news-details
ملحق الجمعة

لماذا نرحّب بقانون القومية

قانون القومية ليس قانونا يجب الغاؤه أو ادخال تعديلات عليه بل هو فرصة لايضاح الطبيعة العنصرية الاستعمارية للنظام الاسرائيلي والنضال من أجل تغيير جذري عميق.. والبديل لقانون القومية هو مطلب وبرنامج عمل واضح لالغاء آليات الحكم العنصرية القائمة منذ اعلان الدولة عن قيامها. الغاء قانون العودة لليهود (חוק שבות)، قانون أملاك الغائبين، قانون الصندوق القومي اليهودي (קק"ל)، قانون لجان القبول للبلدات الجماهيرية (ישובים קהילתיים) الخ...

 

لقد مرت فترة طويلة منذ شهدنا نقاشا جماهيريا عاصفا على الساحة العامة بشأن العلاقات بين اليهود والعرب في الدولة كما حصل بعد سن قانون أساس: "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"، ألا وهو "قانون القومية": هرج ومرج وضجيج في الكنيست، مظاهرات احتجاج في ساحة رابين، مطالبة أوروبا والأمم المتحدة بالشجب...ولكن هذا النقاش العام الذي تمحور حول القانون بحد ذاته، ما هو الا حرفٌ للأنظار عن المنظومات الممأسسة القائمة منذ عقود وتعمل على تكريس نظام الفصل العنصري. منظومات سلطوية أنشئت بهدف ضمان اغلبية يهودية تعتمد على تعريفها الاثني الديني وليس المدني الامر الذي يضمن التحكم بالأرض وبالموارد القومية على أساس اثني- ديني. ترتكز هذه المنظومات والآليات على خليط من الفكر المسياني الديني الذي يؤمن بحق الملكية المطلق على البلاد والفكر الكولونيالي الاستعماري وادعاءات "لا مناص" وذلك من اجل تبرير عمليات الطرد والتحكم بالشعب الفلسطيني الأصلاني.
لا شك بان قانون القومية قانون سيئ أثار الكثير من الضجيج ولكنه يحمل في ثناياه أوج ايجابية. بعد سبعين عاما من النفاق والخداع والجدالات الاكاديمية اللانهائية حول التوازنات التي يجب ان تتوفر بين يهودية الدولة وديموقراطيتها. قامت السلطات الإسرائيلية في 19 تموز 2018 بإماطة لثام التنور والديموقراطية عن وجهها الحقيقي وصاغت قانون أساس يكشف منظومة الفصل العنصري الذي تتبعه السلطة حبرا على ورق.
صحيح ان دولة إسرائيل عُرّفت منذ البداية كدولة يهودية ولكنه تم تداول هذا التعريف وتسويقه في أوساط الجمهور اليهودي المحلي وكذلك في ارجاء العالم اجمع على كونه رمزيا ولا ينعكس على السياسة المدنية المتبعة. يعتقد كثير من الناس بأنه بغض النظر عن هذا التعريف الرمزي او الإشارات اليهودية الموجودة في رموز الدولة الرسمية كالنشيد الوطني او العلَم او رمز الشمعدان، فان السلطات الإسرائيلية في نهاية الامر تمنح المساواة في الحقوق لجميع مواطني الدولة يهودا وعربا كما ورد فعلا في وثيقة الاستقلال. 
يبشر قانون القومية بأخبار جيدة اذ انه اتى ليصحح الالتباس في فهم هذا الوضع وليوضح للجميع، لمواطني الدولة ولكل العالم طبيعة النظام العنصري الحقيقي في دولة إسرائيل، دون أقنعة ودون نفاق. في الحقيقة، لم يفعل قانون القومية سوى انه دون خطيا، من خلال قانون أساس، السياسة العنصرية المتأصلة التي مورست فعلياً منذ اعلنتدولة اسرائيل عن قيامها.
سنقوم من خلال هذا المقال باستعراض آليات السيطرة في مجالات توزيع الأرض في الدولة وقوانين الهجرة الى إسرائيل (قانون العودة).

 

سياسة الأراضي

 

تعتبر 93% من الأراضي في دولة إسرائيل "أراضي دولة". وهي تتكون بالأساس من أراض خاصة تعود الى اللاجئين الفلسطينيين وقد تمت مصادرتها منهم (حوالي 5 ملايين دونم)، من ضمنها أراض لم تكن مفلوحة (موات) وهي تقع في مناطق نفوذ البلدات الفلسطينية قبل عام 1948 (حوالي 12 مليون دونم) واراض اشترتها الحركة الصهيونية قبل 1948 عن طريق الصندوق القومي اليهودي –كيرن كييمت (حوالي مليون دونم). اهتمت دولة إسرائيل بعد قيامها بتشريع قوانين تنظم عملية الاستيلاء على الأرض على شاكلة قانون أملاك الغائبين . أتاح هذا القانون للدولة ليس الاستيلاء على أراضي اللاجئين الذين طردوا خارج الحدود فحسب بل على أراضي مئات آلاف الفلسطينيين ممن بقوا ضمن حدودهاوأصبحوا مواطنين حاضرين غائبين .
أقيمت مديرية أراضي إسرائيل كمؤسسة تابعة للدولة من اجل إدارة "أراضي الدولة" حيث اوكلت اليها مهمة إدارة احتياطي الاراضي. تتحد في اطار هذه المديرية ثلاثهيئات، الكيرن كييمت واحدة منها ، وقد حصلت على 6 ممثلين من بين ال 14 عضوا يشكلون مجلس المديرية. من الأهمية بمكان الإشارة الى ان الصندوق القومي اليهودي وبشكل معلن وكجزء من تعريف اهدافهالرسمية، يمثل الشعب اليهودي في جميع انحاء العالم ويعلن بان هدفه هو الاستيطان اليهودي في إسرائيل. منذ قيام دولة إسرائيل يعمل الكيرن كييمت الى جانب الوكالة اليهودية وهيئات أخرى كمسؤول عن الاستيطان اليهودي في دولة إسرائيل. تقرر في قانون الصندوق القومي اليهودي الذي سنته الكنيست عام 1953بان اهداف الصندوق هي شراء أراض وتوطين يهود فيها.
لقد بنيت منذ ذلك الوقت اكثر من 700 بلدة جديدة لليهود فقط (باستثناء بضع بلدات بدوية في النقب) على الرغم من ان 20% من مواطني إسرائيل اليوم هم فلسطينين.
نشهد هنا آلية سلطوية تتحكم بها الحكومة والتي بدلا من ان تقوم بعملها كآلية مدنية تخدم كافة مواطني الدولة بدون اعتبار لانتمائهم الديني او الاثني، نراها تخدم مواطني الدولة اليهود وباقي اليهود في العالم عبر اقصاء المواطنين الفلسطينيين الذين يشكلون 20% منالسكان وتجاهل حقيقة كون معظم الأراضي التي تديرها املاكا تعود للاجئين الفلسطينيين الذين طردوا منها ولم يسمح لهم ابدا بالعودة او حتى تلقي تعويض.

لجان القبول

 

هناك آلية أخرى وهي لجان القبول للبلدات الجماهيرية. العشرات من البلدات اليهوديةفي إسرائيل قد أنشئت على "أراضي الدولة" وعُرفت على انها بلدات جماهيرية. يتيح القانون لمثل هذه البلدات إقامة لجان قبول تقرر من يستطيع ومن لا يستطيع الانضمام الى البلدة والسكن فيها. عمليا، لا يقبل العرب للسكن في هذه البلدات وقد رفضت المحاكم الإسرائيلية الغاءها استجابة لالتماس قدمته منظمات حقوق الانسان وطالبت من خلاله بالغاء آلية الفصل العنصري .

مناطق نفوذ السلطات المحلية

 

اما الآلية الإضافية في هذا السياق فهي الآلية التي تحدد نطاق نفوذ السلطات المحلية. على الرغم من ان المواطنين العرب يشكلون حوالي 20% من مجمل السكان، الا ان مناطق نفوذ جميع السلطات المحلية العربية مجتمعة لا يتجاوز ال 2,5% من أراضي الدولة. من الناحية الأخرى، فان مجالس إقليمية يهودية تضم عددا قليلا من السكان (سلطة كهذه تضم في اطارها عدة بلدات صغيرة) تحصل على مناطق نفوذ بمساحات كبيرة جدا. مثلا، منطقة نفوذ الناصرة وهي المدينة العربية الأكبر داخل إسرائيل ويبلغ عدد سكانها 76 ألف نسمة تقريبا،تبلغ حوالي 14 الف دونم. بالمقابل، يسكن في المجلس الإقليمي المجاور، عيمق يزراعيل، نصف عدد سكان الناصرة تقريبا- حوالي37 الف نسمة وتبلغ مساحة منطقة نفوذه 350 الف دونم. مما يعني ان المجلس الإقليمي عيمق يزراعيل يدير منطقة تصل مساحتها الى 25 ضعفا من مساحة مدينة الناصرة رغم ان عدد سكانه ليس اكثر من نصف عدد سكانها. إذا حسبنا الفجوة بين مساحات الأراضي وفقا لعدد السكان سنجد بان التناسب يصل الى 1:50.

قوانين الهجرة الى إسرائيل (حق العودة لليهود)

 

تم إقرار حق العودة لليهود في الكنيست بتاريخ -5 تموز 1950 وقد كان لسنوات طويلة الصيغة القانونية المركزية التي تعبر عن كون دولة إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي. منح القانون أي يهودي في العالم الحق بالهجرة الى إسرائيل والحصول على الجنسية. في عام 2018 حصل هذا القانون على مكانة دستورية من خلال البند الخامس من قانون الاساس: إسرائيل- الدولة القومية للشعب اليهودي.
يعتمد هذا القانون على الادعاء الذي يقضي بانه يجب اتاحة بلاد تعتبر ملاذا لليهود المضطهدين او الذين يتعرضون للخطر. المشكلة تكمن في ان قانون العودة يعتمد على فكرة ان اليهود جميعا تعرضوا للاضطهاد سابقا وهو مضطهدون حاليا وسيظلون على هذا الحال دائما وحصريا ولذلك يجب توفير ملاذآمن لهم في إسرائيل. انها ذات الاسرائيل التي يساهم طابعها وسياساتها كثيرا في تنمية المشاعر السلبية ضد اليهود في انحاء العالم (دون الانتقاص من حقيقة وجود مقلق لظاهرة اللاسامية والخوف من الإسلام). بهذايكرس قانون العودة فكرة ان إسرائيل هي ملكية يهودية خالصة وحصرية.
الغالبية العظمى من المهاجرين اليهود الذين وصلوا في موجات الهجرة الكبيرة في الآونةالأخيرة (من الاتحاد السوفييتي بعد سقوطه ومن اثيوبيا) حضروا بالأساس لأسباب اقتصادية.يحصل المهاجرون اليهود على امتيازات مختلفة ويتلقى الكثير منهم مساكن ومعونات حكومية في المستوطنات ثم يشكلون جنوداً في الحرب لمواجهة "الخطر الديموغرافي" وبهذا يدفعون الضريبة للراعي الذي احضرهم-الحركة الصهيونية (قسم كبير من عملية الهجرة الى اسرائيل واستيعاب المهاجرين يدار بواسطة الوكالة اليهودية والموساد التابع للهستدروت الصهيونية). بالمقابل، لا يسمح للاجئين الفلسطينيين حتى بزيارة البلاد وهم يعيشون في مخيمات اللاجئين في الدول المجاورة منذ اكثر من سبعين عاما. عودة الى منطق القانون فإن عدداً كبيراً من الفلسطينيين الذين طردوا وتحولوا الى لاجئين معرض اليوم للخطر ولكن منطق القانون يتعاطى مع اليهود المهددين بالخطر فقط. بناء عليه فان موضوع سن قانون "عودة" اليهود ومنع حق عودة الفلسطينيين ما هو الا نقاش في نفس الموضوع وليس في موضوعين منفصلين كما ارادوا للجميع أن يعتقد.
هذه آلية أخرى كانت موجودة دائما وهي تتيح لأي يهودي في العالم الهجرة الى إسرائيل بناء على هويته العرقية ويمنع الفلسطينيين الذين ينتمون الى الشعب الأصلانيمن فعل ذلك.

//استمرار الاحتلال والسياسة المتبعة في داخل إسرائيل هي أعراض لمشكلة واحدة

 

ان سياسة السيطرة والتحكم بالأراضي الى جانب التحكم في الوضع الديموغرافي هما الاساسان المركزيان المساهمان بمرور الوقت في تعزيز وتعميق جهاز الفصل العنصري والاستعمار. من الواضح من هذه الناحية بان الافكار المتجذرة التي تقف خلف استمرار وتعميق الاحتلال في المناطق المحتلة هي ذات تستند الى نفس الخلفية الفكرية.السيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي طالما هنالك إمكانية لمواصلة هذه السيطرة على أساس اثني ديني– دولة يهودية. ان النقاش بين اليمين واليسار الصهيوني في إسرائيل لا يتعدى كونه خدعة بصرية فلا الاختلافات حقيقية في التصورات والتوجهات بينهما.لا يفهم اليمين لماذا يجب الاكتفاء بحدود ال 1967 وعمليا تجب السيطرة على المزيد من الأراضي في المناطق المحتلة في حين ان "اليسار" الصهيوني يفضل الاكتفاء بدولة في إطار الحدود الآنفة الذكر من اجل المحافظة على التفوق اليهوديالذي قد يستفيق إذا تم ضم بضع ملايين اضافية من الفلسطينيين الموجودين في المناطق المحتلة. ليس هذا سوى نقاش تكتيكييستند الى نفس الفكر- الفصل العرقي والاستعمار.

خلاصة الحديث

 

قانون القومية ليس قانونا يجب الغاؤه أو ادخال تعديلات عليه بل هو فرصة لايضاح الطبيعة العنصرية الاستعمارية للنظام الاسرائيلي والنضال من أجل تغيير جذري عميق. لا يجب أن يكون المطلب الشعبي داخليا أو على المستوى الدولي لالغاء قانون القومية بمثابة عودة الى وضع النفاق والتلون الذي كان قبله. العودة الى نظام قائم على آليات حكم من الفصل العنصري يلبس قناعاً من الدمقراطية والليبيرالية.  
البديل لقانون القومية هو مطلب وبرنامج عمل واضح لالغاء آليات الحكم العنصرية القائمة منذ اعلان الدولة عن قيامها. الغاء قانون العودة لليهود (חוק שבות)، قانون أملاك الغائبين، قانون الصندوق القومي اليهودي (קק"ל)، قانون لجان القبول للبلدات الجماهيرية (ישובים קהילתיים) الخ...
قانون القومية هو فرصة للنضال من أجل تغييرات جذرية بالنظام الاسرائيلي: من دولة فصل عنصري تخدم مواطنيها على اساس انتمائهم الديني والاثني، الى دولة دمقراطية تحقق "مساواة كاملة بالحقوق الاجتماعية والسياسية لكل المواطنين دون تفرقة بالدين، العرق أو الجنس"  الى جانب البدء بسيرورة لاصلاح غبن الماضي لما حل بالشعب الفلسطيني نتيجة اقامة دولة اسرائيل.
قانون القومية هو أيضا فرصة جيدة لايضاح مفهوم حدود الدولة. يستعمل القانون مصطلح "أرض اسرائيل" مضيفاً ضبابية مقصودة على حدود الدولة كما عرفتها قرارات الأمم المتحدة، ليبقى الأمر قابلاً للتأويل والتفسير على أكثر من وجه. هنا أيضا يقدم القانون ايضاحا مباركا بعد سنوات من النفاق منذ احتلال الضفة الغربية وغزة عام 1967. سيطرت اسرائيل فعليا منذ ذلك الحين الى يومنا هذا على كل الأرض من البحر الى النهر واستمرت باستغلال الموارد الطبيعية واستعمار المزيد من الأرض لتوطين اليهود. ممارسات احتلالية استعمارية حاولت اسرائيل دائما عرضها على انها قضية "أمنية" ليس لها علاقة بالطبيعة العنصرية الاستعمارية لدولة اسرائيل قبل ال 67. هنا أيضا يمثل قانون القومية فرصة للنضال من أجل تغيير جذري بالنظام وبالخطاب القائم. بالنهاية النضال لاصلاح الغبن التاريخي الى جانب تحقيق المساواة التامة ليس محصورا بالخط الأخضر.

 

*فادي شبيطة حاصل على لقب ثان بحل النزاعات وناشط سياسي
*يوآف شيمر- كونتس، د. بالعلوم السياسية من جامعة شتراسبورغ، فرنسا
أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب