news-details
ملحق الجمعة

ملاحظات عن الانتفاضة في لبنان

من المثير للاهتمام، والانتفاضة اللبنانية تدخل اسبوعها الثالث، كيف أنك تستطيع أن تتعلم عن السُلطة في أوقات اختلال النظام العام، حينما تفقد السلطة قدرتها على الضبط، أكثر من أي وقت آخر تكون فيه السُلطة تمارس آليتها الطبيعية في الضبط والسيطرة. وأظهر ما جرى في الأسابيع الأخيرة منذ انطلاق الجماهير اللبنانية الى الشوارع في تفجر عارم ضد الوضع الاقتصادي الذي آلت اليه البلاد، أن التغيير، أفق الاحتجاج ، المسار الثوري والمعركة ضد السُلطة في لبنان معقدة ومركبة بقدر ما أن السُلطة ذاتها في لبنان والطبقة التي تحكمها مُركبة ومعقدة على عدة مستويات. ويكمن تعقيدها في أنها متعددة الأقطاب المتناحرة، لكل قطب مشروعه السياسي وكتلته الطائفية وبنيته الايدلوجية واصطفافه الاقليمي وموقعه المُختلف من صراع اقليمي أكبر بكثير من رقعة لبنان الصغيرة. الا أن هذه الاقطاب جميعًا تشترك بقدرٍ او بآخر في مصلحة ابقاء هذا النظام الانتخابي/السياسي والاجتماعي/الاقتصادي الذي يسمح لأباطرة المال والمصارف والشركات الكبرى وأمراء الطوائف والناهب الدولي بنهب وافقار الطبقات المسحوقة من الشعب اللبناني.

تحت هذا النظام وهذا النوع من السُلطة فإن اللبناني المسحوق حين يولد لطائفة مُعينة وفي منطقة معينة، يُبتلع قسرًا في مشروع سياسي ما وسردية معينة عن تاريخ لبنان وعن الحرب الاهلية وفي بنية ايدلوجية طائفية كاملة، وتحت اصطفاف اقليمي معين، تموه وتشوه جميعها اصطفافه الطبقي الحقيقي. هذا الشكل من النظام صلب فعلًا، أصلب من أي نظام بوليسي او عسكري عربي تكون فيه الطبقة الحاكمة متجانسة ومتآلفة بالحد الأدنى. الشارع قادر على خلق تلك اللحظة الثورية الاستثنائية التي تُهشم الحواجز الطائفية والايدلوجية المموهة المفروضة في الكانتونات، تلك اللحظة التي تعيد الناس الى اصطفافهم الطبقي الحقيقي حيث يشعرون بذات الوجع وذات الظلم وانهم في ذات المعركة يلمسون المشترك الحقيقي العابر للطائفة والحزب والسردية الايدلوجية المشوهة. يلمسون القدرة الجماعية على صُنع التغيير. الا انه وبالذات تحت سُلطة معقدة كهذه تغدو العفوية وعدم التنظيم، أي خلق شكل تنظيمي يؤطر الحراك ويفرز برنامجه وقيادته، أمرا يحول دون استكمال هذه اللحظة الاستثنائية ويهشمها ويسمح بإعادة سَوق الناس الى كانتوناتهم الطائفية. وهذا ما جرى وما يجري بشكل واضح في الشارع.

تزداد في شوارع الانتفاضة اللبنانية الوجوه الفاسدة والكالحة والمنفرة والمرتبطة بالفساد وبالطبقة الفاسدة ومن النُخب المخملية البالية، والاعلامية التي غسلت الفاسدين على مدى سنوات. إن ثورة حقيقية كانت لتنفر هؤلاء وترعبهم وتحملهم على الاختباء في البيوت أو الهروب بأموالهم الى الخارج لا أن تستقطبهم وتسمح لبعضهم بالكلام باسمها !

لا ثورة في لبنان، الحراك والانتفاضة اللبنانية قاصران بسبب عوامل ذاتية وموضوعية من أن يتحولا الى ثورة حقيقية، أي أن يتحقق انقلاب حقيقي في الأسس السياسية والاقتصادية الاجتماعية للنظام. الوهج الثوري يخفت والأعداد تتناقص، خاصة أعداد أولئك المسحوقين الأكثر تضررًا من النظام القائم، أو على الأقل هناك عدم مقدرة على استقطاب المزيد منهم الى الشوارع. الناس المنتفضون في الشوارع الآن ليسوا كتلة واحدة متجانسة طبقيًا ولهم نفس المطالب والتصورات بالحد الأدنى ، بل عدة كُتل بشرية لكل منها طبيعتها المختلفة ولكل منها تصورها المُختلف عن "الثورة" وعن "السُلطة" التي تثور عليها. اللحظة الاستثنائية التي خُلقت في البداية حيث تهشمت التمترسات الحزبية والمناطقية والطائفية المموهة أمام التمترس الطبقي الحقيقي تم تحطيمها نسبيًا، لا بواسطة القبضة الأمنية للسلطة بل بواسطة تصدير التناحرات السلطوية متعددة الأقطاب الى الانتفاضة. مع أن هذه اللحظة قامت بعمل شرخ في بنية المنظومة وخلقت مساحتها الخاصة التي يُمكن البناء عليها والعودة اليها في ظروف أنضج.
شهدت الانتفاضة بعد أول يومين لها تطورات وأخذت اشكالاً مضرة أدت الى اقتتال ومواجهة لا بين السُلطة والمحتجين كما ينبغي أن يكون، بل بين مواطنين ينتمون في أغلبهم الى الطبقات المسحوقة وبين متظاهرين، والى انقسام حقيقي لا تُلام السُلطة عليه، فهذا دور السُلطة الطبيعي: تأجيج الانقسامات الفرعية والمموهة بين الناس للقضاء على حراكها وإعادتهم الى تمترساتهم الطائفية والحزبية والمناطقية. المُلام الأساس هو غزو تفاهات الطبقة البرجوازية ونشطائها للانتفاضة وتحويلها لهذا الشكل الكرنڤالي ثُم النخبوي المُنفر للطبقات المسحوقة - المتضرر الأكبر من النظام..

هناك رفض وتخريب مُمنهج لأية محاولة لتأطير الحراك وتنظيمه ليفرز شبكته التنظيمية المستقلة وقيادته الذاتية، لأن الانتهازيين معنيين بأن يبقى الحراك على فوضويته وعفويته الحالية وعلى عدم وضوح مطالبه وضبابيتها حتى يسهل لهم الكلام باسمه واستغلاله لمشاريعهم وتصفية حسابتهم السياسية. الاصرار على التأطير والتنظيم هو المخرج الوحيد لسد الطريق على كُل انتهازي وللصمود أمام السُلطة وصد محاولات تصدير تناحراتها الى الشارع، ومحاولة اقتناص ما يُمكن اقتناصه من هذه السُلطة الحاكمة، وتحقيق أكبر شرخ ممكن في بنيتها للمراكمة عليه مستقبلًا هو الطريق الأسلم اليوم.

الناس لا يعرفون ماذا يريدون، من يقول لك ذلك فهو إما شعبوي أو ساذج أو انتهازي- الناس يعرفون ما يؤلمهم ، يعرفون أوجاعهم، لكنهم لا يستطيعون ايجاد الطريق دون طليعة ثورية واعية تنظمهم وترشدهم وتلتحم معهم في آن. واذا لم ترشدهم هذه الطليعة المنبثقة عنهم ومن صلب آلامهم الى ما تريد، سيرشدهم أي انتهازي لديه التنظيم والمال والاعلام والسُلطة الى ما يريد هو.

هذا الشكل الفوضوي والفضفاض للحراك هو ما سمح لأمثال سمير جعجع ووليد جنبلاط وفؤاد السنيروة ونجيب ميقاتي وفاسدي 14 اذار وعملاء السعودية على اشكالهم وعملاء السفارات الغربية على انواعهم، بأن يتكلموا باسم الجماهير المنتفضة ويوظفوا الحراك من أجل حساباتهم السياسية. وهذا ما سمح لمحاولات بث ايديولوجيا مزيفة تستهدف بالأساس سلاح المقاومة، بالتسلسل الى الحراك، خطاب قديم يعاد استحداثه يحاول تحميل سلاح المقاومة، مقاومة اسرائيل والهيمنة الامريكية، وزر الحالة الاقتصادية. مع أن الحقيقة هي أن المرتمين في حضن المشاريع الأمريكية والسعودية هم من باع البلد على رؤوس الأشهاد للشركات الكبرى والمسثمرين والبنك الدولي. وليصل العبث الى ذروته، يستقيل سعد الحريري من رئاسة الحكومة مدعيًا الاستجابة لمطالب الناس، وهو الذي لا يتحرك خطوة واحدة دون أمر اسياده في نظام السعودية، وليروج له من بعض متسلقي الحراك ومن نصبوا انفسهم كناطقين باسمه على انه البطل الوحيد والمنحاز الى نبض الشارع. وليعاد طرح اسمه بالطبع ليحصل على تفويض تشكيل الحكومة الجديدة دون نبذ واضح من جهة الحراك لهذه الفكرة. والحقيقة هي أنه ليس هناك رجل واحد في السياسية اللبنانية يمكنه تحميل ما وصل اليه لبنان من تردي اقتصادي وسياسي مثل سعد الحريري وميراث الحريرية السياسية التي حكمت المنظومة الاقتصادية للبلد منذ اتفاق الطائف.
الا أنه وسط كل هذا العبث هناك مجموعة داخل الحراك من شيوعيين ويساريين ومن جمهور المقاومة ايضًا حاولوا منذ البداية تصويب الحراك الى هدفه الحقيقي، وجرّه الى المكان الذي يُرعب السلطة والانتهازيين داخله: الى المصرف المركزي وحاكمه رياض سلامة المحمي امريكياً وهندساته المالية النهبوية، كهدف تتقاطع في شخصه وسياسته الطبقة السياسة الحاكمة وحيتان المال وسطوة صندوق النقد والبنك الدولي والنهّاب الدولي، حاملين منذ البداية شعار "يسقط حكم المصرف". قوى الأمن التي لم تتدخل بقوة ملحوظة مع أي تجمع منذ بداية الانتفاضة، فقط ‏حينما حاولت مجموعة من الشباب الشيوعي الاعتصام سلمياً داخل جمعية المصارف اعتقلتهم فوراً وبالقوة بغياب أية تغطية اعلامية من إعلام رجال الأعمال. لأن هذا ما يرعبهم أكثر من أي شيء آخر: توجيه الانتفاضة نحو الاصطفاف الطبقي الحقيقي. ويمكن الملاحظة أنه في اليومين الأخيرين بالذات هناك إعادة لتوجيه الانتفاضة نحو هذا الاصطفاف بالذات، وتصاعد لوتيرة الهجوم على سلطة رأس المال وممثليها وعودة للغة الطبقية الى الواجهة ولو بخجل، وعلى ذلك يجب البناء وعلى هذا الأساس يجب تنظيم الحراك، لان فقط حينما يعلو صوت "الحقد الطبقي" وينتظم، سنرى كل أولئك الانتهازيين الذي يحاولون تسلق الحراك يفرون هلعًا الى مكانهم الطبيعي، الى الخندق المقابل المعادي للانتفاضة.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب