جبال الريح (ج2-الحلقة 3)

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

ديان هدّد الاتحاد السوفييتي الذي راح يعوّض مصر عن خسائرها في العتاد، لكنه انسحب من التهديد. وهتف توفيق زياد: "واوي بلع منجل، عند ..راه يكثر عواه". وخطب ماير فلنر عن الضفدعة التي رغبت ان تكون بحجم البقرة، راحت تعبّ الماء وتعبّ حتى انفجرت، وتصاعد أدب المقاومة في الشعر والنثر والفن في صحف الحزب الشيوعي، الاتحاد والجديد والغد وعلى المنابر، وبدأت ملاحقة الشيوعيين من قبل "المهمات الخاصة"

دخل موشي ديان الى قاعة الكنيست ببدلة الجنرال العسكرية، هبّت القاعة والشرفة على الاقدام بتصفيق حاد متواصل، النواب الشيوعيون فقط ظلوا جالسين، فقط، والكل ينظر اليهم بحقد عارم، والكتلة من اليهود والعرب، وكرر الشيوعيون: هذه حرب عدوانية، انسحبوا نحو السلام. وكان شعار مؤتمر الحزب بعد العدوان: ضد الاحتلال ومن أجل السلام. أربع كلمات تقول الشيء الكثير.

يومها طاشت كلمات: ما عجزت عنه خيول جنكيزخان وفيلة هنيبال في سنوات، حققته طائرات اسرائيل في ساعتين، وتمّ النصر الساحق في ستة ايام، وسميت حرب الأيام الستة. وقالوا في اسرائيل: إذا لم نكن من الدول الخمس العظمى فنحن ... بالتقريب.

ديان هدّد الاتحاد السوفييتي الذي راح يعوّض مصر عن خسائرها في العتاد، لكنه انسحب من التهديد.

وهتف توفيق زياد: "واوي بلع منجل، عند ..راه يكثر عواه". وخطب ماير فلنر عن الضفدعة التي رغبت ان تكون بحجم البقرة، راحت تعبّ الماء وتعبّ حتى انفجرت، وتصاعد أدب المقاومة في الشعر والنثر والفن في صحف الحزب الشيوعي، الاتحاد والجديد والغد وعلى المنابر، وبدأت ملاحقة الشيوعيين من قبل "المهمات الخاصة" وكان ابن اسحق من نصيب الشيوعيين في المنطقة، كان كبير الجثة كالبغل.

دعيتُ الى التحقيق عنده، وعليه قميص أبيض فوق بنطلون من الكاكي، وقفت بالدور بعد ثلاثة رجال من بيت جن ونحف وساجور، جاءوا لشأن آخر، أحدهم لاستعادة بارودة صيد، قال الأول مسلـّما على ابن اسحق مصافحة: مِنهنيكوا في الانتصار، وهكذا ردّد الثاني والثالث وهو يردّ: هذا انتصارنا وانتصاركو، وجاء دوري، وبقوة الاستمرار مدّ يده لمصافحتي، لم أمدّ يدي فصرخ: آه انت الواوي الشيوعي إسّه بفرجيك!!

لكنه اضطر الى الرد على الهاتف حول حادث في منطقة الناقورة، فهرول تاركا المكان.

جاء شرطي عربي وقال: فِلّ فِل هذا واحد مجرم، وغادرت المكان، لكن الرفيق عصام خوري وعدد من الرفاق في عكا حافوا ابن اسحق حتى فلّ وانسحب رغم الانتصار وجثته وإجرامه، فلّ من ساحة عكا.

ساحة عكا شهدت الكثير من الأحداث، عندما اخطأ جمال عبد الناصر وهاجم الاتحاد السوفييتي قائلا: لم نتخلّص من الاستعمار الأبيض لنقع تحت الاستعمار الأحمر، وصار حزب مبام وعرب حزب المباي من دعاة القومية العربية ويستمعون الى كلمات عبد الناصر البائسة المؤقتة، وخسرنا نحن الشيوعيين نصف مقاعدنا في انتخابات الكنيست، صوّت الناس للمباي ومبام، انهم فيما أتوه ببغاوات بريئة، ولا تلوموا الضحية، وطلعت صحيفة المبام برسم كاريكاتوري عن القومية العربية التاركة للشيوعيين وتحتها عنوان: إني راحلة!!

غادرت مركز الشرطة في الساعة العاشرة صباحا، لأنطلق.

إقطعي هذه التلال

وتعالي إليّ مرحة

ولا يهمّك المجموع الكبير

تعالي لوحدك

وفكّري فيّ طوال الطريق

  لأكون رفيقا لكِ في الطريق كله

(بتصرف عن ايفان تورغينيف)

أمواج البحر هادئة ضعيفة، زبد خفيف يطفو ويذوب، طيور النورس تتطاير بكسل مهموم، وهي قاعدة على الرمل الناعم الناشف، محار مكسّر وقشور تُشوى تحت الشمس، قلة من الناس على الشاطئ، حومات صغيرة متباعدة. ما هذا الميَلان عن الموضوع!! هي الحياة، وشذرات من ذكريات، لاحظوا، انتقدوا، لكم كل الحق، ولي كل الحق. في عينيها حوَل خفيف، خفيف يكاد لا يُلحظ، تنظر إليك والى ما بعدك،

  • دُعيت الى التحقيق، ولم يتمّ التحقيق!!

ومن نظراتها ترد: من أنت وأي تحقيق، وما شأني أنا، لا هَمّ ولا غمّ. تحقيق. قد أكون التقيت بها!!

الوجه ليس غريبا الى درجة قصوى، وهو غير مألوف كذلك، قد تكون من الجليل، وفي الجليل جبال وتلال عالية ومتواضعة تتلظى تحت شمس حزيران القاسية بلا رحمة. الغربان والزّيغان تتبرّد في الجو، بعضها يحط على الاشجار الهرمة المتضايقة من هذا الحرّ في ساعات الظهر الحمْرا، خدودها حنطية مشرّبة بحمرة خفيفة، عُلَيّة بنت المهدي الناعمة كزبد البحر، عندنا حَرّم رجال الدين العصبة الرّداحية السوداء، تغطي الجبين وتردح على الاكتاف والارداف. النساء وكل معشر النساء لمقات ومقتدرات على كل ما يجذب الانظار والقلوب وما يتبع ذلك، ترى ذلك في الملبس والصوت والنظرات وهذا البريق الجامح المشبوب.

  • تعالي نشرب شرابا مثلّجا، يجب اطفاء غلة القهر والحَر،

اليوم يجب شنّ هجوم بلا تحفظ وحياء،

هزهزتْ اكتافها فبانت بقع دسمة كانت مستورة.

  • اليوم عطلة بسبب التحقيق الذي لم يتم.
  • أي تحقيق!! تقول. آه لها سمعة سيئة الى حد ما...

كلما طال الحديث تتسهل الامور، حدثتها بإسهاب وعمق، وهي تصغي بتردد، في عينيها حوَل خفيف محبّب، راحت تستركِد، او هذا ما بدا لي،

لا أحب البيرة أبدا.

غدا أعود الى العمل في منطقة الحولة والجاحولة. في يسود همعلا والزبيد.

  • بعيدة!! لم تكن هنالك حاجة قصوى للهجوم والإلحاح.

من هنا الى تلال عَداثر وإقرث وبرعم، وميرون والصفصاف وكنعان وقدح الغول، او الاسهل الى معليا وترشيحا ويانوح وباب السوق وحيدر وجبلة عروس.

  • أسماء غريبة.

بعيدا عن الشاطئ وقطعي الطريق الموصل الى البَصّة، شجرة خروب معمرة واسعة كثيفة الاغصان، عليها قرون خضراء في قطوف متماسكة، طيّرنا بعض العصافير المقيّلة،

  • هاتي نخلط البيرة مع الويسكي المثلجة.
  • أخلُط أخلُط. لها ماضي وحاضر، وتعرف الخروبة،

هنالك اكثر من طريق الى الحولة، تلال وجبال تلعب فيها الرياح، نسائم وزوابع، غبار وغيوم، مدّي نظرك من تلة عكا، قاهرة نابليون الى تلال الشاغور والكمانة وأبو الشّبا فوق كفر عنان وهضاب طوبا الزنغرية، أية اسماء فاتنة، ايامها، ايام التحقيق، ولماذا التحقيق، ايام القعدة تحت الخروبة، وجدت لدي كتابا لائذا في احدى الزوايا فيه صف خريجين من مدرسة البصّة، ومن جملة الاسماء كان اسم معلمي فايز حمادة يوسف من ساجور، ليس هو الذي قال لابن اسحق مبروك الانتصار، لأنه علّمني، اليوم أمرّ من عند شجرة الخروب الباقية على حالها.

وجدت عجوزا يهودية قرب الطريق امامها بسطة من فاكهة الموسم، دراق وبرقوق ونجاص، تترزّق، أنتِ وأنا والبصة والخروبة احياء باقون، يبدو ان ذلك المكان ملائم للقاءات، سيارة تقف في الفَيّ، فأتابع الطريق، قلت للراعي الاسمر: دع الناس في حالها، لماذا تُلصلص عليهم!!

  • كِنّك واحد منهم -!! محل عامِر على الدوام.

عاد معلمي من زيارة الى الجولان، فسألته: ماذا وجدت يا اهرونشيك!!

  • قمحات قصار، لكنهم في تقليم التفاح أشطر مننا،

قررت ان اقطع النهر وأصعد الى هناك، وقفت فوق الأردن قبل ان أصل الجسر، الرياح راكدة، ركد الريح، هكذا نقول ونحن نذرّي القمح، بقبق الماء فجأة في النهر وخرجت سحنة رجل وأنا فوقه فصرخ: ماذا تفعل هنا،

  • أنت ماذا تفعل هنا!!

نقز مني ونقزت منه.

  • أنا انظف مضخة المياه للري وأنت!!

وبقينا اصدقاء، في حضن الجبل حواكير وأسيجة من الصبر الشائك، ولسوء الحظ وقعت شوكة من ذلك الشوك الرفيع المكبّش على الأكواز في عيني اليمين، فانحرّت وتعكرت، وتضايقت.

في الاستحكامات والخنادق ملابس ممزقة وكتب عليها بقع من دم أسود وذباب كثير يطنّ في الظل، كلها كتب دين وتربية عسكرية، مدعوكة ومرمية بابتذال، شمس العصر حارقة على صفحات الجبال، ورائحة دم وخراب وخواء وشجر مشعوط وحشائش محروقة، وحجارة سوداء ساخنة وألواح صبر مشطوفة ومقموعة وغربان ونسور متثاقلة متخمة كسلانة.

كان هناك تنسيق بين مصر وسوريا، الطائرات المصرية تهاجم وتقضي على الطيران الاسرائيلي او تشغله، والقوات البرية السورية تهجم من المرتفعات، وكانت النتيجة البائسة، ضُرب الطيران المصري في المطارات المكشوفة ودُمّر، وتفرغ الطيران الاسرائيلي للجبهة السورية، وأتاها من الشرق، هناك جاء من الغرب، وهنا جاء من الشرق يدمر الجنود والدبابات والمصفحات والناقلات، ويفرغ الجولان من مئة ألف مواطن وعشرات القرى والمراكز والمضارب، لتبقى قرى مجدل شمس ومسعدة وبقعاثا وعين قينية والغجر، الغجر اليوم مقسمة بين لبنان والاحتلال وسوريا واحتُل جبل الشيخ وتل الفرَس وتل أبو الندى ونهر البانياس، والشّريعة والبطيحة ومن القنيطرة الى قنطرة.

سلامي الى صالح الشوفي من الجولان، كتب لي على كرتونة تفاح: يسقط خالد بكداش وإرفيقه محمد نفاع.

  • شو هذا يا صالح!!
  • في المدرسة وفي طابور الصباح، كنا نحن الصغار نهتف كما علّمونا:

عاش الشعب العربي عاش وليسقط خالد بكداش،

هذا واحد من اسباب السقوط المدوي.

ويأتي الينا في البيت مجموعة من شباب الجولان ومنهم مصطفى: كانوا ستة يلبسون الحطات والطواقي، عرف الجيران وجاءوا للسلام والكلام، أحد الشيوخ البسطاء يقول: لو تْقدم اسرائيل نواحي الجبل لنلتقي مع سلطان باشا الأطرش!!

لم تبق طاقية ولا حطة على رأس الضيوف، ضربوها في الارض بنخوة وغضب وصرخوا:

  • فَشروا!! لو كان معنا سلاح بَس كنا محناهُن.

وراح أهل البلد يعتذرون، لكن الكأس تعكّرت.

ولماذا بدون سلاح، في منطقة حدودية، بعدها رحنا نلتهم النقد الذاتي بعد الهزيمة لصادق جلال العظم، وحفلة سمَر في الخامس من حزيران لسعدالله ونوّس وقصص زكريا تامر عن الطائرات وغربة والحدود وضيعة تشرين... ونقتني ما هو جديد من المكتبة الشعبية بادارة سهيل نصار، من منشورات دار التقدم في موسكو، عن حرب الانصار وستالنغراد وأبطال قلعة بريست ورجال بانفيلوف وكيف سقينا الفولاذ، وتذوقنا عنب الخليل تحت الاحتلال بعد ان استمعنا الى عايدة شاهين وهي تغني:

طَعمك حِلي لي يا عِنب

  أصلك خليلي يا عنب

خليلي يا عنب

وعبده موسى على الربابة:

حَيْهم نشاما الوطن

  حيهم جنود حسين

ربع الكفاف الحُمر والعُقل الميّالا

من كل دبّابِة عُمّاد جنزيرين

  تهدر هدير البحر عالقوم صَيّالا

وفريد الأطرش يغني على الحزن: إن للباطِل جوْلة

وفوق أرضي لن يمروا

   وبها لن يستقروا

إن للباطل جولة

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية