news-details
ملحق الجمعة

 مع كتاب جذور القضية الفلسطينية لإميل توما

كتبت مجلة فلسطين الثورة بعد وفاته: إميل توما لم يراقب التاريخ ويسجله من موقع المحايد، إميل توما شارك في صنع التاريخ ثم سجله من موقع الملتزم! فيا أيها الراحل الباقي في ضمير شعبنا العربي الفلسطيني نحن نفتقدك كما نفتقد مواقفك المشرفة وفكرك الماركسي فقد كنت رجلا استثنائيا!

 

المؤرخ الدكتور إميل توما كرس حياته للبحث والدفاع عن القضية الفلسطينية وكتابه الذي سأتحدث عنه جذور القضية الفلسطينية يعتبر من أهم ما كتب الدكتور إميل توما.

فمتى بدأت القضية الفلسطينية في السياسة الشرق اوسطية وعلى الساحة الدولية وكيف ؟

يعتقد الدكتور إميل توما أن ثلاث قوى اشتبكت ببعضها وكونت القضية : وهذه القوى هي: الامبريالية البريطانية والحركة الصهيونية والحركة القومية العربية. فبريطانيا منذ القرن السادس عشر كانت قد استعمرت الهند واستراليا وغيرها من دول الشرق الأقصى وباتت مع الوقت الأمبراطورية التي لا تغرب الشمس عن حدودها ولكن الامبراطورية

 العثمانية العجوز كانت سدا حاجزا في الطريق الى مستعمراتها في الشرق الأقصى حتى قبل حفر قناة السويس.

في عام 1798 خرج نابليون في حملته الشهيرة الى الشرق الأوسط فكان منافسا غير كفء لبريطانيا بسبب ضعف اسطوله ولكنه حرك مطامعها فتدخلت في معاهدة اميان عام 1801 وساعدت بقايا جيش نابليون في العودة الى فرنسا بالسفن الفرنسية!

وهكذا في عام 1807 ارسلت حملة خاصة لاحتلال مصرالا أن قوات محمد علي باشا صدتها في معركة رشيد ونتيجة لذلك باتت بريطانيا عدوة لمحمد علي باشا والي مصر سنوات طويلة حتى جاء التدخل عام 1840 والقضاء على حملة ابراهيم باشا على سوريا وتركيا بعد انتصاراته في معركة نصيبين عام 1939 واضطر الى العودة وترك سوريا ولولا هذا التدخل لكان ابراهيم باشا احتل تركيا بحجة أنا أحق في ارث الامبراطورية من الدول الأوروبية الاستعمارية. منذ هذا التاريخ بدأت سياسة بريطانيا تعمل كحركة صهيونية حتى قبل ظهور الحركة الصهيونية اليهودية.

يستشهد الدكتور إميل توما بما كتبه أحد المفكرين الانجليز في هذا الصدد حيث كتب هولنغورت عام 1952 يقول : لم تكن اقامة الدولة اليهودية في فلسطين عملا انسانيا وعادلا بل ضرورة سياسية في الذهن البريطاني لحماية الطريق الى الهند وغيرها عبر آسيا الصغرى. كذلك كانت فرنسا تسعى الى نفس الهدف بسبب مستعمراتها في الشرق الأقصى. ولكن بعد فتح قناة السويس عام 1969 اشتد الصراع الامبريالي حول منطقة الشرق الأوسط وقامت بريطانيا باحتلال مصر عام 1882 بحجة الدفاع عن اراضي الامبراطورية العثمانية! هكذا ضعف ميل بريطانيا للصهيونية حتى نهاية القرن التاسع عشر ولكنه تجدد في مطلع القرن العشرين فكانت الصهيونية قد اسست مؤتمرها الأول يوم 13 آب من عام 1897 ثم جاءت اتفاقية سايكس بيكو 1916 ووعد بلفور 1917. ويعتقد بعض المؤرخين أن المسيحية كإيمان ديني لدى الأوروبيين آمنت بحق اليهود في العودة الى فلسطين أرض اسرائيل!

مع مطلع القرن العشرين تحول الاستعمار من كولونيالي الى امبريالي فما الفرق: الاستعمار الكولونيالي هو استعمار بمعنى استيطان اما الامبريالي فهو استعمار بمعنى نفوذ! وهكذا مع ظهور الامبريالية كقوة استعمارية ظهرت اللاسامية. هذه اللاسامية دعمت ظهور ونشاط المنظمات اليهودية الصهيونية ومنها حبات تسيون وحوففي تسيون وحركة الهسكلاه وقد كتب ثيودور هرتسل في كتابه " دولة اليهود يقول : ان اعداء اليهود هم الذين دعموا الحركة القومية اليهودية – الصهيونية ووحدوا بذلك الشعب اليهودي.

وهكذا ايضا بدأت الهجرة اليهودية الى فلسطين وكانت تسير بموجب تيارين هما : تيار يدعو الى اقامة دولة يهودية رأسمالية وتيار يدعو لاقامة دولة يهودية اشتراكية. ومن هنا ظهرت الكيبوتسات والمدن والموشافيم وغيرها.

قرارات المؤتمر الصهيوني الأول : اتخذ المؤتمر الصهيوني الأول القرارات التالية :

تسعى الصهيونية الى بناء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين بضمن القانون الدولي.ويستخدم المؤتمر الأساليب التالية :

  1. استعمار فلسطين بالعمال الزراعيين والصناعيين
  2. تنظيم وتلاحم اليهود محليا ودوليا.
  3. تقوية وتنمية المشاعر القومية اليهودية.
  4.  العمل على الحصول على الدعم الدولي.

هكذا بدأ هرتسل اتصالاته ببريطانيا وألمانيا وروسيا القيصرية والسلطان العثماني وذلك على الرغم من الخلافات المبدئية بين الاستعمار البريطاني والألماني والعثماني والروسي. ومنذها بدأت عملية شراء الأراضي.

واهتم القادة الصهيونيون بزيادة العمال اليهود والتقرب من السلطان العثماني ومن العرب ومن الشريف حسين فحصلت الصهيونية على عطف روسيا والمانيا وبريطانيا وتركيا. ولكن لما ظهر التحالف الكبير بين روسيا بريطانيا وفرنسا ضد تركيا وألمانيا اتفقت بريطانيا وفرنسا على توقيع معاهدة سايكس بيكو عام 1916 التي قسمت الشرق الأوسط الى منطقتي نفوذ بريطانية وفرنسية بالشكل التالي :

  1. تحصل روسيا على ولايات ارضروم وطرابزون ووان وبتلس ( أرمينيا الشرقية) وعلى منطقة نفوذ في القسم الشمالي من كردستان،
  2. تحصل فرنسا على القطاع الساحلي المشتمل على سوريا وولاية أضنة وكيليكيا.
  3. تحصل بريطانيا على القسم الجنوبي من العراق مع بغداد وعلى مينائي حيفا وعكا في فلسطين.
  4. يتألف من المنطقة الكائنة بين الممتلكات الفرنسية والبريطانية اتحاد لدول عربية صغيرة او دولة عربية واحدة وأن تقسم هذه المنطقة من جديد الى منطقتي نفوذ فرنسية وبريطانية وتتآلف المنطقة الفرنسية من داخل سوريا وولاية الموصل في العراق، أما المنطقة البريطانية فتمتد من فلسطين الى الحدود الايرانية.
  5. أن تعلن الاسكندرونة ميناء حرا.
  6. أن تدوّل فلسطين وكانت هناك اتفاقية على أن تبقى بنود هذه الاتفاقية سرية!!

     

اميل وحايا توما – ارشيف العائلة-ميخائيل توما



ثم جاء وعد بلفور 2/11/1917 : هذا نصه :

يسرني جدا أن أنقل لكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة تصريح العطف الآتي على الأماني اليهودية الصهيونية الذي عرض على الوزارة فأقرته وهو : ان حكومة جلالته لتنظر بعين الارتياح الى انشاء وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي. وستبذل أحسن مساعيها لتسهيل بلوغ هذه الغاية. وليكن معلوما بجلاء أنه لن يعمل شيء من شأنه أن يجحف بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية في فلسطين، أو بالحقوق التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخر والمركز السياسي الذي حصلوا عليه فيه. وسأكون ممتنا اذا عرضتم هذا التصريح على الاتحاد الصهيوني ليطلع عليه.

يعتقد بعض المؤرخين أن قيام الحركة الصهيونية ودورها كان دافعا لظهور القومية العربية! ولكن الصحيح أن الشريف حسين والمفكرين السوريين والأمير فيصل كانوا وراء البعث القومي ونذكر منهم على سبيل المثال ابا خلدون ساطع الحصري، ابراهيم اليازجي، الاخوين تقلا اللذين اصدرا جريدة الأهرام وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم.

فاتنا أن نذكر أن حزب العربية الفتاة وحزب اللامركزية الادارية العثماني كانا وراء عقد المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913 والذي ترأسه نجيب عازوري وشارك شكري العلي عن سوريا وروحي الخالدي عن القدس وقد اتخذ هذا المؤتمر قرارا بدعم تركيا والمطالبة بحكم لا مركزي تحت سلطة تركيا بحجة أنها الدولة الاسلامية الوحيدة التي تستطع مواجهة دول اوروبا لو قامت الحرب.

بعد كل هذه التطورات بدأ العمل القومي العربي الفلسطيني وذلك مع بداية الحرب العالمية الأولى1914 الا أن الحركة القومية العربية أصيبت بضربتين وذلك عندما علق جمال باشا السفاح عشرات القادة الوطنيين السوريين على أعواد المشانق في دمشق والثانية عندما نجح أبناء الشريف حسين في فرض سيطرتهم على الحركة القومية بالرغم من سايكس بيكو ووعد بلفور كما ذكرنا.

وعلى الرغم من الخيانة البريطانية للقضية العربية الا أن الشريف حسين تفاوض مع وايزمان ووقعا اتفاقية تعاون مشترك بين العرب واليهود كما وقع الشريف حسين اتفاقية مع اللورد مكماهون المندوب السامي البريطاني في مصر تعهد بموجبها اعلان الثورة على تركيا مقابل مساعدات بريطانية للعرب فأعلن الشريف حسين الثورة العربية يوم 5 حزيران عام 1916 على تركيا كما أعلن نفسه ملكا على الحجاز. في اكتوبر/تشرين الاول 1917 قامت الثورة الشيوعية في روسيا وقام لينين بفضح الاتفاقيات السرية الخاصة بالشرق الأوسط ولكن الرد العربي تأخر حتى عام 1919 عندما عقد المؤتمر السوري الذي قرر رفض اتفاقيات سايكس بيكو ووعد بلفور ورفض قيام الدولة اليهودية.

في نفس العام وقعت الدول العظمى ميثاق عصبة الأمم ما عدا الاتحاد السوفييتي وفي عام 1920 عقد مؤتمر سان ريمو الذي وزع أراضي سوريا الكبرى بين بريطانيا وفرنسا وأقرت عصبة الأمم نظام الانتداب.

الثورة في مصر

في نفس العام قامت الثورة في مصر تطالب بالاستقلال كما قامت ثورة العراق عام 1920 وعينت بريطانيا السير هيربرت صموئيل اليهودي مندوبا ساميا على فلسطين وقد عمل على تشجيع الهجرة اليهودية وعين الحاج أمين الحسيني مفتيا لمدينة القدس.

وفي عام 1921 عقد مؤتمر القاهرة الذي قرر :

  1. تنصيب فيصل ملكا على العراق بعد اجراء استفتاء صوري.
  2. تنصيب عبدالله اميرا على شرقي الأردن
  3. اقامة مجلس تشريعي في فلسطين. فاشتدت حدة الصراع العربي اليهودي. وصادق مجلس عصبة الأمم على نظام الانتداب سنة 1922 وطبق نهائيا عام 1923.

اما المجلس التشريعي فقد ظهر فيه الصراع بين عائلتين فلسطينيتين هما عائلة النشاشيبي وعائلة الحسيني الاقطاعيتين.

وصدف أن قام رئيس بلدية القدس راغب النشاشيبي ببناء شبكة مراحيض عمومية في القدس فقام الاستاذ جريس الخوري بكتابة بيتين من الشعر وكان مفتشا للغة العربية وهو ابن كفرياسيف يقول فيهما :

بلدية القدس الشريف قد ابتنت بيتا لراحة راغب في غائط

فالشكر يهدى للرئيس ورهطه من كل خار في البلاد وضارط!

هذا الصراع أضر بالحركة القومية العربية. فالحسينيون كانوا أقل مهادنة للانجليز بينما كان النشاشيبيون موالين للآنجليز؟.

وعندما حصل خلاف حول السماح لليهود بزيارة حائط المبكى استغلت سلطات الانتداب الموضوع للتحريض على العرب فبدا كأن الصراع ليس قوميا بل دينيا.

وهكذا لجأ الفريقان اليهود والعرب الى الصراع المسلح الذي ذهب العشرات ضحيته خاصة في أحداث العام 1929 ولكن ذلك لم يمنع بعض العرب من بيع أراضيهم للوكالة اليهودية وللكيرن كاييمت وكيرن هيسود، وظل الصراع طويلا حتى بعد قيام اسرائيل عام 1948 ولم تظهرحركة التحرير الفلسطينية الا بعد مؤتمر تونس عام 1944 واعترفت بها الدول العربية عام 1973 في مؤتمر الجزائر.

أخيرا أقول ما كتبته مجلة فلسطين الثورة بعد وفاته: إميل توما لم يراقب التاريخ ويسجله من موقع المحايد، إميل توما شارك في صنع التاريخ ثم سجله من موقع الملتزم! فيا أيها الراحل الباقي في ضمير شعبنا العربي الفلسطيني نحن نفتقدك كما نفتقد مواقفك المشرفة وفكرك الماركسي فقد كنت رجلا استثنائيا!

(كفر ياسيف)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب