news-details
ملحق الجمعة

ملاحظات بلاغيّة في مؤلَّفي بروفسور عمر عتيق: علم البلاغة بين الأصالة والمعاصرة ومعجم مصطلحات علم البلاغة

البلاغة هي التّعبير عن المعنى الجميل بألفاظٍ حسنةٍ وتركيبٍ جميلٍ، هي الوسيلة الفنّيّة التي يستخدمها المبدع للتَّعبير عن كُنه ما يدور في عقله وما يسكن في قلبه، فيُحمِّل المعنى ألفاظًا وصورًا مغلّفةً بإحساسه وخياله، تحمل المتعة إلى المتلقّي، تؤثِّر في نفسه وتثير مشاعره. لا تقتصر أهميّة البلاغة على الجانب الجماليّ في الأدب العربيّ فحسب، إنَّما تُساهم دراسة البلاغة على فهم النُّصوص الأدبيّة بشكلٍ أعمقَ كما أنَّها تُنمِّي ذائقيّة المتلقّي.

     لقد كانت الدّراسات والملاحظات الانتّقاديّة والبلاغيّة التي خطَّها رجال الأدب واللّغة البذرة الأولى في تطوّر البلاغة والنَّقد الأدبيّ. كما شكّل القرآن الكريم حافزًا دفع رجال الأدب واللّغة والنَّحو إلى الاهتمام بالبحث البلاغيّ كوجهٍ من وجوه الإعجاز القرآني.

     امتازت الدّراسات البلاغيّة القديمة، حتى القرن السّادس للهجرة/ الثّاني عشر ميلادي، باعتمادها على الذّوق والتّحليل الأدبيّ. ثمّ تحوّلت بعد ذلك إلى قواعدَ جافّةٍ، حيث طَغَتْ على تلك الفترة الشّروح والتّلخيصات، والتفكير المنطقي، وهكذا استقرّت حتى يومنا هذا. الأمر الذي دفع العديد من الدّارسين إلى تبنّي نظريّات حديثة، عُرفت بالبلاغة المعاصرة.

     قدّم بروفسور عمر عتيق في كتابه علم البلاغة بين الأصالة والمعاصَرة، استعراضًا للبلاغة في التراث العربي، كما التفَتَ إلى بعض القضايا المعاصرة. لقد جاء الكتاب في خمسة فصولٍ؛ خصّص الفصل الأوّل للتراث البلاغيّ العربيّ، حيث وقف عند أبرز القضايا البلاغيّة من خلال التطرّق إلى أهم المؤلَّفات البلاغيّة وفقَ الترتيب الزمنيّ للمؤلّفين، ابتداءً من أبي عبيدة مَعْمَر بن المُثنَّى، الجاحظ، مرورًا بابن طَباطَبا، العسكري، عبد القاهر الجرجاني حتى ابن الأثير.

ثم جعل الفصول الثّلاثة اللاحقة لعلوم البلاغة: البيان، المعاني والبديع، على الترتيب. وخصَّ الفصل الخامس بالأسلوبيّة.

     أمّا المنهج الذي استخدمه فكان استعراضيًّا، يمنح القارئ مجالا للمقارنة والنّظر في تطوّر بعض القضايا. 

     أراد المؤلِّف في كتابه هذا أن يجمع بين الأصالة والمعاصرة وذلك من خلال التعرّض إلى التراث البلاغي وعرض الرؤية المعاصرة لمعظم الموضوعات (ص 11، 363). إلا أنّنا نلحظ سيطرة الرؤية التأصيليّة، إذ تطرّق إلى الوسائل البلاغيّة كما جاءت في التراث البلاغيّ العربيّ، أمّا الرؤية المعاصرة للدّرس البلاغي فقد خصَّ بها الاستعارة والأسلوبيّة (وليس في معظم الموضوعات كما ذكر ص 363)، ولم نجد لها حضورًا في الموضوعات الأخرى.

تجدر الإشارة إلى أنَّ الرؤية المعاصرة ما هي إلا مسميّات حديثة لظواهرَ موجودة في التراث البلاغيّ القديم، فيما يلي توضيح ذلك:

  1. تناول المؤلّفُ التشبيه في الدّرس البلاغي ثمَّ توقّف عند التشبيه الدائري (ص 95-97)، وقدّم بعض التسميّات الحديثة لهذا النوع من التشبيه تحديدًا. كما صرّح في خاتمة الكتاب بأنّه عرض "أغراض التشبيه التي تداولها الدّرس البلاغي التراثي والمعاصر" (ص 365). إلا أنَّ أغراض التشبيه المطروحة هي الأغراض ذاتها التي وضعها التراث البلاغي العربيّ ص (98-100).

  2. حظيت الاستعارة باهتمامٍ خاصٍّ، فتعرّض لها كما جاءت في التراث البلاغي القديم، وذكر منها: المكنيّة، التصريحيّة، الـمُرَشَّحَة، المجرّدة، المُطلقة، الأصلية، التبعيّة والاستعارة التمثيليّة (102- 113). ثمَّ خصّص قسمًا تناول فيه الاستعارة في الدّرس البلاغي المعاصر، وقد جعلها في خمسة أنواع: الاستعارة التّماثليّة، التجسيديّة، التشخيصيّة، التجسيميّة والعنقوديّة (113- 130).

وفي الحقيقة ما هذه الأنواع إلا مسميّات وفروع تقع في ظلّ الدّرس البلاغي الاستعاريّ. فالاستعارة التماثليّة "وهي الاستعارة التي يكون طرفاها حسّيّين" (ص 11، 113)؛ يطابقها في التراث البلاغي: استعارة محسوسٍ لمحسوس ويكون الجامعُ إمَّا حسيًّا أو عقليًّا أو مختلطًا.  

أمّا بالنسبة للأنواع الأخرى: التجسيديّة، التشخيصيّة والتجسيميّة، فهي مألوفة في التراث البلاغي، إذ تقوم العديد من الصّور الاستعاريّة على التجسيد، التجسيم أو التشخيص، وقد أشار الجرجانيّ إلى ذلك في مؤلَّفَيه: أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، وجاء ذِكر ذلك في الكِتاب كذلك.

     وكذا الأمر بالنسبة للاستعارة العنقوديّة (التي "يعمد الشاعر فيها إلى خلق بناء استعاريّ مركّب"، ص 129)، وهي في التراث البلاغي العربيّ جَمْعُ أكثر من استعارة في البيت الشّعريّ الواحد، وقد اعتبره الجرجاني من شرف الاستعارة (ص 129).

     وعليه، إنَّ البذرة الأولى لهذه الأنواع المعاصرة موجودةٌ في التراث البلاغي العربي وقد ألبسها الدّرس البلاغي المعاصر مسميّات حديثة.

     أمّا الأسلوبيّة التي اختّصّ بها الفصل الأخير كوجهٍ معاصرٍ للبلاغة، فهي منهج نقديّ اعتمدته بعض الدّراسات البلاغيّة الحديثة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ التراث البلاغي العربيّ لا يخلو من المقولات الأسلوبيّة، وقد تطرّق المؤلّف إلى ذلك في كتابه (ص 312- 316).

لقد علّل بعض الدّارسين لجوءهم إلى الأسلوبيّة بسبب قصور البلاغة العربيّة. أمّا سبب هذا القصور، كما جاء في الكِتاب، فنوجزه بما يلي:

  1. أشار بعض النّقّاد أنَّ "البلاغيين القدماء لم يربطوا بين القضايا البلاغيّة والسيّاق النفسي والاجتماعي للنّصّ الأدبي، وقد أتاح هذا القصور للأسلوبيّة الحديثة أن تكون وريثة شرعيّة للبلاغة القديمة" (ص 310).

والكلام ليس دقيقًا، فالمؤلّفات البلاغيّة القديمة لا تخلو من الجانب النفسيّ، وكان الجاحظ من أوائل النّقاد العرب الذين تنبَّهوا إلى صلة الشِّعر بالنَّفْس.

  1. يرى بروفسور عمر عتيق بأنَّ التراث البلاغي لم يعدّ "قادرًا على الوفاء بما يقتضيه تحليل النّصّ الأدبيّ، إذ لم يعد قادرًا على الكشف عن البنية العميقة للنصّ، وربط النّصّ بالسّياق، وذلك أنَّ جلّ البلاغيين القدماء وقفوا على ظاهر النصّ ولم يسبروا غوره، واهتموا غالبًا باللّفظ المفرد، أو بالجملة الواحدة في مختلف القضايا البلاغيّة" (ص 306). وأضاف أنّه بخلاف البلاغة القديمة، تسعى الأسلوبيّة إلى الكشف عن المعنى الكليّ للنّصّ من خلال دراسة الظواهر الأسلوبيّة (ص 307).

     وفي هذا التصريح إشكاليّة؛ إذ تنبّه عبد القاهر الجرجانيّ إلى مسألة الأسلوب، وعلاقتها بالمسائل اللُّغوية المختلفة، كونها ضربًا من النَّظم. والنَّظم عنده ضربٌ من التَّأليف، وبهذا يكون الأسلوب مرتبطًا بالمعنى لا باللَّفظ.

لقد كان الجرجاني أول مَن استخدم لفظة "الأسلوب" استخدامًا دقيقًا. واعتبره البعض رائد الأسلوبيّة في البيان العربي، كما أشاروا إلى الجذور الأسلوبيّة في مؤلَّفه دلائل الإعجاز، حيث تناول عدة مشكلاتٍ أدبيّةٍ وبيانيّةٍ ونقديّةٍ كانت شائعةً في عصره، فتطرَّق إلى عنصر المعنى في النّصّ الأدبي وأهميّته، كما تطرَّق إلى اللّفظ وأهميّته في الأداء والتّعبير البياني. إضافة إلى نظرية النَّظم.

     إنَّ ما وضعه النّقاد والباحثون ضمن قصور البلاغة العربيّة يعود إلى الحال الذي استقرَّت عليه البلاغة العربيّة. فكما سبق وذكرنا، لم تكن البلاغة قائمةً على التّعريفات إنّما كانت بلاغة تطبيقيَّة تعتمد النّصوص الأدبيّة، فكانوا يتذوَّقون الجمال ويتخيَّرون ما يُستحسَن منه ويستبعدون ما يُستَهجن. كانت البلاغة تعتمد على الذَّوق الأدبيّ الذي انحلّ بعد القرن السّادس للهجرة، ليحلَّ محلَّه التَّذوّق العقليّ الذي يعتمد على الأحكام والتَّعريفات. 

     كذلك، تفتقر المؤلَّفات البلاغيّة العربيّة إلى دراسات بلاغيّةٍ تطبيقيّةٍ، الأمر الذي دفع البعض إلى تبنّي نظريّات حديثة للدّرس البلاغي. ولعلّه من الأجدر الدّمج بين النظريّات المختلفة والسّعي نحو منهجٍ متكاملٍ.

     للمؤلِّف كتاب آخر في البلاغة: معجم مصطلحات علم البلاغة، وهو مرجع هامّ، رصد فيه المصطلحات البلاغيّة، رتّبها ترتيبًا هجائيًّا (ألفبائيًّا)، وقدّم لها تعريفًا كما جاء في المصادر المختلفة مع ذكر الأمثلة، وجاء ذلك بشكلٍ مبسَّطٍ وسهلٍ. ثمَّ ألحقه بثلاثة ملاحقَ: خصّص الأوّل لذكر الفروق الدّقيقة بين عددٍ من المصطلحات، نحو: التمثيل والإرداف، التهكّم والهجاء، الكناية والتعريض؛ أمّا الملحق الثاني فخصّصه لتعدّد المصطلح في التراث البلاغي؛ وجعل الملحق الأخير في تعدّد مفهوم المصطلح الواحد. تعتبر هذه الملاحق إضافة للمعاجم البلاغيّة السّائدة.

     إنَّ المعجم البلاغيّ هذا عملٌ هامّ، يكشف المتلقي على تاريخ المصطلح البلاغيّ ويحمل عدة إشكاليّات في البلاغة العربيّة، كما أنّه يتيح للقارئ إمكانية التساؤل والنقاش.

ونحن نسأل: هل بالفعل الطباق، التكافؤ والتضادّ، كلّها مسميّات متعدّدة للفنّ البلاغيّ الواحد: الطباق؟

إنَّ هذه المصطلحات المذكورة تقوم على الجمع بين ضدّين، فما كان بألفاظ الحقيقة سميّ بالطباق نحو بكى الطّفل وضحك؛ وما جاء بألفاظ المجاز فهو تكافؤ، شرط أن تكون الأضداد لموصوف واحد، نحو قوله: "أو مَن كان ميْتًا فأحييناه"، والموت والحياة هنا من باب المجاز، المقصود من كان ضالا فهدَيْناه.

     فهل دمج بروفسور عمر عتيق بين هذه المسميّات، رغم الخطوط الفاصلة بينها، ليقلِّص من عدد الأنواع البلاغيّة التي تقع تحت فنّ التَّضادّ أم ليفضّ خلاف البلاغيين القدماء؟!

وأخيرًا أقول: إنَّ هذه المؤلَّفات النّقديّة البلاغيّة مؤلّفات هامّة، تُغني معرفتنا التعليميّة، تزيد حصيلتنا المعرفيّة وتثري مكتبتنا العربيّة.

إنَّ الدّرس البلاغيّ بدوائره المتداخلة ليس سهلاً، وقد قيل: البلاغة ميدانٌ لا يُقطع إلا بسوابق الأذهان، ولا يُسلك إلا ببصائر البيان.

 (حيفا)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب