جوش كوهين
ترجمة: جريس جريس
قبل عقدين من الزمان، عندما كنت محاضرًا جامعيًا شابًا، قمت بتدريس مساق عن الأدب الامريكيّ في القرن التاسع عشر. بالرغم من ولعي بتلك الفترة، إلا أن طلّابي كانوا أقل شغفًا مني بها. معظمهم كان يكتفي ب "موبي ديك" أو يتوقف بعد قراءة بضعة صفحات من مقالات والدو ايمرسون، ويجلس بعدها في مقعده مكتنفًا بالسكون يأمل ألا أتوجه له.
أما روي، فكان مختلفًا عنهم، كان قارئًا استثنائيًا، وناقش النصوص بشغفٍ حاد، مما جعل زملاءه ينظرون إليه نظرة ممزوجة بالارتباك والرهبة. عند نهاية الفصل، سلّم معظم الطلبة مقالاتهم بنجاعة، على نحو اعتيادي وبدون أي استثناءات لافتة للنظر، ما عدا روي الذي توجه إلى مكتبي يومين قبل انتهاء موعد التسليم مستجديًا مني أن أمدد له الموعد.
أوضحت له بأنني لا أستطيع أن أضمن له ذلك دون تقرير طبيّ، وأنه قد يخسر بعض العلامات جراء تسليمه المتأخر. حثثته للمضي إلى منزله ليكتب مقالته، لكنه سبق وأبدى لي بأنه ما زال لديه الكثير من الأمور الهامة التي يرغب بقولها.
أخبرني روي لاحقًا بأنه قد أتم كتابة مقالته، لماذا إذًا لم يقم بتسليمها، سألته. "لأنها فظيعة"، أجابني مُكورٍا وجهه بتعابيرٍ تدل على الكرب والمعاناة. توسّل إليّ لأمدّد له بضعة أيام، لكني جزمت أن القضية خارجة عن سيطرتي.
المقالة وصلت بتأخير يومٍ واحد. بالرغم من انتقاصها لخمس نقاط جراء التأخير، إلا انها حصلت على علامة عالية.
استمر روي بتسليمه المتأخر طيلة اللقب، إلا أنه أنهى السنة متفوقًا على زملائه بوضوح. في السنة التالية كان روي أحد طلّابي ببرنامجٍ تعليميّ للقب الماجستير، كانت إنجازاته لامعة أكثر من السابق، وكذلك التأخير عن مواعيد التسليم ازداد. عندما أتى ليقابلني قبل موعد تسليمه لأطروحته النهائية بأسبوع، لاحظت "طفح توتر" (طفح جلدي ناتج عن التوتر) على جبهته، سألته معربًا عن قلقي إن كان على ما يرام.
"أنا تمام" أجابني، "إن من عادتي أن أحك جلدي وأنا متوتّر، هذا كل ما في الأمر". لاحظت حينها انه قد قضم أظافره لدرجة جعلت أصابعه تبدو منتفخةً محمرّة. وجّهته عندها إلى خدمات الاستشارة الطلابيّة، رفض في البداية، إلى حين إدراكه أن ذلك قد يشفع لطلبه بالتمديد. الموعد الرسمي المحدد لشهر أيلول كان قد مضى، إلا أن المستشار أسعف روي بتمديد المهلة لشهر كانون الثاني اللاحق.
/تعديل حجم الأنف أو الصدر أصبح يُمثّل الأمل بالسعي وراء المستقبل المثاليّ المنشود بعيد المنال
قبل عيد الميلاد أتى إليّ روي، مُهمَل المظهر، شعره أشعث وعيناه منطفئتان تحدّقان في الّلامكان. أضاع جميع الفرص لتقديم أطروحته في الوقت، قال لي. مع مرور الزمن تعلّمت فن المحاججة بلباقة، كانت هذه أطروحة الماجستير وليس إنجاز العمر، هذا ما حاولت أن أشير إليه، "ليس من الضروري أن تكون مثاليّة خالصة الكمال".
"ثِق بي" أجابني بابتسامة مغمومة "إنها تبتعد عالمًا كاملًا عن الكمال، بل إنها ليست حتى بنفس المجرّة". تكهّنت عندها بأنه قد أتم كتابتها. أكد وقال "بل إني قرأتها أيضًا"، أضاف، "مما لم يترك أمامي أي فرصة إلا لأمحوها". سألته فاغرًا فمي إن كان قد احتفظ بنسخة منها.
لم يفعل. محى روي أكثر من ٢٠ ألف كلمة. "إني أكنّ لك قدرًا من الاحترام يمنعني من أُن أعرّضك لسوء كهذا" قال لي.
كانت هذه آخر مرة ألتقي بها بروي. خلال السنة ونصف اللاحقتين، نال روي التمديد خلف التمديد جراء قلقه المستمر. انقضت فترة التمديد ولم يأتِ روي لا بأطروحة ولا حتى بعُذر. كَتبْت له سائلًا إن كانت لديه مسودّة. " ليست لدي أي رغبة في أن أفرض نفسي عليك" كان هذا رده، ولم أسمع منه بعد.
أحد النصوص ضمن المقرر الجامعي الذي درّسته لروي كان قصة قصيرة لناثنئيل هاوثورن بعنوان "الوَحمة" كُتبت عام ١٨٤٣. إنها أكثر الدراسات النفسية رُعبًا من بين جميع دراسات الكماليّة التي أعرفها.
أيملر، متخصص شاب بالعلوم الطبيعيّة، ينمو لديه هوس مرضيّ بوحمةٍ حمراءَ صغيرة على خد زوجته الهيفاء جورجينا. اشتد هوس إيملر مع الوقت حتى أصبح يجد بابتعاد جمال زوجته خطوة واحدة من الكمال، أمراً لا يطاق.
كانت الوحمة بالنسبة له تمثّل "هَماريتا¹" الإنسانية، العيب المُميت... أنها دلالة على جهوزية زوجته على اقتراف الخطيئة، الكرب، الاضمحلال ومن ثم الموت. "تعلّمت جورجينا أن ترى نفسها بمرآة زوجها المشوهة حتى باتت هي الأخرى تشاطره رهاب الوحمة. بل وتتضرع إليه ليستخدم براعته لتصليح "ما قد أفستده الطبيعة."
مَوضَع إيملر زوجته في خِدر مستور بجانب مختبره. وغدت جورجينا رهينة تحت قيد أخلاطه الخيميائيّة. في غضون عزلتها قرأت جورجينا سجلات زوجها العلميّة، لتعثر في مضامينها على سلسلة من خيبات الأمل: "فبالرغم من كل ما حققه من إنجازات، لم يكن بوسعها إلا أن تلاحظ أن حتى أبهر نجاحاته لم تكن سوى إخفاقات مقارنة بالهدف الذي كان يصبو إليه." لم تستطع جورجينا استنباط أو استخلاص العبرة الجليةّ: أن هوس زوجها المرضيّ "بزلّتها القاتلة" (هَمارتيا) ليس إلا إزاحة² لخيبة أمله من نفسه. عوضًا عن ذلك تُوهِم جورجينا نفسها بأن هوس زوجها ورهابه من شائبتها ما هو إلا إبداء علاماتٍ من النبل تنبع من حبه لها.
يستقطر إيملر جرعة سحريّة بطعم "مياه من ينابيع الفردوس" تشربها جورجينا، تختفي الوحمة، وما أن تلاشت الوحمة نهائيًا، لفظت معها جورجينا نفسها الأخير.
باتت هذه الفانتازيا لذلك الرجل غريب الأطوار صاحب المختبر السري بمثابة مَطمحٍ لرجال ونساء في كافة أنحاء المعمورة. لا يمكن قراءة حكاية هاثورن هذه دونما التفكير بتلك التقارير عن أناس فقدوا حيواتهم أو شوّهوا أنفسهم بعد جراحات تجميليّة أجروها بتركيا أو بجمهوريّة الدومينيكان.
/حالها كحال الفيروس، تكيّفت الكماليّة مع تلك الظروف التي كانت سببًا في تقويضها.
تعديل حجم الأنف أو الصدر أصبحا يمثلان الأمل بالسعي وراء المستقبل المنشود بعيد المنال. إنها أمنية واحدة فقط من بين أمنيّات الكماليين العديدة التي أصبحت آفة من آفات عصرنا الاستهلاكي. حفل زفاف مثاليّ، بيوت إجازات... تشع جميعها علينا من واجهات الإعلانات، من شاشات التلفزيون ومن على منصات وسائل التواصل الإجتماعي، كلها تحث على إذكاء شعور الحسد، العجز، القصور، والتوق لملايين المتابعين.
خلال عملي كمحلل نفسي أصادف أشخاصًا يقعون رهائن في قبضة أفكار كماليّة لا ترحم، إن كان ذلك على الصعيد المهني، الجسديّ، الأخلاقيّ، أو في العلاقات العاطفيّة. قَلما يمر عليّ يوم دون أن يرتادني شخص واحد على الأقل يرثو نفسه أو يوبّخها لعدم قدرته على إنجاز مهامٍ، أهداف أو معايير قد حدّدها هو لنفسه. جلد الذات هذا عادة ما يزداد ضراوة حين يكونون (زبائني) على يقين بأن شخصًا آخر من معارفهم – زميلًا، أخًا، أو صديقًا- لو كان بمكانهم لكان قد استجمع ما يكفي من المهارة والدهاء لينجح.
عندما بدأ حجر الكوفيد-١٩، بدأت أشعر أن الكثير من زبائني تخلّوا عن المطالب والأهداف الكمالية التي وضعوها لأنفسهم. المؤسسات والشركات تأقلمت مع فكرة العمل من البيت، رأى الكثيرون بذلك نوعًا من الهدنة مع صراعات العمل، استراحة من الرقابة، استرخاء من الإشراف وفرصة في القيام بإعادة ترتيب أولوياتهم. احتضنوا المتع البسيطة- الخَبْز، المشي، القراءة، الحوارات- وبَدَوا متفائلين تجاه علاقاتهم العاطفيّة والعائليّة.
يَعتبر الدين فكرة الكمال البشري كُفرًا
ما فاجئني على وجه الخصوص إثر هذه التغيرات، كان ذلك الجو غير المألوف المُتقبّل والمتعايش مع الذات.
"راودني شعور من الحبور عند تسليمي لوثيقة تقييم سياسات/نهج عمل الشركة" قالت بولي، إحدى زبائني، "أنها كانت رديئة"، أضافت.
مقارنة بما قد سبق ووصَفَت نفسها "كحريصة ومدققة بشكل مرضي" عندما التقيتها لأول مرة، فهذه المرة كانت تغمرها الغبطة لمجرد انتاجها عملًا "جيدًا بما فيه الكفاية". "ولنقل أنه بمثابة انتقام عن كل تلك الساعات الإضافيّة وغير المدفوعة التي قضيتها عبر السنين". استطردت بولي.
فتحت تقييدات الجائحة تركزت بكل ما كانت تتوق اليه نفسها: البَستنَة، ركوب الدرّاجة مع شريكها، ألعاب الطاولة مع أطفالها... لكن بعد مرور ما يقارب الستة أسابيع بدأ مزاج الانغماسات الجديدة يتراجع لتظهر مكانه تلك الطلبات المُلِحّة من جديد.
كحال الفيروس، تأقلمت كماليّة بولي مع الظروف التي كانت سببًا في تقويضها. كانت تعتقد أن بإمكانها أن تتملص من إشراف ومراقبة مديرها في البيت، لكنها سرعان ما لبثت تقلق من جراء كونها متقاعسة. ابتكرت بولي لنفسها مصادر جديدة للتنافس في إطار العمل من البيت: من يستطيع أن يكون منتجًا وناجعًا أكثر تحت هذه الظروف التي تَفرضُ ضغوطًا إضافية.
بدأت أَلحظُ صيغًا مختلفةً لهذا التحول عند زبائني: نظام تدريبي أشد صرامة، عناية واهتمامًا زائدًا ولربما مفرطًا بوظائف أطفالهم البيتيّة. بالإضافة إلى أنهم أصبحوا أكثر حساسية وأشد إحباطًا من شركائهم، زملائهم، وربما مني كذلك. "لم يخطر ببالك أن اختبار النفس، قد يشكّل عقبة أمام الشروع بالأداء العمليّ؟"، "الا تشعر أحيانًا، وبكل بساطة، أن مجرد المباشرة بالعمل أفضلُ حالًا من التمرّغ والتلكؤ؟" سألني أحدهم.
استحوذ هذا المِزاج على غرفة استشارتي، كان هنالك شعور وكأن فترة الهدنة هذه أخذت تتبدد تدريجيًا، ودقت ساعة الجد من جديد، عادت الكماليّة، جذّابة، قاسية ولا ترحم كما عهدناها.
إن هدنة الكماليّة تلك وعودتها المستفحلة، جعلتني اتفكّر بإمكانية تجذّر الكماليّة عميقًا بالوجدان الإنساني، لا عجب أن يبدأ العهد القديم سرده بقصة سقوطنا من مخلوقٍ يتحلّى بنعمِ الفضيلة والقداسة الى مخلوق فانٍ مُكبلٍ بالإثم والخطيئة.
قد تكون قصة الخلق هذه بصيغها المختلفة عابرة للثقافات، من هذا المنطلق، يمكننا اعتبار الأديان- التوحيديّة منها على الأقل- كمشروع استشفاء ضخم من فقداننا نحن البشر للكماليّة.
تلعب الأديان هنا دورًا مكملاً، فلها حصة الأسد بجعلنا نتصالح مع عدم كمالنا. فسعيها الدائم نحو الإصلاح الروحي والتهذيب الأخلاقي يتماشى جنبًا الى جنب مع اعترافنا المتبرّم والمُحبِط بأن الكمال لله وحده دون غيره.
عندما حاول بعض البشر الفانون (أصحاب الموبِقات) بالعهد القديم أو بالأساطير اليونانيّة انتهاك المكانة الإلهية، أمثال بروميثيوس ومهندسي برج بابل، تمت معاقبتهم "كما يجب"، إذ يعتبر الدين فكرة الكمال الإنساني كُفرًا.
بدأت تنعتق عنا أغلال الدين تدريجيًا عند ظهور المجتمع الصناعي، زعم نيتشه أن المجتمع العلمانيّ الحديث قتل الله، لكنه لم يقدر على العيش بدونه، فابتكر لنفسه صفيفاً حديثا من الآلهة: الحضارة، العلم، التجارة، الدولة، الذات.
من "الاعتماد على الذات" لوالدو إيميرسون سنة ١٨٤٢ إلى ظهور صناعة "مساعدة الذات" في ثلاثينات القرن الماضي، وصولًا الى ثقافة "السِلفي"، رأينا بالفردانيّة قيمة عليا وهدفًا نسعى لتحقيقه. حيث شكّل طموحنا اللانهائي بتحسين مكانتنا الأكاديميّة، الاستطيقيّة، الاقتصادية وضرورة المصادقة من الآخرين على ما نفعله وننجزه، العناصر التي خُلق منها هواء الكماليّة الذي نتنفس.
/الكماليّة تجعل الحياة باهتةً تُعاش كما يُفترض أن تكون، لا كما هي عليه في الواقع
إن تلك الضرورة الملحّة للسعي نحو الكمال ما زالت فاعلة ومتفشيّة كما كانت أو أكثر. في مقال لهما نشر سنة ٢٠١٧ ينسب ثوماس كوران وأندريو هِل التصاعد الأُسيّ للكماليّة عند جيل الشباب بالعلو المطّرد لسقف المعايير داخل المنظومة الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي يكافح بها أصلًا هذا الجيل من أجل نيل لقمة العيش، كما وجّه كوران وهِل أصابع الاتهام الى قلق الأهل المتزايد وممارستهم المسيطرة والمُهيمنة على أبنائهم. تدفع أسواق العمل المكتظة وتحديدًا تلك الوظائف المطلوبة والإبداعيّة منها على وجه الخصوص، بالإضافة إلى تكلفة الإسكان التي لا تحتمل، الجيل الشاب والأهالي إلى مكابدة غير مسبوقة من أجل ضمان أفضليّة ما في خضم هذا الزُحام. فيشرعون للتسجيل لمساقات وتدريبات غير مموّلة، أو بالبحث عن وظيفة جانبيّة.
عند ربطهما لتفشي هوس الكماليّة بأجواء هشاشة السوق الحرة من جهة وروحها التنافسيّة من جهة أخرى، استشرف هِل وكوران نقد الفيلسوف الأمريكي مايكل ساندل للمنظومة الميروتقراطيّة³، في كتابه "طغيان الجدارة" الذي نشر سنة ٢٠٢٠، ويحاجج ساندل بأن الرأسماليّة الميرطوقراطيّة، خلقت حالة من التنافس الدائم داخل المجتمع. ما يجعل مفهوم "الصالح العام" ومفهوم التكاثف والتعاضد الاجتماعي يأخذان بالصدأ والتآكل. إذ تُعزز هذه المنظومة على تفرقة أفراد المجتمع لثنائية الفائزين والخاسرين، وتخلق بذلك قوما من المتعجرفين والمتباهين بأنفسهم عند الأوائل وشعورا بالدونية وعدم الرضى عن الذات عند البقية.
ببيئة كهذه ينمو الجيل الشاب وهو غير راضٍ عن نفسه وغير مكتفٍ بما يملك، ومواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى بدورها تخلق ضغطًا إضافيًا تحثنا من خلاله على تشييد صورة اجتماعيّة مثاليّة، ما قد يُفاقم شعورنا بالقصور والعجز وعدم الكفاءة.
بانعدام الشعور الداخليّ بالرضى والاكتفاء بالذات، يجنح الكماليّ الى قياس قيمته أمام معايير خارجيّة: تحصيل أكاديمي، براعات رياضيّة، شهرة، إنجازات مهنيّة... وعند سقوطه أمام التوقعات، يشعر بالخزي والمهانة.
إن هذا العبء الاجتماعي ليس بظاهرة جديدة، لكنه أصبح يستنزف قوانا بالعقود الأخيرة على وجه التحديد. قد يعود السبب لتشظّي التوقعات وتعارضها مع بعضها البعض. الكماليّة بخمسينات القرن المنصرم كانت متأصلة في معايير الثقافة الشعبيّة التي استولت عليها صورة العائلة الأمريكية البيضاء، التي أصبحت تهجو وتسخر من نفسها هذه الأيام.
في تلك الأيام توافقت الكماليّة مع القيم، السلوكيات والمظهر؛ ثقة متينة عند الرجال ورقة خجولة عند النساء. كان ضغط الكماليّة حينها يتجلّى بالتوق للتشابه بالآخرين لا أكثر. وهذا خلافًا لما تبدو عليه كماليّة اليوم، حيث يشعر الكماليّ المعاصر بضرورة التميّز في أسلوب حياته، وبشهوة ماسة للاستحواذ على موطئ قدم في أرض الاهتمام.
ليست الكماليّةُ شرًا مطلقًا، فبالرغم من مقتضياتها الخانقة، قد يرى الشخص الكماليّ بإنجازاته الأداة الوحيدة القادرة على صيانة مشاعره والحفاظ عليها. عندما نكون مُثقلين بهموم الحياة ونعاقب أنفسنا على قصورنا وقلة كفاءتنا، فأن مجرد عبور اختبار معرفة أسماء الكواكب والمجرات أو النيل على ألف "أعجبني" بالانستغرام قد يبعثوا على الطمأنينة ويولّدون لدينا شعورًا عابرًا بأن كل شيء على ما يرام.
لا يدوم هذا الشعور طويلًا، كما نعلم، فهو بحاجة دائمة لإعادة الإنعاش. أو كما صاغتها لي المحللة النفسية القديرة مويا سارنير: "إنها تجعل حياتنا هشة باهتة، نحياها كما يُفترض أن تكون، ليست كما هي عليها في الواقع. إذا كنت تحاول أبدًا نَيل حياة تشتهيها، ستفقد الحياة التي تملكها."
في العام ١٩٩٠ طوّر المحلل النفسي الأمريكي راندي فروست استبيانًا من ٣٥ سؤالًا صُمّمت خصيصًا لقياس مقدار الكماليّة. حيث يميّز هذا السلّم بين ثلاثة أنماط رئيسيّة من الكماليّة.
النمط الأول يتجلّى بالتركيز على الذات ويتمحور حولها. كلازمة ملحة لا تكل عن مطاردة الكماليّ ليحسّن من أدائه. يخلق هذا النمط شخصًا متحفزًا بالغ الحماس، لكنه منهك من فكرة التعهّد لنفسه بأن يرقى بها لصيغتها المثاليّة: أسعد، أرشق، أغنى ( صفات مُقارنِة كهذه قد نجدها على أغلفة كتب التنميّة لذاتيّة.)
يتبدّى هذا النمط بغرفة استشارتي حين يوبّخ زبائني أنفسهم على اقترافهم "خطيئة" كتناول كوراسون اللوز، أو مشاهدة ماراثونيّة لمسلسلات بوليسيّة عوضًا عن اتمام محاضرة أو مراجعة وظائف الأطفال البيتيّة.
النمط الثاني من الكماليّة محكوم للمجتمع ومعاييره. يجعل هذا النمط من الكماليّ حبيسا لتوقعات الآخرين. وعادة تتجسد عوارضه بنقد الذات من خلال منولوجات داخلية تُخبرنا كيف ينبغي أن نكون وماذا علينا أن نفعل. نسمع استهجانات مهينة حول نقيصة بأخلاقنا الحميدة، عن ملابسنا بشعة المنظر أو محادثاتنا الركيكة.
يوجه النمط الثالث من الكماليّة ذلك الصوت الداخلي المستبد نحو الآخرين، يُسقِط طغيانه عليهم ويطالبهم بالارتقاء الى مُثُله التعجيزيّة. تصل أذية هذا النمط من الكماليّة ذروتها عندما يُستخدم كأداة لتسليط النفوذ وفرض الإرادة. كالأب الذي يحاسب ابنته عند حصولها على علامة امتياز بتسعة مواضيع من أصل عشرة، أو المدير الذي لا يستوعب عدم قدرة الموظف بالتغلب على الأنفلونزا. هذا الصنف من الكماليّة، يكمن غالبّا بالنزعة التي تبحث عن إسقاط الفشل وخيبة الأمل اللذين لا نقوى على رؤيتهما في أنفسنا نحو الآخرين، متسترًا بقناعٍ واهٍ يظهر على شاكلة نقدٍ سلطوي.ّ
/قدرة تكيّف حِربائيّة لأنواع الشخصيات المختلفة ورصد منافذ ضعفهم
لا شك أن تصنيفات راندي للكماليّة مثيرة وجديرة بالاهتمام، لكن الأمر قد يختلف حينما نواجه الناس على أرض الواقع، حيث يصعب التمييز بين تلك الأنماط. إن تلك الأوامر بالمزيد من النحافة والذكاء تتغذى على جوقة من الأصوات الداخليّة والخارحيّة. من السهل رؤية كيف تتسرب مشاعر نقد الذات نحو نقد الآخرين.
الكماليّة متملّصة، حيث تنعكس عياديّا (إكلينيكيًا) على طيف واسع من العوارض يبعث على البلبلة: الاكتئاب والقلق، اضرابات وسواسيّة، نرجسيّة بصيغتها "رقيقة الجلد" (حين تخفي تلك العظمة الساطعة هشاشة بالغة). أمراض نفسجِسمية⁴، خواطر انتحاريّة، اضطرابات التشوه الجسمي⁵ واضطرابات الأكل.
للكماليّة قدرة تكيّف حِربائية لمختلف أنواع الشخصيات ورصد منافذ ضعفهم. وهذا ربما السبب وراء عدم تصنيفها كاضطراب نفسي قائم بحد ذات.
يعني ذلك أيضا ان الكماليّة قد تنمو على تُربة تجارب طفوليّة متنوعة جدًا. كوران وهِل كانا على حق عندما نوّها بأن "أهالي المروحيّة" - أولئك الذين يشرفون بهوس على فعاليّات وأنشطة أطفالهم، المنهجيّة منها واللامنهجيّة- يساهمون بتفشي الكماليّة. لكن تجربتي الشخصيّة اثبتت لي أن أنواعًا مختلفة من الرعاية الوالديّة قد تأتي بنتائج متشابهة.
الوالدان اللذان يحافظان على مساحة ما من حياة أطفالهم ويوفران لهم حيّزا أوسع، قد يولّدون شوقاً عميقًا في قلب الطفل لاعتراف وتقدير أهله، ليقتنع أن لا طريق آخر لكسبه إلا من خلال مراكمة إنجازات لا نهاية لها. الطفلة التي تشعر باستحالة الفوز، حتى عندما تأتي بأفضل ما لديها بمباريات الركبي او الشطرنج أو التشجيع، وتُقابَل مع ذلك بانتقادات أهلها المزعجة والمتواصلة، ستعاني هذه الطفلة من حكة دائمة تحثها على التحسّن.
من جهة أخرى، الوالدان اللذان يُشعِران طفلهما أن كل نجمة ذهبيّة أو علامة امتياز مدرسيّة، هي بمثابة حدث بارز، سيولّد هذا لديه ضغطًا دائمًا بالحفاظ على نفس مستوى تلك الإنجازات التي حَصّلها بسنواته المبُكّرة. لا يهم أي نهج تربية تتبنى، قد ينتهي بك الأمر بتأجيج رغبة مُستميتة عند أطفالك لإرضائك وصعوبة بعدم قدرتهم على التمييز بين رغباتهم الحقيقية ومطامِحك كوالد لكيفما تتمناهم أن يكونوا.
قد يبدو هذا التفسير كصيغة كلاسيكية لإدانة الأهل وتحميلهم المسؤوليّة، يرى به الكثيرون كجوهر وخلاصة علم النفس التحليليّ. ولكن يمكننا أيضًا اعتبارها اعترافًا إنسانيًا بصعوبة تربية الأطفال على الشكل الصحيح. إن نقطة التوازن تلك بين المبالغة بكثرة التدخّل والمبالغة بقلة التدخّل بحياة أطفالنا قد تكون زئبقيّة لحد الجنون. صعوبة الهروب من مصائد الكماليّة قد يعود لاستيطانها بمكان ما بأعماق النفس البشرية. بالإضافة الى أننا ننشأ على تذويت نموذجًا مثاليًا للشخص الذي نطمح أن نكون عليه.
يطلق المحللون النفسيون على هذا النموذج "الأنا المثاليّة" وهو عبارة عن صورة شخصيتنا المثاليّة التي كنا نراها كأطفال تنعكس إلينا من خلال عيون والدينا أو أولئك المقيمين على رعايتنا. لكن بتلك المرحلة من مراحل نمونا نبدأ كذلك ببلورة "الأنا العليا"، ذلك الصوت الداخلي الذي يُسمِع صداه بنبرة حادة من نقد الوالدين الصارم. عادة ما يتضخم هذا الصوت بمراحل متأخرة من نمونا بحناجر بالغين آخرين يتمتعون بمواقع سلطة، كالمدرّسين أو المديرين. قد تشعر حينها الشخصيتان القاطنتان في أنفسنا بالذنب. إذ ترضع الكماليّة من نهد حب النفس وتقديرها من جهة، ونهد احتقارها وإذلالها من الجهة الأخرى.
يزعم بعض المحللين النفسيين أن الكماليّة ليست بالضرورة حالة مرضيّة؛ ميّز محلل النفس الأمريكي د.إ هامتشك سنة ١٩٧٨ بين الكماليّة "السويّة" والكماليّة العُصابيّة.
حيث يضع الكماليّ "السويّ" لنفسه معايير عالية، دون الانجراف إلى نقد الذات العقابيّ. حتى أنه قد يجد نوعًا من المتعة بسعيه وراء التحسّن. وشكك باحثون لاحقون في تصنيف هامشتك هذا، ويجادلون بأن الرغبة بالسعي وراء الكمال لا يمكن أن تكون "سويّة" (طبيعيّة)، وتلك اللهفة لتحقيق أمر يستحيل تحقيقه أساسًا، لا بد لها إلا أن تؤدي إلى حالة من الإحباط والشعور بالعجز وعدم الكفاءة. إن خبرتي بالعمل مع الكماليين أتت بي لاستخلاص استنتاجات مشابهة، بالرغم من تسبب الكمالية بتدني الشعور بتقدير الذات، إلا أن القليل منّا يرغبون بالتنازل عن طموحاتهم بالتطور والنمو.
كيف لنا إذًا أن نحمي ذلك الطموح من أن يتحوّل إلى كماليّة غيورة؟
لا توجد لدي إجابات سهلة. أحد عناصر تركيبتنا البشريّة يجعل ذلك الشعور بالاكتفاء الذاتي، أو بالرضى التام عن إنجازاتنا صعب المنال. لسنا على استعداد أن نخمد شعلة ذلك الأمل لكي نحظى باعتراف العالم باستثنائيتنا وتفرّدنا: ذلك الكيان المثاليّ الذي موضعه لنا والدانا على قاعدة تمثال.
طرح محلل النفس الفرنسي سيرج لاكلير، طرحًا يحث على الفضول: تلقي الحياة علينا، مجازًا، مهمة قتل ذلك الطفل العجيب. علينا هجر فنتازيا الشخصيّة المثاليّة وكل ما تحمله معها من حسرة وأسًى على استحالة تحقيقها.
تذكّرني هذه الفكرة بإحدى زبائني الأوائل، فتاة في بداية العشرينات فقدت والدتها إثر مرضٍ عضال، انفصل والداها عندما كانت طفلة صغيرة، تزوج والدها من جديد وانتقل ليعيش مع عائلته الجديدة خارج البلاد. كان انعكاس صورة ليديا عن نفسها يؤلمها، تنشر صور "السيلفي" بهوس وتتعقّب عدد "اللايكات"، تتفحص جلدها وأسنانها كمحقق جنائي، وتُنقّب عن العيوب والشوائب دون توقّف.
خلال مراحل نموها المبكّرة، كانت والدتها منهمكة بتطوير مسار مهني بمجال التجارة وريادة الأعمال، فوّضت خلالها الجليسة تلو الأخرى لرعياتها... لم تحظَ ليديا باهتمام والدتها بمشاغلها اليوميّة، لا بوظائفها المدرسيّة، لا بصداقاتها، ولا بعلاقاتها بالصبيان. الطريقة الوحيدة الناجعة التي كانت تعتمدها الطفلة لجذب اهتمام أمها كانت من خلال الموضة والأناقة – التجميل، المانيكير وتسوّق الملابس عبر الانترنت. تتذكر ليديا جيدًا نظرات الحب تلك التي كانت تلقيها عليها أمها عندما كانت تضع الماسكرا أو تسرّح شعرها، وتخبرها كم هي جميلة، وكم هو محظوظ ذلك الرجل الذي سينعم بفتاة مثلها يوما ما.
عندما كنت أحاول التحدث عن مشاكلها مع المعلمين أو الأصدقاء، كنت ألحظ حينها كيف كانت تهجر وجهها ملامح الاهتمام، كما لو كانت أوزارها أثقل مما يمكنها تحمّله. صارعت ليديا مشاكلها بصرامة معتمدةً على نفسها. لكن بعد وفاة أمها، وجدت نفسها مسكونةً بروحٍ تستحثها لنيل الكمال الجسدي.
أخبرت ليديا بأنها ربما كانت تشعر بوجوب تحوّلها الى تلك الطفلة المحبوبة التي كانت ترى صورتها تنعكس بعيني أمها حينما كانتا منهمكتين بوضع الماكياج.
أثارت فرضيتي هذه فيضًا من مشاعر الغضب والإحباط المكبوتين منذ زمن طويل. قالت باكية بمرارة: "لو صرخت بها وهي حيّة، لما كانت لتعير صراخي أي اهتمام، أما الآن فلن تسمعني إطلاقًا."
غيظ ليديا هذا كان شكلًا من أشكال الكمد المؤجَل، ليس على فقدان أمها فحسب، إنما على تلك الطفلة المثاليّة التي كانت تَخبُرها لبضعة لحظات، عندما كانت تتمكّن من جذب انتباه أمها. مَنَحها رثاء تلك الطفلة القدرة على فطم نفسها من وسواس التمحيص الذاتي.
بُعيد توقفها عن نشر "السلفي" أتت ليديا لتقابلني وابتسامة مرسومة على وجها، "عندما كنت أجهز نفسي للجلسة، نظرت لنفسي بالمرآة، وقلت لنفسي، إنك جميلة بما يكفي" أغرَقَت حينها بالضحك، ومن ثم استطردت، "لكني لست عارضة أزياء عالميّة، وما يثير دهشتي أكثر، أنني لا أرغب حتى بأن أصبح كذلك.
كبالغين، قد تبدو لنا الكماليّة وكأنها تدفعنا نحو النجاحات ، لكنها بالواقع ليست إلا سلوكًا طفوليًا خالصًا. إنها تغرس فينا تلك القناعة بأن الحياة قد تنتهي باللحظة التي نفقد فيها أمنياتنا بأن نرتقي لأفضل نسخة ممكنة من أنفسنا. على العكس تمامًا، كما اكتشفت ليديا، تلك هي اللحظة التي يمكن أن تبدأ فيها الحياة أخيرًا.
هوامش:
١.همارتيا: من أساطير التراجيديا اليونانية وترمز للخطأ القاتل.
٢. الإزاحة: آلية دفاع نفسيّة لاواعية حيث يتم تفريغ الشحنات السلبية في شخص أوهدف آخر من خلال موقف لا علاقة له بموقف الغضب نفسه.
٣. الميروتقراطيّة: حكم الجدارة أو حكم الأخيار، أو حكم أهل الكفاءة: هو نظام سياسي واجتماعي تتحقق فيه المكانة وتُسنَد فيه السلعُ الاقتصادية و/أو السلطة السياسية إلى الأفراد على أساس الكفاءة، والقدرة والجهد المبذول (أي الجدارة)، والإنجازات المتحقّقة، وليس عن طريق الاكتساب بالميراث استنادًا إلى اعتبارات العمر أو الثروة أو الطبقة الاجتماعية، أو النوع، أو أي من هذه الخصائص أو المميزات الموروثة.
٤.أمراض نفسُجِسمية: (السايكوسوماتيّة) تختص بعمليات تكوّن الأمراض وتطوّرها وتركز بشكل خاص على وحدة الجسد والنّـَفـْس والتأثيرات المتبادلة بينهما، كما أنها حالة نفسية تؤدي إلى أعراض جسدية وغالبًا دون أي تفسير طبي. حيث يمكن أن تؤثر على أي جزء من الجسم تقريبًا، ويميل الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب إلى السعي للحصول على رعاية طبية متكررة ويصابون بالإحباط لعدم مقدرة الأطباء على التشخيص.
٥. اضطرابات التشوه الجسمي: كان يعرف سابقا باسم ديسمورفوفوبيا، هو اضطراب وسواسي (نفسي) الذي يشعر الشخص المصاب به بقلق مفرط بسبب عيب في شكل أو معالم جسمه.
عن "إيكونوميست"







.png)


.jpeg)


.png)

