news
ملحق الجمعة

مسارب ودروب (الحلقة 3)

بَلَجنا على العين!! أحمد، راجي، ساري، شادي، عبدالله، تامر، فادي، مروان، نجيب، نعيم ويامن. كل المجموعة، في عيونهم، دهشة ومفاجأة، ونظرهم يرتاح، حتى انهم لم يلقوا ادوات العمل من ايديهم. المياه تتجمع في بركة صغيرة، ويسيل خيط منها، يتغلغل في الوعر، لتظل مشحة خضراء يانعة، ولمّام بري ونعنع، وكل الانواع التي تحب الماء، اليَنبوت!! لا يمكن.

من حفر هذه البركة بوسع وتفصيل الفَرشة في صخر الصوان؟!

وفي هذه المعاصي، حولها شجر السنديان والمل يرنو اليها بألَفة، بعض الاوراق تطوش على وجه الماء، تدور دورات متمهلة، تتمختر بغنج، الماء عذب بارد صاف، فمن اين يأتيها التلوث في هذه البقاع النظيفة البِكر. عين الرَّتَم!! غصون وطواريح الرّتم، تبدو سعيدة وقد اعطت اسمها للعين، بقية الشجر المتعانِق المتعاضد لا يغار من الرّتَم، فهو بلا كيد كبعض البشر. كيد السّلف اصعب من قرْط الزّلف.

السّلَفات! كم لديهن من غيرة وحقد وكيد، وكنّ السبب للزعل حتى بين الاخوة، وكم مر على الناس من احداث، وتجارب، وهل من شيء قليل قال من قال للاقارب: تزاوروا ولا تتجاوروا. في تلك الايام الغابرة العتيقة كان الرجل اذا سافر يعقد غصن الرتم الطري الطيّع، اذا عاد من غيبته ووجده محلولا تكون الزوجة قد خانته، وإذا ظل معقودا تكون اصيلة بنت أصل. الشجر يشهد للبشر.

انهمكتُ بعمل موقدة صغيرة من حجارة غشيمة، لعمل غلاية قهوة، القهوة على نار الحطب طيبة، دعهم يتحدثون ويتشاورون ويرتاحون بعد العمل الشاق.

ويسخنون الفطائر والمناقيش على الجمر، جدائل الدخان الازرق تتلوى وتلتم اعباب الشجر، كأنها تبخّره دون ان تحرق ذياله، لا لا تبخره من دنَس فهو طاهر، والفرَس كْحيلة العجوز طاهرة الذيل، وحاتم طيّ رفض ان يتبخّر كما طلبت ماوية، امرأته ومطلقته.

لنشرب كأس الماء الصافي والنبيذ الاحمر المعتق على ارواح كل الاخيار، الذين حفروا هذه البركة، وزرعوا السفرجل الفوّاح، كأس الموقع والنّبت ومسارب ودروب الاخيار.

أما أنا فلي عودة الى هذا المكان وهكذا كان:

لأرتاح هذا اليوم من مكبرات الصوت، وجئير السيارات ونور الكهرباء الذي يحول الليل الرائع الهادئ الموحي الى نهار ضاج صاخب مقلق ومثير للاعصاب.

وها انا امشي مع الفجر، والندى الرقاد يتهادى في الوديان والخلات ويتعربش على بطون الجبال الوقورة المرحّبة، وتحبو الذكريات، وأمرّ عند قبر أمي فوق الطريق بين عين النوم ونبعة القاتلة، والمعذرة من هذه السيرة والذاتية، فهي لا تضرّ احدا. كنت صغيرا، قُل طفلا، وفي البلد ضيف من الكرمل اسمه صلاح الراجي، نبّه أبي على وجبة غداء للضيف ولفيف من الناس كما هي العادة، وفي البيت لا يوجد زيت، حملت امي سطليّة النحاس وأربعين قرش ثمن رطل الزيت، لم تتوفق وعادت تبكي وتدق على صدرها وأنا في أشد لحظات الحزن، فهي لا تغبُط على كل الناس، اخيرا أعطت السطلية والاربعين قرش لستّي شهربان واشترت لها رطل زيت من دار يوسف السلمان. وبيّضنا وجهنا مع الضيف. من يومها نويت ان اشارك أهلي في التّعب على الزتونات وجول البَعذورة، البرَكة في البعذورة، وما العمل، الزيتون يرتاح سنة بعد سنة من الحِمل.

كنت أسمع أمي وهي تتحسر على أكلة سردين مع ليمون حامض كما أكلتها من عند عمتها في الرامة، امرأة أبو يوسف حمدان وهي صبية. سافرتُ الى عكا واشتريت رطل سردين مع لمون حامض، أحسن طبّاخ الجوع، يومها كانت جائعة.

وعن أكلة كبة مفروكة على "القلعة" – البلاطة من عند خالتها ريّا من يركا، في صباها، وضعت صحن كبة على بلاطة الكبة لتستعيد ذكرياتها، لم أتقن قلْي السردين والكبة مثل تلك الايام.

اشتاقت هي وأبي لشرب "ماتّي" من ميّة عين النوم، فأبي الذي كان في الارجنتين اعتاد على شرب الماتي، وميّة العين أزكى وأطيب من مية الحنفيات في البيوت، أفقتُ مع الفجر، حملت ابريقا كبيرا وملأته من عين النوم البعيدة، في العودة التقيت مع نسيبنا فارس العطيلة وقال:

  • هه!! وين كاين!!

وعندما اخبرته نزلت دمعته، كانت أمه وأمي صديقات:

  • قدّ ما يعمل الواحد بكفيش إمُّه!!

وكم مشى على هذه الدروب من أخيار الناس، ومن الاشرار ايضا!! شبّاكين عمل، فسادين وُشاة، سماسرة، 

لم يمشِ ماشٍ شرّ من واشٍ.

العسالِج والغصون المقطوعة، دبّ فيها الذبول على جانبي المسرب المفتوح، بطول مئات الامتار من الطريق الى العين، والمسرب في صعود خفيف، على عروق الشجر طحالب بلون المخمل الاخضر، وصفراء داكنة كورق الشجر اليابس، والكثير من الفطريات في هذه المظاليل الرطبة حتى في الصيف، سناجيب تتقافز على الشجر، تجمع البلوط وحَب اللوز البري المُر، وعصافير غريبة تتطاير وترفرف بمرح، 

على أية شجرة في هذه النواحي علّق ذلك الرجل الردي الصبية التي دخّ عليها وعمل معها الفاينه، وراح يضربها ويلبطها على بطنها وهي معلقة حتى "ترمي"، تطرح خوفا من الحبَل والعزارة! كل بلد فيها كفوها من أوادم ومن أنذال!! هناك من يقول تركها معلقة حتى ماتت!! أما هو فظل شريفا.

وها هو ابن بلدة سلفيت يصدح:

هَلي بْشاش الكرامة عصّبوني

  وعلى هْموم الليالي عصّبوني

أكيد الزيت ببيّن عالصّبونِه

  لكن الوفا بَدّو اْسود غاب

لو تُجمع كل اقوال وافعال الشّرف والناموس لأخيار الناس من كل الاجناس، فها هي كلمة صباح الخير في كل بقاع ولغات العالم، بالرغم من سلاسل الجبال الشاهقة والصحاري والمحيطات من مشرقها الى مغربها، ومن شمالها الى جنوبها، كانت اول كلمة حفظتها في كوريا الدمقراطية البطلة، "صباح الخير" آن يونْ هاسِن نيغا". الوعر النظيف يوحي الكثير من مسارب ودروب الفكر.

في زيارتي الى سلفيت لحضور مهرجان الالوف، تردد السائق من احدى قرى الشمال: هم يكرهوننا، نحن مكروهون عندهم!! هذا ما تبثه آلة الحقد والكراهية والعدوان بين ابناء الشعب الواحد، اخيرا وافق على السفر بتردد وتخوّف. وفي المهرجان هات يا ترحيب بنا، بأبناء شعبنا القادمين الينا من الجليل والجرمق الأشم، والسائق مذهول، تكاد الدمعة تفر من عينه.

وبعد ان قدمنا تحيتنا هات يا تصفيق وعناق، فقال السائق الشاب: عمي من شان الله كل مشوار إلك خذني معك!!

في الطريق الى سلفيت، سألتُ فتاة صبية من قرية سْكاكا في تمام الجمال والكمال: أسافر معكم، أدلكم على الطريق واحضر المهرجان، وهكذا كان، في العودة أبَت إلا ان نشرب القهوة في بيتهم فوق الطريق، سلامي اليكِ من هذا الوعر الارج العطر من نور اللوز والقبريش وزهر الرتم الاصفر، وموشحات الطيور المتقافزة بحبور على أماليد السنديان والقاتل والشبرق، ومن نكهة القهوة على هذه العين والهُبّال الشذي ينفلت من الغلاية فوق النار ومن الفنجان، تذكرت فنجان القهوة في سْكاكا، أهلها بْشاشِ الكرامِه عصّبوها...

وما أنسى مـِ الأشياء لا أنسى شادِنا

  بمكة مكحولا أسيلا مدامعُه

قرب العين، وعلى صخرة ناعمة ملساء معلقة، ثلاثة اسهم محفورة تشير الى الشمال.

هنا سأقضي الليلة، في هدوء، وليل اصيل، تحت السما والطارق، لوّذت قليلا عن بركة العين، قد ترد الى الماء وحوش صغيرة وكبيرة، العتمة حالكة، لا تظهر الا قُوّيعة السما، وبعض النجوم الزاهية والباهتة، وللوعر في الليل عالمه، انغام وأصوات متقطعة متنادية، وحوش صغيرة تتسلل بحذر، ولا تصل الى العين، تقف هناك على بعد خطوات، ونسمات طرية ناعمة تلثم الوجه، وتلثم الشجر.

الى أين تشير هذه الأسهم المحفورة!! الصباح رباح، لأسهر الليل، وأجمع الحكايا التي سمعتها عن هذه المواقع، يجب ان اهتدي الى شجرة السفرجل، وهذا الثمر الاصفر الناضج برائحته الشذية، لذلك وصفتُ عبق يد المترجمة الروسية ووجهها وعنقها برائحة السفرجل المحببة، وهو قوي، يضايم، يأتي البُهرون – حفّار سوق التفاح – يوقع احد الفروع او سيقان الشجرة وهو يقرض اللب بنَهم لكن فنودا اخرى تنبت من الشلوش، في البلد شجرات سفرجل عمرها اكثر من مئة سنة، دائما تتجدد.

هذا الليل أعادني الى طفولتي، عندما كان الليل ليلا، فها هو سراج الليل يومض طائرا، واليراع الاخضر الزاهي يبص في اكثر من مكان، وصرصار الليل يتنادى ويتجاوب، والبوم بصوته الرائع الأجوف يتغلغل في الوعر، منه القريب ومنه البعيد، حوار ومواعيد لقاء.

من الصعب جدا الوصول الى حيث تشير الاسهم، يجب ان استنجد بالشباب، بالمجموعة الخيّرة إياها، اما أنا فرحت اعد نفسي، اقطع عهدا، ألا اترك موقعا، او نبتا الا وأذكره، واسأل عنه، لئلا تعتب علينا اية عشبة وتلومنا لأننا لا نذكرها، هي تقدم كل ما عندها، من رونق، وبقاء، وصراع، ويأتي امثالنا ويتجاهلون، ولا يكترثون، لكل شيء اسم، وعالَم ودور، وتاريخ وتدهمني موجة حزن وأنا اتصوّر ان هذه المخلوقات عاتبة علينا، لهذا الاهمال، ولنعدد كل المسارب والدروب التي مشى عليها الناس، والوحوش، ليست هنالك بقعة حتى ولو بوسع الحصيرة دون ان يصلها الناس، بالمسارب والدروب كالشرايين، وما أشبه شلوش الشجر والنبت بشرايين الجسم،

عندما فتحنا الشارع بين البلد وحرفيش، والتقى الناس من البلدين، دارت فناجين القهوة، والدنيا وجه النهار، والمحوربة والزغاريت تعشش في الوعر مع غناء الطيور المبكرة.

وعلى هذه المسارب والدروب، احاديث وذكريات، حطّابات وحلاّشات وحلابات، ورعيان ومهربون، ومتسللون شجعان وثوار.

لو يرث الخلَف من الاولاد عن السّلف الصالح، كل هذه الاسماء والحكايات عملا بالقول: على الشلوش تنبت السّجرية. وليعرفوا كل الاسماء التي سماها الناس، وكأني بهذا العالم من بشر ونبت وشجر، من طير ووحش يتغنى وينادي ويقول: إسمَك لا تنساه.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب