإنسان والتصدّي لظلم السلطة، كما يُظهر تنافس الأحزاب المختلفة والاهتمام بإثبات حضورها في كلّ مناسبة تدعو لذلك. ولا يفوت الكاتب الإشارة لدور صحيفة "الاتّحاد"في تغطية أحداث تلك الفترة، ويستطرد في تفصيل الحديث عن الصحيفة والحزب الشيوعي الإسرائيليّ قائلًا: "كانت (الاتّحاد) لسان حال عصبة التحرّر الوطنيّ الفلسطينيّ، منذ العام 1944، ثمّ صارت لسان حال الحزب الشيوعي الإسرائيليّ، بعد يوم النحسة، بعد الوحدة بين العصبة والحزب الشيوعي الفلسطينيّ، الذي أسّسه مهاجرون من روسيا وشرق أوروبا منذ عام 1919، وصاروا حزبًا واحدًا اسمه (ماكي) الحزب الشيوعي الإسرائيليّ"(147).

 

    1. الخطاب الموسيقيّ

يهيمن الخطاب الموسيقيّ على مساحة واسعة من الرواية، ويكشف عن اطّلاع الكاتب على عالم الموسيقى حتّى ليخيّل للقارئ أنّ الكاتب يمارس هذا الفن، وقد قُيّضَ لي أن ألتقيَبالكاتب في إحدى الندوات الأدبيّة، فاستفسرت عن تلك المعرفة الغنيّة بعالم الموسيقى، وهل يمارس أيّ نوع منها، فنفى الأمر وأردف أنّ تلك المعلومات الواردة في الرواية هي نتيجة اجتهاد شخصيّ، وقراءة عميقة لفترة طويلة أكسبته تلك المعرفة، وفي هذا ما يعكس الجهد الكبير الذي يبذله الكاتب حتّى يُخرج روايته على الشكل الذي يراه مناسبًا.

لا يأتي الخطاب الموسيقي مقحمًا على الرواية، كما يشعر القارئ في بعض المواضع، إنّما هو ضرورة من ضرورات سرد أحداث الرواية المتعلّقة بشخصيّات الرواية التي تمارس الموسيقى، مثل أبي ربحي الحكواتي وابنِه ربحي الناياتي، المعلّم قدّورة، وشكري الزيدان وغيرهم، ولعلّ في استهلال الكاتب روايته بعزف أبي ربحي الحكواتي على الربابة وإنشاده حكاية وضحى الصّفوريّة وحبيبها حمد الطبرانيّ ما يشير إلى عناية الكاتب بهذا الخطاب؛ لما له من وظائف عديدة في الرواية، فهو يعكس الحياة الاجتماعيّة التي سادت بين أهل عكّا قبل الاحتلال واجتماعهم في مقهى الدلالين لمشاهدة العروض الفنّيّة، أو لحضور المنازلات الشعريّة والزجليّة؛ كما يحقّق المتعة والتسلية للجمهور، ويُطلعهم على جماليّات التراث العربيّ القديم، كما يُشعر هم بالراحة النفسيّة للنهاية السعيدة التي تعلن عن إنقاذ حمدالطبرانيّ لحبيبته وضحى بعد معركة دامية مع غريمه، الأمر الذي يحقّق لهم عنصر التطهير حسب أرسطو (9- 10).

يُعتبر المعلّم قدّورة قطب الرحى في خطاب الرواية الموسيقيّ، أمّا باقي الشخصيّات فتدور في فلكه، فهي إمّا شخصيّات تعلّمت على يديه كشكري الزيدان، أو عملت معه مثل ربحي الناياتي أو رافقته في درب الحياة وشنّفت آذانها بموسيقاه مثل أمين الزيدان الذي أصرّ على تعليم ابنه شكري العزف على العود حتّى تحقّق له الأمر.

قدّورة السيّد هو الأوّل في عكّا، وواحد من قلائلَ، سافر من فلسطين إلى القاهرة لدراسة الموسيقى في "معهد فؤاد"، ثمّ عاد بعد ثلاث سنوات من الدراسة متحمّسًا، رمّم خربة الزيداني باتّفاق مع أمين، مقابل إعفائه من دفع أجرة المكان لخمسة عشر عامًا، أقام فيها دارة الفنّ وجمع حوله محبّي العزف والغناء، علّم شكري العزف على العود حتّى أتقنه، ولشدّة إعجابه بعزف شكري قال عنه: "هذا وريث (روحي النخّاش)، يقول قدّورة – كان روحي النخّاش موسيقيًّا مشهورًا من بيت لحم، درس الموسيقى في معهد فؤاد في مصر"(31).

يسترسل قدّورة في الحديث عن السلّم الموسيقي والمقامات بعد سؤال أمين الزيدان له عن المقامات، فيقول: "عندك أصل المقام، وجنس المقام، وتفرّعات المقام. يا سيّدي، المؤتمر الدوليّ الأوّل للموسيقى العربيّة في القاهرة، في سنة ألف وتسعمائة واثنين وثلاثين، اعترف بأكثر من مئة سُلّم مقامي مختلف، يعني إشي يولد من قلب إشي، وهذه خلطة حضارات وثقافات، عرب، ترك، فرس، كرد، يونان، غجر، أوروبيّون، وأفارقة، وغيرهم، لكلّ منهم سهم"(32).

تثري هذه المعلومات وغيرها ثقافة القارئ الموسيقيّة، فتميط اللثام عن أسرار الآلات الموسيقيّة المختلفة،وقد تعمل على تحفيز القارئ للتعرّف على الآلات الموسيقيّة المختلفة، أمّا الحديث عن هذه الآلات فيأتي على لسان قدّورة السيّد، فقد سئل في الامتحان الذي تقدّم له في معهد فؤاد عن آلة القانون، واهتمّ فيما بعد بأن ينقل تلك المعلومات لطلابه في دارة الفنّ، وفي ذلك يقول: "القانون آلة وتريّة منذ السومريّين، شكلها الحاليّ شبه منحرف، من تصميم الفيلسوف والطبيب أبو نصر محمّد بن محمّد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي، تغطّي كلّ مساحات الموسيقى الشرقيّة، لها ثمانية وسبعون وترًا، كلّ ثلاثة منها تعطي نغمة واحدة، واسمها قانون لأنّها تضبط كلّ الموسيقى والآلات من حولها في فرقة التخت الشرقيّ، والتخت هو صدر المكان في اللغة الفارسيّة، فرقة التخت تنشد الموشّحات، والأدوار، والمواويل، يقف المغنّي وعلى يمينه عود، وكمان، وقانون، وناي، وعلى يساره الإيقاع، ووراءه الكورس"(119).

تضمّن الرواية معلومات فنّيّة وموسيقيّة أخرى كالحديث عن دار الأوبرا في القاهرة التي "بنيت في العام 1869 احتفاء بافتتاح قناة السويس بأمر من الخديوي إسماعيل، وعُرضت أوبرا عايدة فيها لأوّل مرّة عام 1871؛ لأنّها لم تكن جاهزة يوم احتفالات فتح القناة، تقاضى (فيردي) على تلحينها مائة وخمسين ألف فرانك من الذهب، وتحكي قصّة حبّ بين أسيرة حبشيّة وقائد الجيش المصريّ"(227). تلتفت الرواية لبعض الشخصيّات العربيّة المبدعة، قديمًا وحديثًا، في عالم الموسيقى، كزرياب وهو أبو الحسن علي بن نافع، مؤسّس أوّل معهد لتعليم الموسيقى في العالم، في مدينة قرطبة الأندلسيّة، وقد أضاف الوتر الخامس للعود، وكان ذوّاقة في الطعام والملبس، وهو يُعدّ مبتكر أكلة الزريابيّة، فسمّيت باسمه، ثمّ حرّفت إلى زلابيّة(238). أمّا الموسيقار الكبير محمّد عبد الوهاب فقد أدخل عدّة آلات موسيقيّة غربيّة في عالم الموسيقى العربيّة كالأكورديون، والبيانو، والجيتار. الله يعلم إلى أين سيصل في الموسيقى العربيّة، وكثيرًا ما تمنّى قدّورة أن يتمّ اللقاء بين عبد الوهاب وأمّ كلثوم ليصنعا الروائع الفنّيّة، وقد تحقّقت أمنيته في ما سُمِّيَ لقاء السحاب، من خلال أغنية إنتَ عمري عام 1964، بعدما وفّق رئيس مصر ،جمال عبد الناصر، بين الفنّانين الكبيرين.

يعمد الراوي إلى تصحيح بعض المعلومات المرتبطة بعلاقة الفنّانين العرب، كاتّهام أمّ كلثوم بقتل المطربة أسمهان، أخت فريد الأطرش، فينبري المعلّم قدّورة لدرء التهمة عن أمّ كلثوم مستطردًا في الحديث عن أسمهان بقوله: "أسمهان كانت تحبّ أمّ كلثوم، وشفتها بعيني تحضر حفلتها، وتجلس بالقرب منها، وكانت أمّ كلثوم تحترمها، وتكنّ لها مودّة خاصّة، ولكنّها قتلت في حادث طرق، واسمها الحقيقيّ مش أسمهان، اسمها آمال فهد الأطرش، هي من عائلة سوريّة، هربت لمصر من الفرنسويّة، كان هناك ثورة، يعني مثل اللي كانت عندنا ضدّ الإنكليز. أمّها علياء المنذر، هي اللي علّمتها فنّ العتابا والميجنا، وأسمهان هو اسمها الفنّيّ، قدّمه هديّة لها الملحِّن المصريّ، داود حسني، هو يلّي سمّاها أسمهان، لأنّها كانت تشبه واحدة من تلميذاته اسمها أسمهان"(52 – 53).

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية