news
ملحق الجمعة

مقاطع من كتاب "شهادات على القرن الفلسطيني الأول":اعتقال المطران كبوتشي في القدس ومحاكمته| إلياس نصرالله

أعاد بثّ تلفزيون "الميادين" لمسلسل "حارس القدس" إلى الأذهان ما كتبته عن المطران إيلاريون كبوتشي في كتابي "شهادات على القرن الفلسطيني الأول" الذي صدر عام 2016 عن دار الفارابي في بيروت. وطلب مني بعض الأصدقاء أن أقوم بهذه المناسبة بكتابة مقال أو سلسلة مقالات تغطي جوانب من حياة كبوتشي بناء على المعلومات التي توفرت لديّ حول المطران. لكني نزولاً عند رغبة الأعزاء الذين اتصلوا بي رأيت أنه بدلاً من كتابة مادة إضافية حول الموضوع، قررت أن أنشر في جريدة "الاتحاد" مقاطع تتحدث عن كبوتشي من كتابي الذي لم يوزع في شكل واسع، نظراً لصدوره في لبنان.آملاً أن تفي بما هو مطلوب. 

بدأت قصتي مع المطران كبوتشي عام 1968 عندما انتقل خالي الأرشمندريت حنا حداد للعمل في القدس الشرقية المحتلة ليتولى منصب نائب المطران هيلاريون كبوتشي. وأترك القارئ مع المقاطع التالية من الكتاب:

"كبوتشي حمل لقب النائب البطريركي إضافة إلى درجته الكهنوتية مطراناً، فبطريركية الروم الملكيين الكاثوليك ما زالت تتخذ من مدينة أنطاكية مقراً رئيسياً لها رغم تسليمها ضمن لواء الاسكندرون من جانب المحتلين الفرنسيين إلى تركيا عام 1938 فنقلتْ البطريركية مقرها مؤقتاً إلى دمشق، كما تحتفظ تاريخياً بثلاثة كراسي بطريركية لها في كل من القدس والاسكندرية وعين تراز بلبنان. فمطران الروم الملكيين الكاثوليك في القدس، هو المسؤول تاريخياً عن الضفة الغربية ومنطقة يافا وجنوب فلسطين أيضاً، ويختلف عن المطارنة الآخرين في هذه الكنيسة كونه نائباً لبطريرك أنطاكية للروم الملكيين الكاثوليك، فالكرسي المقدسي يتمتع بأهمية كبيرة بالنسبة لهذه الكنيسة العربية، رغم قلة عدد أتباعها في القدس لأسباب تاريخية تعود إلى فترة تأسيس كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك في نهاية القرن الثامن عشر، عقب انشقاق أتباعها عن الكنيسة الأرثوذكسية على خلفية الصراع الذي كان وما زال دائراً إلى يومنا هذا بين أبناء الرعية من الأرثوذكس العرب والقيادة اليونانية المفروضة عنوة على هذه الكنيسة العربية ورعيتها وتسيطر عليها وعلى أوقافها ومقدراتها".

 

المقطع التالي يتحدث عن فترة 1970 وبالذات بعد مذابح أيلول الأسود ضد الفلسطينيين في الأردن، وعن علاقة كبوتشي بعائلتي:

"عقب توقف القتال في الأردن تلقتْ أمي اتصالاً هاتفياً من خالي الخوري في القدس بأن جدتي روزا توفيت، فاضطر إلى السفر من القدس الشرقية إلى عمّان على جناح السرعة، وصُدِمت أمي مرة أخرى وتضاعفتْ أحزانها لفقدانها أخيها وأمها خلال فترة وجيزة. بعد عودته إلى مكان عمله في القدس الشرقية فوجئنا بقدوم خالي الخوري حنا إلى شفاعمرو برفقة المطران هيلاريون كبوتشي الذي جاء لتقديم واجب العزاء لوالدتي ولشدّ أزرها. فكانت تلك أول زيارة للمطران كبوتشي إلى بيتنا وإلى شفاعمرو. 

في ربيع عام 1971 جرت خطوبة أختي تحفة على إبن جيراننا ماهر بحوث، فعمّتْ أجواء فرح في البيت خفّفتْ من حزن أمي التي قرر والدي أن يُدخِل الفرحة إلى قلبها، فأقام لأختي حفل زواج كبير حضره العديد من الأقارب والأصدقاء تقدّمهم المطران كبوتشي وخالي الخوري حنا، اللذان أشرفا على إدارة مراسم الزواج وكللا العروسين، في 29 أيلول/سبتمبر 1971، وفقاً لما هو متبع لدى المسيحيين. كان لمشاركة المطران كبوتشي في الاحتفالات وبمراسم زواج أختي وقعاً كبيراً في نفوس أبناء شفاعمرو، إذ تقرر أن يبيتَ المطران كبوتشي في بلدتنا التي ما زالت إلى اليوم تفتقر إلى الفنادق، فنزل المطران كبوتشي في بيت لابن عمي حنا انتهى من بنائه وتأثيثه حديثاً ولم يسكنه بعد. فكان ذلك حدثاً غير عادي ما زال الناس يتذكرونه إلى اليوم، إذ أن المطارنة الذين عرفهم الناس كانوا في الغالب يعيشون في أبراج عاجية ويتصرفون مثل الأباطرة علاوة على سلوكيات غير حميدة لدى بعضهم وسّعت الهوة بينهم وبين الناس، لكن المطران كبوتشي الذي أحبه الناس كان شيئاً آخر تماماً".

 

في حزيران/يونيو عام 1973 توفيت والدتي وردة، فحضر المطران كبوتشي بمعية خالي حنا وأشرفا على مراسم الجناز. كان ذلك بعد فترة قصيرة من خطوبة أخي البكر يوسف على نجاة خورية، فتقرر تزويج يوسف ونجاة بسرعة، من دون عرس كالمعتاد، حيث أشرف كبوتشي وخالي على مراسم الزفاف والإكليل في أيلول/سبتمبر 1973.

لاحقاً تطورت الأمور بسرعة على نحو أدى إلى اعتقال كبوتشي، فجرت محاكمته وزج به في السجن. عن هذه الفترة ورد في كتابي ما يلي:

"في 8 آب/أغسطس 1974 جئت إلى العمل في جريدة "الفجر" كالمعتاد وكان دوامي مسائياً، فوجدت رئيس التحرير محمد البطراوي بانتظاري، فأبلغني أن الشرطة الإسرائيلية ألقت القبض على المطران إيلاريون كبوتشي بتهمة تهريب الأسلحة للمقاومة الفلسطينية، وطلب مني متابعة القضية وإعداد تقرير عن الموضوع. صدمت لدى سماعي الخبر، لمعرفتي الشخصية بكبوتشي وخشيت أن يكون أبونا حنا (خالي) نائب كبوتشي قد تعرّض لأذى. فهاتفت في الحال مقر بطريركية الروم الملكيين الكاثوليك في باب الخليل، فردّت على الهاتف سيدة متقدمة في السن كانت تعمل هناك، وبدت على ما يبدو خائفة ومتشككة في كل ما يجري حولها بعد اعتقال المطران كبوتشي، فرفضت بحزم الحديث عن الموضوع، ورداً على سؤال عن خالي قالت:  "أبونا حنا غير موجود". وأغلقتْ الخط. فزاد قلقي على خالي، فعاودت الاتصال ثانية وقلت لها:  "أنا إبن أخت أبونا حنا"، لكنها ظلت متحفظة ورفضت الرد على أسئلتي، فطلبت منها أن تحوّلني إلى كاهن هولندي كان يعمل في البطريركية، فقالت أنه أيضاً غير موجود، وطلبت منها أن تحوّلني إلى أبو يوسف، مسؤول المطبخ. فأكد لي أبو يوسف خبر اعتقال المطران كبوتشي وأبلغني أن خالي غير موجود لكنه بخير، وأضاف أن أبونا حنا بادر إلى تنظيم اعتصام ضد السلطات الإسرائيلية احتجاجاً على اعتقال المطران كبوتشي والمطالبة بالإفراج عنه حالاً، وأنه موجود مع المعتصمين في كنيسة تابعة لبطريركية الروم الملكيين الكاثوليك في المرحلة السابعة من درب الآلام في القدس القديمة. لم أصدّق ما سمعته من أبو يوسف، بأن خالي، الذي شاهدته قبل عامين سائراً في المظاهرة التاريخية من أجل قريتي إقرث وكفر برعم المهجّرتين في الجليل، مستعد للقيام بعمل نضالي آخر، كنت أظن طوال الوقت أنه حكراً على المنخرطين في العمل السياسي مثلي، شعرت في الحال أنه ينبغي بي أن أذهب للقاء خالي في مكان الاعتصام للانضمام إليه والتضامن معه والشدّ من أزره. فتجمهر حولي الزملاء في الصحيفة الذين سمعوني أتحدث مع البطريركية لاستيضاح ما حدث، بعدها ذهبتُ إلى مكتب رئيس التحرير لأبلغه بما عزمت القيام به، فوجدت عنده حنا السنيورة، المكلف في حينه من عفاف عجلوني بالاهتمام بشؤون الجريدة في غياب صاحبها يوسف نصري نصر. فتطوع كل من حنا السنيورة ويوسف الجنيني من قسم المحاسبة بمرافقتي إلى مكان الاعتصام.

كان اختيار مكان الاعتصام في المرحلة السابعة من درب الآلام مُوفقاً ورمزياً إلى أبعد الحدود، إذ أوحى بأن كبوتشي المعتقل في سجون إسرائيل كان يعاني معاناة شبيهة إلى حدٍ ما بمعاناة المسيح، نظراً لما لهذا المكان من أبعاد ورموز عميقة في التاريخ القديم لفلسطين وتراثها الديني والشعبي، فدرب الآلام هو أحد أهم الطرقات في القدس القديمة، إن لم يكن أهمها على الإطلاق ومشهور في كل أنحاء العالم باسم "فايا دو لا روزا"، لارتباطه بآلام المسيح، ويشهد سنوياً الاحتفال التقليدي الذي تقيمه الكنائس المسيحية في الجمعة العظيمة والمسيرة الحاشدة التي يستذكر فيها المسيحيون عذابات المسيح، ويمتد الدرب إلى داخل البلدة القديمة من باب الأسباط، أحد الأبواب في سور القدس من الجهة الواقعة فوق حي وادي الجوز، وصولاً إلى كنيسة القيامة، حيث وفقاً للأناجيل كانت تلك آخر مسافة قطعها المسيح، عيسى بن مريم، في حياته على قدميه، حاملاً على كتفيه الصليب الخشبي الثقيل الذي صُلب عليه تحت حراب الجنود الرومان وسياطهم التي لم ترحمه كلما تعثّر، فأغمي عليه من التعب ثلاث مرات في درب الآلام المؤلف من تسع مراحل، فكانت الإغماءة الثالثة في المرحلة السابعة قبل وصوله إلى الجُلجُلة التي تمّت فيها عملية الصلب والتي بُنيت فوقها لاحقاً كنيسة القيامة، والمرحلة السابعة هو المكان الذي اختاره أبونا حنا للاعتصام.

سرت مع زميلي مشياً على الأقدام إلى أن وصلنا المرحلة السابعة، فهي عبارة عن دير صغير في أحد المباني القديمة يقع في المقطع الكائن في درب الآلام بين طريق الواد المؤدي إلى الحرم وطريق باب خان الزيت المؤدي إلى كنيسة القيامة. كان الباب مفتوحاً، فولجنا منه إلى الداخل فوجدنا المكان هادءاً على نحو غير متوقع، فظننا أننا وصلنا إلى المكان الخطأ، واعتقدنا أن الاعتصام سيكون صاخباً نوعاً ما. فجأة حضرت إحدى الراهبات واستفسرت منا عن هدف الزيارة، ثم قادتنا إلى صالة متوسطة الحجم في طابق علوي وجدناها مكتظة بالحضور. كانوا جميعاً صامتين، وبان القلق والحزن على وجوههم. كان ذلك اعتصاماً صامتاً. وكان خالي جالساً في صدر الصالة، فنهض من مكانه عندما شاهدني وأقبل نحوي فعرّفته على زميليّ حنا السنيورة ويوسف الجنيني، فرّحب بنا وشكرنا على حضورنا، فبقيت أنا والجنيني واقفين من شدة ازدحام الصالة، وجلس حنا السنيورة بقرب خالي على مقعد تطوع به أحد الحاضرين. فعبّر السنيورة باسم جريدة "الفجر" لأبونا حنا عن تضامنه مع المطران كبوتشي وامتعاضه لتوقيفه، معتبراً الخطوة اعتداء على حرمة الكنائس ورجال الدين. 

ضمّ الحضور عدداً من أبناء طائفة الروم الملكيين الكاثوليك في المدينة ورجال دين مسيحيين وراهبات عرباً وأجانب من جنسيات مختلفة، فأعربنا عن تضامننا مع المعتصمين ومطالبهم. وأكد أبونا حنا لي أن التهم الموجهة إلى كبوتشي، هي تهريب الأسلحة لرجال المقاومة الفلسطينية، وقال أن الشرطة فتّشت منزل المطران في حي بيت حنينا على طريق القدس رام الله وأغلقته بالشمع، وفتّشت مقر البطريركية في باب الخليل، واحتجزت سيارة المطران المرسيديس وزجّت به في زنزانة بالسجن في المسكوبية، وقال أنه ذهب إلى المسكوبية لزيارة كبوتشي فرفضوا إدخاله وطلبوا منه بجلافة مغادرة المكان. 

فيما كان أبونا حنا يتحدث عمّا جرى للمطران كبوتشي تذكّرت كلماته التي كان يقولها لي في مناسبات عدة أن  "المطران كبوتشي المولود في حلب وطني سوري مُحب لسورية وللعروبة".

ما أن وصلت إلى مكتبي في جريدة "الفجر"، حتى اتصل بي والدي، فتحدث بقلق مستفسراً عن اعتقال المطران كبوتشي وعن خالي الخوري، وقال أن الخبر وقع كالصاعقة على عائلتنا والناس الذين عرفوا كبوتشي في شفاعمرو. فأكدتُ له صحة الخبر وطمأنتُه على أن خالي بخير وأنني التقيت به مساء ذلك اليوم.

بعد اعتقال المطران كبوتشي انطلقت حملة واسعة في القدس المحتلة وباقي الأراضي الفلسطينية المحتلة للتشهير به، كان واضحاً أن إسرائيل وقفت وراءها، كان الهدف منها النيل من سمعته الشخصية كرجل دين ونزع الهالة عنه التي اكتسبها بصفته مناضلاً. واتضح لاحقاً من لائحة الاتهام التي قُدِّمت ضده في المحكمة أنه اعتاد السفر بسيارته المرسيديس الخاصة إلى لبنان عبر نقطة الحدود في رأس الناقورة ثم العودة بها معبأة بالأسلحة، ليسلمها إلى أعضاء خلية للمقاومة في القدس المحتلة، الذين لم يكن المطران يعرف أحداً منهم، إذ كان يترك السيارة في مرآب خاص بالسيارات تابع لمدرسة الفرير في حي شعفاط على طريق القدس رام الله، ليقوم أعضاء الخلية بإنزال الأسلحة المخبأة في جيوب سرية داخل السيارة، من دون أن يلتقوا به.

كثيرة هي القصص التي رويت عن كيفية اعتقال المطران كبوتشي وستظل الرواية الحقيقية غائبة عنا، من تلك القصص مثلاً روي أن وكالة الاستخبارات الأميركية (السي آي إيه) هي التي كشفت الخلية التي كان كبوتشي مرتبطاً بها. ففي إحدى الزيارات المكوكية لوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر إلى إسرائيل في عام 1974، عثرت الشرطة الإسرائيلية على صواريخ كاتيوشا منصوبة على مقربة من قصر المندوب السامي في حي جبل المكبر قيل أنها كانت موجهة إلى فندق الملك داود الذي نزل فيه وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر، الأمر الذي دفع أجهزة الأمن الأميركية للتدخل، فتم خلال فترة قصيرة الكشف عن الخلية التي كانت تتألف من ثلاثة أخوة من عائلة الملاعبي من القدس الشرقية، فألقي القبض عليهم في أواخر أيار/مايو 1974 وجرت محاكمتهم وسجنهم لمدد طويلة، وصادف أن كنت برفقة مجموعة أصدقاء من بلدة مجدل شمس في المرتفعات السورية المحتلة جاءوا لزيارتي فشاهدنا عملية هدم منزل عائلة الملاعبي المكون من أربع شقق كبيرة في حي شعفاط بجرافات الجيش الإسرائيلي في 2 حزيران/يونيو 1974، انتقاماً للعمليات المسلحة التي قاموا بها. تمّت عملية الهدم، رغم محاولة النائب الشيوعي توفيق زياد منع السلطات الإسرائيلية من الإقدام على تلك الخطوة بتقديمه طلبا عاجلا إلى البرلمان لبحث الموضوع. لم يكن الأخوة الثلاثة على علم بالكيفية التي تصل بها الأسلحة إلى القدس ومن الذي يُحضرها إليهم. وذكروا في اعترافاتهم أثناء التحقيق أن رجل دين مسيحي هو الذي يُحضرها إليهم، لكنهم كانوا يجهلون هويته. كان من الواضح أن الأسلحة تأتي من الخارج، وبالتحديد من لبنان، خاصة بعد أن خرجت المقاومة الفلسطينية المسلحة من الأردن عقب مذابح أيلول/سبتمبر عام 1970 وأصبح من المتعذر تهريب أي أسلحة عبر الجسور إلى الضفة الغربية. وكان الإسرائيليون بموجب اتفاقيات رودوس عام 1948، وافقوا على السماح لرجال الدين المسيحيين بالسفر لأسباب تتعلق بطبيعة عملهم إلى الأردن ولبنان أو الدخول منهما إلى إسرائيل عبر معبري بوابة ماندلبوم في القدس ورأس الناقورة على الحدود مع لبنان. ووفقاً لاتفاقات رودوس كان رجال الدين العاديون ينتقلون عبر معبر رأس الناقورة مشياً على الأقدام، أما المطارنة، وعددهم قليل جداً، فمُنِحوا امتيازاً خاصاً للسفر بسياراتهم الخاصة عبر نقاط الحدود مع الأردن ولبنان. فاستفاد كبوتشي من هذا الامتياز والتسهيلات الممنوحة لرجال الدين وله بصفته مطراناً، فكان يسافر باستمرار بسيارته الخاصة إلى لبنان ويعود إلى القدس المحتلة عبر رأس الناقورة. فعلى أثر اعترافات أبناء الملاعبي تمّت مراقبة كبوتشي بدقة إلى أن ألقي القبض عليه في الثامن من آب/أغسطس 1974 وهو يقود سيارته المعبأة بأنواع مختلفة من الأسلحة.

أثار اعتقال المطران كبوتشي ضجة واسعة محلياً وعالمياً، وكانت الحكومة الإسرائيلية مضطرة للتعامل معه بطريقة مختلفة عن معاملتها للمعتقلين الآخرين من رجال المقاومة الفلسطينية. ومع أن قضية كبوتشي كانت قضية أمنية، حيث كانت المحاكم العسكرية هي التي تنظر في مثل هذه القضايا عادة، أبلغني خالي أن المطران سيمثل يوم الجمعة في 20 أيلول/سبتمبر 1974 أمام المحكمة المركزية الإسرائيلية في فرعها الجديد الذي تم افتتاحه في القدس الشرقية في مبنى كان في الماضي تابعاً لوزارة القضاء الأردنية في شارع صلاح الدين على مقربة من مكاتب جريدة "الفجر". وكانت السلطات الإسرائيلية استولت على المبنى بعد احتلال القسم الشرقي من المدينة عام 1967 وحولته إلى مقر للمحكمة المركزية، تماشياً مع سياسة الضمّ وتوحيد الشقين الغربي والشرقي لمدينة القدس. فكلفني رئيس التحرير بأن أحضر جلسة المحكمة وأن أحاول الحصول على تصريح صحافي خاص بجريدة "الفجر" من المطران كبوتشي. 

في الصباح وصلت إلى المحكمة فاستوقفني رجال الشرطة الذين كانوا يقفون عند المدخل واستفسروا عن سبب مجيئي إلى المحكمة، فأبرزت بطاقتي الصحافية وأبلغتُهم أنني جئت لتغطية محاكمة المطران كبوتشي. فرفضوا السماح لي بالدخول. وتحججوا بأن حضور محاكمة كبوتشي مقتصر، لأسباب أمنية، على الأشخاص الحاصلين على إذن خاص من الشرطة. فقلت لهم أنني صحافي ولست بحاجة لإذن خاص لحضور المحاكمة ولي الحق بحضور أي محاكمة متى شئت. فنشب جدل بيني وبينهم أصررت فيه على حقي في الدخول، فَعَلا صوتي وصوت الشرطيين اللذين هددا بتوقيفي بادعاء أنني أعرقل عملهما، وهي مخالفة يُعاقَب عليها مرتكبها وفقاً للقانون. 

لم تكن سيارة الشرطة التي جلبت المطران كبوتشي من السجن وصلت إلى المحكمة بعد، فيما كانت الردهة الأمامية للمحكمة تغص بالمهتمين من رجال دين مسيحيين ومسلمين وراهبات وأصدقاء للمطران كبوتشي ومعارفه عرباً وأجانب، وبرز بين الحضور مفتي القدس الشيخ سعد الدين العلمي والقاصد الرسولي، أي ممثل البابا والفاتيكان في القدس، وعدد من قناصل الدول الأوروبية، بالإضافة إلى عدد كبير من المصورين والصحافيين الأجانب والإسرائيليين الذين كانوا يزوروننا في مكاتب جريدة "الفجر"، بحثاً عن الأخبار والتعرف على الأجواء السياسية في الأراضي المحتلة، من ضمنهم الصحافي الإسرائيلي داني روبنشتاين الذي كان يعمل في حينه مراسلاً لصحيفة "دافار" لشؤون الأراضي المحتلة والذي تردد على مكاتب جريدة "الفجر"، مثل غيره من الصحافيين الإسرائيليين والأجانب، طمعاً بالحصول على أخبار، فانتبه الصحافيون إلى اعتراض الشرطيين لي عند المدخل، فجاءوا وتضامنوا معي واشتبكوا في جدل حام مع الشرطيين، مما لفتَ نظر الموجودين في الردهة. ولم يُسمح لي بالدخول إلى المحكمة، إلا بعد أن هدد روبنشتاين وصحافي آخر زميل له بامتناعهما عن الدخول إلى المحكمة ما لم يُسمح لي بالدخول. فتراجع الشرطيان وسمحا لي بالدخول إلى المحكمة. 

لم يدُم انتظارنا طويلاً حتى وصل المطران كبوتشي وبرفقته عدد من رجال الشرطة كانت رُتب بعضهم عالية. فوجئ ضباط الشرطة بأن الجمهور الكبير الذي كان في الردهة، هرعوا لاستقبال المطران والسلام عليه، فلم يتمكنوا من إدخال المطران مباشرة إلى قاعة المحكمة، ولم يعرفوا كيف يتصرفوا، وترددوا في التدخل ومنع الناس من السلام على كبوتشي. كان واضحاً أن تعليمات خاصة وُجهت إلى رجال الشرطة المرافقين للمطران من الجهات العليا بتوخي الحذر في التعامل معه، فوقفوا جانباً يراقبون ما يحدث، فيما تصرف كبوتشي كأنه في حفل استقبال في مكان عام لا في قاعة محكمة، فراح يعانق المستقبلين واحداً تلو الآخر في مشهد لا مثيل له، إلى أن وصل إلي فعانقني بحرارة وسألني عن أهلي وعن شفاعمرو فنقلت له تحياتهم وحمّلني سلامات حارة لهم جميعاً. فرغم الجلبة والصخب اللذين كانا يدوران في المكان، ظفرت في الحديث معه في الردهة لبضع دقائق. فقلت له أنني أريد منه حديثاً سريعاً كي أنشره في جريدة "الفجر"  فقال لي  "أكتب. في كل عمل لا بد من أكباش للمحرقة"، واستشهد بالمثل العربي القديم  "الحجر المدفون يكسر رأس المحراث" وقال  "الحجر ما زال مدفوناً والمحراث رأسه مكسور.."، وأضاف بعض عبارات أخرى بدت لي أشبه بموعظة دينية، فجأة تدخل رجال الشرطة المرافقين له وانقضّوا علي وعلى المطران، فأزاحوني جانباً وطلبوا منه الدخول حالاً إلى قاعة المحكمة. فانقطع الحديث وظننتُ أنه ستتاح لي الفرصة لاحقاً بعد انتهاء جلسة المحكمة من إكماله. لكن ما حصل أن جلسة المحكمة استغرقت وقتاً طويلاً، إذ تلا المدعي العام الإسرائيلي جبرئل باخ لائحة الاتهام، التي تضمّنت عدة تهم منها:

*  لقاء كبوتشي في بيروت مع الرجل الثاني في حركة فتح خليل الوزير، الملقب بأبو جهاد، ومساعده في القطاع الغربي ومسؤول العمليات العسكرية في منطقة القدس مصطفى عيسى اللفتاوي، الملقب بأبو فراس.

*  نَقْلُ كبوتشي أسلحة بسيارته من بيروت الى القدس ومن ضمنها صاروخي كاتيوشا مع أجهزة إطلاق.

*  استلام كبوتشي حقيبة معبأة بـ155 متفجراً أو صاعقاً ضبطْ بحوزته فسلّمها للمحققين.

*  نقل كبوتشي كمية إضافية من الأسلحة والمتفجرات في 21 تموز/يوليو1974 وألقي القبض عليه وهو يسوق سيارته المعباة بالأسلحة.

قبل أن يسأل القضاة كبوتشي عما إذا كان يعترف بالتهم الموجهة إليه، طلب وكيل الدفاع عنه المحامي عزيز شحادة من رام الله حق الكلام، فاعترض على انعقاد المحكمة في القدس الشرقية المحتلة وقال أنه لا توجد صلاحية للمحكمة للنظر في القضية، لأنه لا صلاحية لها أصلاً للانعقاد في القدس الشرقية التي هي مدينة محتلة منذ عام 1967، وفقاً للقانون الدولي، فثار جدل بين شحادة ورئيسة المحكمة القاضية مريم بن فورات، فأمرت بتأجيل الجلسة للبحث في طعن وكيل الدفاع والرد عليه إلى يوم الثلاثاء التالي الموافق 24 أيلول/سبتمبر، من دون أن تتمكن المحكمة من الاستماع إلى ردّ كبوتشي على لائحة الاتهام. فانفضّت الجلسة بسرعة، فتدخل رجال الشرطة وطلبوا من جمهور الحاضرين البقاء داخل قاعة المحكمة واقتادوا المطران على عجل إلى سيارة الشرطة التي كانت تنتظرهم خارج المحكمة، ولم يسمحوا لأحد بالاقتراب منه. فلم أتمكن من إتمام الحديث معه. وعندما خرجت من قاعة المحكمة شاهدت عراكاً بين الشرطة وجمهور من المواطنين الفلسطينيين الذين هرعوا إلى المكان لدى سماعهم خبر إحضار كبوتشي إلى المحكمة، وقامت الشرطة باعتقال عدد منهم.

في المساء ذهبت إلى العمل في جريدة "الفجر" فوجدت رئيس التحرير وباقي الزملاء بانتظاري متشوقين لسماع تفاصيل ما جرى في المحكمة وما إذا تمكنت من إجراء حديث مع المطران كبوتشي. فقصصت عليهم ما جرى لي في ذلك النهار من عراك مع الشرطة على مدخل المحكمة وعن خيبة أملي في إجراء مقابلة صحافية مع المطران والحصول منه على تصريحات خاصة بالجريدة، سوى بضع كلمات قالها لي وتمكنت من كتابتها قبل أن يتدخل رجال الشرطة ويُبعدوني عنه. فسألني رئيس التحرير عن الكلمات التي كتبتها، فأعدتها على مسمعه ومسمع الزملاء الآخرين الذين كانوا حاضرين. فتدخل الزميل عادل سمارة، قائلاً  "رويداً، رويداً، هذا تصريح خطير، إنني أجزم بأن كبوتشي أراد من خلاله توصيل رسالة معينة إلى الخارج". فقلت لعادل  "أستبعد أن تكون هناك أي رسالة في ما قاله المطران، وأرى أن كلامه أشبه بالمواعظ الدينية". فأصرّ سمارة على موقفه وأيده في ذلك رئيس التحرير محمد البطراوي، ومما أضفى على تفسيرهما لكلام كبوتشي نوعاً من المصداقية أن سمارة قضى أكثر من أربع سنوات في السجون الإسرائيلية، قبل التحاقه بالجريدة. 

أخذوا مني الكلمات القليلة التي قالها المطران كبوتشي لي، وفوجئت بها في اليوم التالي السبت 21 أيلول/سبتمبر 1974 منشورة في الصفحة الأولى في جريدة "الفجر" داخل إطار خاص تحت عنوان  "الحجر المدفون.. يكسر رأس المحراث"، وذلك ضمن القصة الرئيسة عن محاكمة كبوتشي التي ظهرت صباح اليوم التالي، كما يلي:

 

"الحجر المدفون.. يكسر رأس المحراث!

 

في حديث خاص جرى في قاعة المحكمة بين مندوب "الفجر" وسيادة المطران كبوتشي، قال سيادته:

"أردت في أعمالي أن أجمع لا أن أفرّق، أن أقرّب لا أن أبَعِّد. وفي كل عمل لا بد من أكباش للمحرقة.

لقد قال العرب أن الحجر المدفون يكسر رأس المحراث والحجر ما زال مدفوناً والمحراث رأسه مكسوراً، والأرض لم تُفلح بعد ولم تأت إلا بالشوك. وما أردته هو إخراج الحجارة المدفونة كي أحرث الأرض لتخضّر وتثمر ثماراً صالحة وتجلب السلام والأخوة والمحبة للبشر.

وبعملي أصبحت شمعة تحترق لتضيء الطريق إلى الآخرين".

أثارت التقارير الإعلامية التي نشرت عقب الجلسة الأولى من محاكمة كبوتشي اهتماماً واسعاً في الرأي العام الفلسطيني، وانتشر خبر انعقاد الجلسة التالية يوم الثلاثاء 24 أيلول/سبتمبر 1974، ففي صباح ذلك اليوم تدفق جمهور كبير من أبناء الضفة الغربية على مبنى المحكمة ليفاجأوا بإجراءات أمنية مشددة في المكان، حيث أقيمت الحواجز في شارع صلاح الدين والطرق المؤدية إلى المحكمة التي أغلقت كلياً ومُنع المارة من الدخول إليها، وانتشر رجال الجيش والشرطة المسلحين فوق مبنى المحكمة والأبنية المجاورة، ولم يُسمح إلا لعدد قليل من الناس بالدخول إلى المحكمة. ومنعاً لتكرار ما حصل في الجلسة الأولى وإقبال الناس للسلام على كبوتشي والتضامن معه، جرى إدخاله إلى قاعة المحكمة مباشرة. مع ذلك تجمهر المواطنون في محيط المحكمة، فحاولت الشرطة عبثاً تفريقهم.

رفضت المحكمة الطعن في صلاحيتها للانعقاد في القدس الشرقية واعتبرت أن قرار البرلمان الإسرائيلي بضم القدس الشرقية إلى إسرائيل عام 1967 مُلزم لها أكثر من القانون الدولي وواصلت النظر في القضية، حيث طـُلب من كبوتشي أن يرد على لائحة الاتهام، فقال  "أنا لست مذنباً" وأنكر كل نقطة جاءت في لائحة الاتهام وقال أنه بريء وأصرّ على عدم وجود صلاحية لدى المحكمة لمحاكمته، وطالب بإجراء محاكمة كنسية له.

أثناء انعقاد المحكمة تدفقت أعداد إضافية من المواطنين الذين تجمهروا أمام حواجز الشرطة فوصلت تعزيزات إضافية من رجال الشرطة والجيش إلى محيط المحكمة، وعندما أخرج رجال الشرطة كبوتشي على عجل من قاعة المحكمة وأدخلوه إلى السيارة التي كانت تنتظر في الخارج هاجت الجماهير المحتشدة وبدأت تلوّح له وتهتف بحياته، فانقضّ عليهم رجال الشرطة بالهراوات وطاردوهم واعتقلوا مجموعة منهم، فاحتمى عدد منهم في مكاتب جريدة "الفجر" والمكاتب والمؤسسات القريبة. 

ولمنع الفلسطينيين من حضور محاكمة المطران كبوتشي أو التجمهر خارج قاعة المحكمة لإلقاء التحية عليه، نُقل كبوتشي لاحقاً إلى سجن الرملة وتواصل انعقاد جلسات محاكمته خلال الشهرين التاليين في قاعة محكمة تابعة للسجن، بعيداً عن الإعلام وتحسباً لتظاهر المواطنين الفلسطينيين تضامناً معه. وفي 10 كانون الأول/ديسمبر 1974 صدر ضده حكم بالسجن لمدة 12 عاماً، قضى أربعاً منهاً في السجن، فيما أمضت إسرائيل هذه المدة وهي تحاول ابتزاز الفاتيكان، الذي لم يكن يعترف بإسرائيل بعد، بهدف الحصول على اعتراف بها منه أو تنازلات أخرى بشأن أطماعها التوسعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو حتى الحصول من الفاتيكان على تنديد بالعمل الذي قام به كبوتشي، فلم تفلح، وأصدر القاصد الرسولي في القدس بياناً عقب الحكم بالسجن على كبوتشي أعرب فيه عن أسفه وحزنه للقرار، مما لاقى صدى واسعاً واستحساناً لدى الفلسطينيين، وأذكر أن خالي أبونا حنا حداد اتصل بي بعد أسبوع من صدور الحكم وطلب مني نشر بيان من الكرسي البطريركي المقدسي للروم الملكيين الكاثوليك في جريدة "الفجر" يشكر فيه القاصد الرسولي على موقفه ومساندته لكبوتشي في محنته. 

لم تحتمل الحكومة الإسرائيلية الضغوط العالمية التي تعرّضت لها بسبب سجنها لكبوتشي، الذي بدوره قضّ مضاجع المسؤولين الإسرائيليين طوال فترة سجنه بإضرابه المتكرر عن الطعام وتصريحاته المثيرة، التي كان يهرّبها إلى الصحف المحلية، تأييداً لنضال الشعب الفلسيطيني، فاضطرت السلطات الإسرائيلية التوصل إلى اتفاق مع الفاتيكان للإفراج عنه بشرط أن يقضي باقي عمره في حاضرة الفاتيكان في روما، لكنه لم يمكث في الفاتيكان طويلاً، فانتقل إلى وطنه سورية، حيث ما زال يقيم فيها وبقي ناشطاً سياسياً إلى الآن.

أصيب خالي أبونا حنا بغمّ شديد جراء ما حدث لكبوتشي، وكان ما يزال متأثراً لما حدث لصديقه يوسف ريّا، مطران حيفا وعكا والناصرة وسائر الجليل، الذي اضطر لتقديم استقالته من منصبه في 13 أيلول/سبتمبر 1974 نتيجة للضغوط الشديدة التي تعرّض لها ريّا، خاصة من جانب رئيسه البطريرك مكسيموس حكيم الذي كان خطه السياسي متناغماً مع الإسرائيليين، فغادر المطران ريّا حيفا إلى الولايات المتحدة في 20 أيلول/سبتمبر 1974، أي عشية بدء محاكمة كبوتشي. وشعر خالي أنه غير قادر على مواصلة نشاطه وتأدية الرسالة التي حملها لفترة أطول في ظل الاحتلال الإسرائيلي. فما أن صدر الحكم بالسجن على رئيسه المطران كبوتشي، حتى قدّم استقالته من منصبه وأبلغنا أنه عزم العودة إلى لبنان. فجاء إلى شفاعمرو وقضى بضعة أيام فيها مع عائلتي كنت موجوداً معهم في القسم الأخير منها، وجاء لوداعه الكثيرون من أبناء شفاعمرو الذين حمّلوه رسائل عديدة إلى ذويهم اللاجئين في لبنان والأقطار العربية الأخرى. غادر أبونا حنا إلى لبنان من معبر رأس الناقورة الذي دخل منه عام 1968، فوقفت مع أهلي عند مدخل المعبر المرتفع فوق سطح البحر لوداعه إلى أن جاءت سيارة تحمل علم الأمم المتحدة تابعة للمراقبين الدوليين على الحدود بين لبنان وإسرائيل، فنقلته إلى الجانب اللبناني من المعبر. فبقيت هناك برهة وأنا أتأمل هذا العالم العجيب، وتذكرت المطران كبوتشي القابع في السجن، وكيف كان هو الآخر يمرّ من هذا المعبر بسيارته، فيفتح له الجنود الإسرائيليون الحواجز ويؤدون له التحية.

وصل أبونا حنا إلى بيروت في  شباط/فبراير 1975، قبل فترة وجيزة من نشوب الحرب الأهلية في لبنان، التي سبقتها مناوشات وصدامات مسلحة متقطعة بين الأطراف المتصارعة هناك، فكانت الأجواء السياسية في البلد مكفهرة ساد فيها توتر شديد. فازددنا قلقاً على خالي، بسبب القتال والأوضاع الصعبة هناك. وزاد من قلقنا وصول نبأ حملته لنا مع رسالة منه راهبة وصلت إلى حيفا من لبنان، حيث أخبرتنا أن مسلحين فلسطينيين أوقفوا أبونا حنا لبضعة أيام ثم أطلقوا سراحه. فتبيّن لاحقاً أنه في الأيام الأولى بعد وصوله إلى بيروت توجه أبونا حنا لزيارة إبن أخته أديب رزق المقيم مع عائلته في أحد أحياء بيروت، فأوقفه مسلحون عند أحد الحواجز في المدينة وفتّشوه، فعثروا معه على قطع عملة معدنية إسرائيلية كانت متبقية في محفظته. فساورتْهم شكوك بأن لأبونا حنا علاقة مع إسرائيل، فشرح لهم أنه عاد لتوه من القدس المحتلة وأنه كان يعمل هناك نائباً للمطران كبوتشي، فلم يقتنعوا وقرروا توقيفه. وظل موقوفاً إلى أن تدخل ياسر عرفات، القائد الأعلى للثورة الفلسطينية، الذي أمر المجموعة بإطلاق سراح أبونا حنا في الحال وتقديم اعتذار رسمي له على ما حصل. 

لاحقاً تم تعيين أبون حنا كاهناً لرعية الروم الكاثوليك الملكيين في بيروت الغربية في كنيسة الروم الكاثوليك الملكيين في شارع إده، التي كان يرتادها غالبية أفراد الرعية من اللاجئين الفلسطينيين، ومن ضمنهم نشطاء في حركة المقاومة الفلسطينية. وأقام أبونا حنا في المنزل المخصص لكاهن الرعية (الأنطش) التابع لهذه الكنيسة في شارع إده والتي بالإضافة إلى المنزل كانت تحتوي على مكتب خاص بخوري الرعية ومرآب كبير للسيارات وساحة واسعة تحوّلت تدريجياً إلى مكان للمهرجانات السياسية التي كانت تقيمها الحركة الوطنية اللبنانية وحركة المقاومة الفلسطينية في بيروت الغربية، الأمر الذي دفع حركة الكتائب اللبنانية بقيادة بيير الجميل وابنه بشير إلى تفجير الكنيسة وهدمها. وقضى أبونا حنا سنين طويلة وهو يجمع التبرعات لإعادة بناء الكنيسة وبناء مقر لعمله بدل المبنى المدمر".

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب