انهالت على شرطة إسرائيل موجات الاتهامات، اغزر مما انهمر من مطر هذه السنة. مقصرة، متساهلة، متجاهلة، متقاعسة ومتواطئة. و"تكرموا" فلن اقصر شخصيا في صب جام غضبي، فأضيف: ليست الشرطة وحيدة في هذا المجال. بل يساعدها في القيام بهذه المهمة المقدسة، شبكة واسعة وسع أطماع حكومتنا في ضم الأراضي العربية و قضمها، قوات من العسكر وحرس الحدود والمخابرات. وليس بشكل عشوائي اعتباطي فكل هؤلاء جماعة منظمة، تسير بموجب مخططات ومناهج ادق من منهاج التعليم الرسمي. بعضها ظاهر بعد ان خرج الى حيز التنفيذ، وبعضها ما زال يغفو باطمئنان في جوارير مغلقة، ينتظر دوره. وكل ذلك للإيقاع بنا نحن عرب هذه البلاد، الذين نجونا من نكبة التهجير بالصدفة، او عن طريق الخطأ، مثل رصاصنا الذي يصيب الأبرياء أحيانا فيموتون، وكأن الاعمار لم تعد بيد الله، بل انتقلت الى يدي غيره! ممن عجزت كل قوات الأمن الأسرائيلية عن جمع أسلحتهم غير المرخصة!

هي - هذه الأجهزة – تفعل ذلك بهدف تحويلنا الى عملاء، ليس في مجال الجريمة فقط، فقد تدفعنا نخوتنا وشهامتنا الى تقديم المزيد من الخدمات، قبل ان يتخلصوا منا جميعا، - ان استطاعوا – في وقت لاحق! هم فنانون في التطهير، ونحن فنانون في الإساءة لأنفسنا ولمجتمعنا!

تقع جريمة كل يوم تقريبا في مجتمعنا، من غير ان يكون لها فاعل، فتضطر الشرطة الى اغلاق ملفاتها، لأنها لا تهم الجمهور، أو لأن الأدلة غير دامغة!

يبدو ان السلطة بأجهزتها تعوّل على ان نقضي على انفسنا ذاتيا كمجتمع ونتحول الى كيان هلامي لا شكل له ولا لون ولا كرامة. فوالله لو سرقت دراجة هوائية ليهودي، لما اغمضت للشرطة عين قبل القبض على السارق الذي يكون عربيا غالبا، وتقديمه للعدالة. فهذه هي سياسة الأجهزة الرسمية في دولتنا ذات الديموقراطيتين!

فما هو دورنا؟ وهل نظل ندين ونشجب ونندد ونستنكر.... الخ ونحن نعرف حق المعرفة أن هذه هي سياسة الشرطة في بلادنا، حتى لو وافقنا على إقامة مركز لها في كل مدينة وقرية وخيمة في مجتمعنا.

ثمة طرفة تتردد في احدى المدن العربية. مفادها ان الشرطة استدعت احد المواطنين، وطلبت منه ان يتعاون معها لمحاربة العنف. سأل المواطن: ماذا عليّ ان افعل؟ اجابه الضابط: تخبرنا بأسماء ذوي السوابق، واللصوص وتجار المخدرات و و و ....

وبدون تردد رد المواطن: سجل من الآن: فلان، علان، علنتان، و و و ....

قهقه الضابط ملء شدقية: لا لا لا. هذول منعرفهم، هم جماعتنا!

وسواء كان ذلك حصل ام لا، فالسؤال لنا: متى نحن سنواجه انفسنا ونعالج امراضنا، وننقذ مجتمعنا من كابوس العنف والرعب هذا؟

وانا "موجّه عليكو الله" لا تقولوا لي: هذه الأعمال ليست من شيمنا، وغريبة عن قيمنا ودخيلة على اخلاقنا! كفانا مغالطة! فهل هذه الجرائم يرتكبها عندنا يابانيون وصينيون وهنود. وكل هذه الأقطار على غير دين سماوي كما نصفهم!! في حين ان ابطال مجتمعنا لا يأنفون عن ارتكاب هذه الجرائم حتى في الشهر الفضيل وليس مهما ان يكون الضحية خارجا من الصلاة او داخلا اليها ! قد يكون ذلك مقدرا له، ومن هو ذاك الذي يستطيع الهروب من قدره!!

اراني أيها الاخوة انه كلما وقفنا امام مركز شرطة كالمتسولين، وتبحّ حناجرنا بالهتاف ضده، راح افراد المركز يفركون اكفّهم فرحا، بل راحوا يهنئون بعضهم على سياستهم الناجحة تجاهنا.

صحيح ان تاريخنا زاخر بالأمجاد والبطولات، فليس من باب المفروغ منه قيام امبراطورية عربية إسلامية مترامية الأطراف، من مجموعة من القبائل المتصارعة حول بئر ماء (قبل نقمة آبار النفط) او مرعى. لكن هذا التاريخ يعج كذلك بأعمال عنف يندى لها الجبين . بل يتفنن مرتكبوها بأساليب ممارستها. فمن سمل للعيون، الى السحل، لا خلف جيب عسكري، بل خلف جيادنا المطهمة. الى قطع رؤوس المعارضين للحكم وارسالها من مدينة الى أخرى كي يطمئن ذو الشأن. وابشع ما جاء في هذا التاريخ ان الكعبة قد ضربت بالمنجنيق، لأن معارضين تحصنوا فيها. وقلد السعوديون ذلك قبل سنوات بأسلحة احدث من المنجنيق لأن حجاجا إيرانيين تحصنوا داخلها!

وفي تاريخنا "الزاهر" أيضا ان احد الخلفاء امر بضرب معارضيه بالسيف والزج بهم تحت بساط فرشوه فوق جراحهم، لكي يتناول الخليفة طعامه فوق انينهم. اذ كانت المطاعم قد أغلقت أبوابها بعد الدوام!

نحن أصحاب كل هذه الاختراعات. فهل العنف جينات تجري في عروقنا!! يبدو نعم. يعود طفلك الى البيت باكيا. فيكون السؤال من الوالد الواعي: مالك؟ مين قتلك؟ روح اقتلو. اذبحو!!! لا يسأله لماذا حدث ذلك؟ ماذا فعلت له حتى ضربك. من بدأ بالضرب. تعال نصالحكما! لا شيء من ذلك. ونحن اهل ديانات سماوية!!

زار احد المشايخ المسلمين المصريين المتنورين فرنسا ذات مرة. وعند عودته سُئل عما وجد هناك . فأجاب: وجدت هناك مسلمين ولم اجد اسلاما!

وعنون خالد محمد خالد– وهو مصري أيضا – احد كتبه: "من هنا نبدأ" ونحن يجب ان نبدأ من هنا، من البيت، من الطفل ان نقتلع من نفوس أطفالنا نوايا السوء والشر. ونغرس بدلها مفاهيم التسامح والمحبة والعفو واحترام الغير.

اذا فعلنا ذلك ونجحنا في الامتحان فاننا نغدو بغير حاجة الى الأجهزة السلطوية التي نقف على بابها ونهتف ضدها. وليكن عيد الفطر بعد ايام مناسبة لهذا التغيير، والا بقينا "نحرث في البحر" كما قال خالد محمد خالد...

 

 

;