ذات مرة استدعاني والدي من المدرسة وكنت حينها ابن 8 سنوات، ذهبت لمقابلته فوجدته جالسًا تحت شجرة في البستان وخلال الجلسة معه أوصاني بان ادير بالي على أمي واخوتي وبكى بكاء شديدًا وأبلغني بانه سيسافر الى لبنان على نفقة الهيئة العربية العليا.
بعد ان قُسم العالم العربي على يد مندوبي فرنسا وبريطانيا تحت اسم "سايكس بيكو" ووضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني لمدة 30 عامًا تحضيرًا لزرع دولة اليهود في قلب العالم العربي والعمل على إقامتها بمساعدة بريطانيا من خلال حماية ومساعدة المستوطنات القائمة من قبل وتسليحها وإقامة مراكز للبوليس البريطاني، اسميا وهي فعليًا لعناصر يهودية هدفها حماية المستوطنين. وبدأ العمل لتسهيل عملية الاستيلاء على الأرض العربية من خلال الشراء من الاقطاعيين الفلسطينيين ومن بعض الفلاحين البسطاء عن طريق الاغراء بالسعر العالي والعمل على تصعيد المنافسة مع الزراعة العربية وخصوصًا الحمضيات الى جانب مقاطعة المنتجات العربية اذ اقتصرت مشترياتهم على القليل من المنتجات غير المتوفرة لدى اليهود وكان يبيعون للعرب ما امكنهم بهدف ازدهار اقتصادهم على حساب الاقتصاد العربي مما دفع بثوار الأرض للاحتجاج الشديد، فأضربت فلسطين مدة ستة أشهر واندلعت الثورة في سنة 1936 من القرن الماضي لمدة ثلاث سنوات فكان لها التأثير على مشاريع بريطانيا والحركة الصهيونية كون كل الشعب انخرط في الإضراب والثورة، واذكر كيف كان يحضر المسلحون ليلا من القرى المجاورة وخصوصًا من الاخوة الدروز الموحدين.
وسعيًا من بريطانيا للحد من تأثير الثورة على مخططها مع الحركة الصهيونية كانت بريطانيا تحاول طمأنة الزعماء التقليديين من الفلسطينيين الذين كانون يسافرون الى بريطانية وهناك يتلقون الوعود تلو الوعود بوقف الهجرة اليهودية وعدم التحيز للحركة الصهيونية. وعود فقط بينما العمل على قدم وساق لتنفيذ المخطط المشؤوم.
وكما يحصل اليوم مفاوضات فلسطينية - إسرائيلية - امريكية لا طائل منها. وهذا بعد ان احتلت إسرائيل كامل فلسطين وترفض أي حق للعودة لا للفلسطينيين داخل إسرائيل ولا للفلسطينيين الذين هجروا الى الخارج خوفًا من المذابح. وكذلك رفض إسرائيل الانسحاب من القدس الشرقية والاعتراف بحدود الـ 1967 وإصرارها على الاستمرار في التوسع في بناء المستوطنات وجدار الفصل العنصري وعمل كل ما يمكن لتهجير الفلسطينيين من المناطق المحتلة وعلى الرغم من ذلك تستمر المفاوضات والقبل والعناق والـ... بدون أي فائدة وتحول حكام أنظمة الخنوع العربية وبالتعاون مع من هم على شاكلتهم من رجعيين ونفعيين فلسطينيين الى سماسرة للمجرم الأمريكي لتصفية القضية الفلسطينية!!
وفي ثورة 1936 دفاعًا عن الأرض سقط الشهداء وعلقت المشانق للثوار الذين هم من خيرة أبناء فلسطين، أمثال الشهداء عطاالله الزير وفؤاد حجازي ومحمد جمجوم، الذين شنقوا في سجن عكا في يوم واحد. وسقط من بلدة النهر، مسقط رأسي، الشهيد محمد طفران، بعد ان هاجم دورية بريطانية شرق مدينة نهريا. وفي احدى المواجهات مع الانجليز أصيب قائد الثوار في منطقة الشمال الغربي، رباح حمادي العوض. الا ان والدي - علي مباركي - لم يتركه وقام بسحبه من منطقة الخطر وهذا الامر لم يقدره رباح العوض حيث تحول بعد الثورة لمتعاون مع الانجليز وتعامل مع الثوار الشرفاء بمنتهى القسوة. وفيما اذكره ان جنديًا مغربيًا، اذكر ان اسمه الحاج أحمد المغربي، فر، ابان الثورة، من الجيش الفرنسي في لبنان وانضم للثورة وبعد الثورة اعتقله الانجليز ولم يعرف عنه شيء.
تحت شجرة في البستان
وفيما اذكر انه ذات مرة استدعاني والدي من المدرسة وكنت حينها ابن 8 سنوات، ذهبت لمقابلته فوجدته جالسًا تحت شجرة في البستان وخلال الجلسة معه أوصاني بان ادير بالي على أمي واخوتي وبكى بكاء شديدًا وأبلغني بانه سيسافر الى لبنان على نفقة الهيئة العربية العليا.
عمد الانتداب البريطاني الى تهيئة كل الظروف لقيام دولة إسرائيل فقام بتجنيد اليهود على نطاق واسع في الجيش البريطاني وتدريبهم وكان بينهم الطيارون والجنرالات وبحوزتهم مختلف أنواع الأسلحة. كما ساعد الانتداب البريطاني في تصنيع الأسلحة و ساهم في إنشاء دوريات حراسة من اليهود في المستعمرات والكيبوتسات حتى انهم تمكنوا من إنشاء مواصلات خاصة بهم. وبما ان فلسطين كانت أرض البرتقال فكان التصدير من بيارات اليهود أولا وبيارات العرب كانت احتياطيا وقت الضرورة الامر الذي أسهم في كساد المواسم العربية وهذا حمل كبار الملاكين والافندية على بيع قسم كبير من الأراضي العربية لليهود. الى جانب ذلك برزت ظاهرة السماسرة العرب الذين عملوا على إقناع ضعفاء النفوس من الملاكين الصغار على بيع أراضيهم.
ووضع الانتداب البريطاني كل الإمكانيات بأيدي اليهود رغم قلة عددهم لإدارة شؤون فلسطين فكان المندوب السامي يهودي الأصل وتسلم كل الإدارات مثل دائرة الطابو ودائرة الزراعة ودائرة الاشغال العامة ودائرة الهجرة والمالية والكهرباء وغيرها. ومن أهم الدوائر كانت دائرة الهجرة لتسهيل دخول المهاجرين اليهود من أوروبا وبالتعاون مع الوكالة اليهودية وحتى مع النازيين لجلب المزيد من المهاجرين بشكل شرعي وغير شرعي.
ودائرة أخرى هامة هي دائرة تسوية الأراضي لتخطيط الاستلاء على الاراضي الخصبة فيما بعد والاهم المناطق الحدودية.
اما دائرة الاشغال العامة فكانت مهمتها فتح الشوارع وايصال خطوط الكهرباء والمياه الى المستوطنات اليهودية ومراكز البوليس ومعسكرات جيش الانتداب فيما حرمت منها معظم القرى والبلدات العربية وكان المزارع العربي يسقي ارضه من ينابيع المياه التي تسمى عيونا والقرى البعيدة عن الينابيع كانت تعتمد على آبار مياه الشتاء.
استمر هذا الحال طوال مدة الانتداب، وكما ذكرنا سابقًا، ازداد اليهود نتيجة الهجرة الواسعة ورافق ذلك وقوع مناوشات بين العرب واليهود وعمد الانجليز على تشجيع الاقتتال بين الطرفين في مسعاهم لتهيئة الظروف لتقسيم فلسطين أولا والاستيلاء على كل فلسطين لاحقًا.
وحاولت بريطانيا بدعم من أمريكا وفرنسا والدول الاستعمارية الأخرى اعتمد قرار تقسيم فلسطين في مجلس الامن الا ان ذلك تأجل عدة مرات لعدم حصوله على التأييد الكافي لكن إصرار هذه الدول واللجوء الى التهديد والوعيد والرشى مكنها من حشد التأييد لهذا القرار المشؤوم الذي اعطى الحق لمن لا يملك بان يمتلك 70% من أراضي فلسطين كدولة لليهود في حين ان الباقي – 30% - هي دولة للعرب وهذا رغم ان عدد السكان اليهود لم يتجاوز 30% من مجموع السكان!!
من أخصب أراضي فلسطين
وبما ان كل الظروف كانت متاحة لليهود، كما اسلفت، من تأييد سياسي ومالي وعسكري ساهم ذلك في تفوق اليهود على مجريات الاحداث. وبما ان السكان العرب هم الأكثرية في فلسطين فلا بد لاحقًا من وضع خطة لترحيل العرب عن البلاد بأي ثمن. وكون أراضي الجليل الغربي من أخصب أراضي فلسطين واغناها بالينابيع والمياه الجوفية وفيها اقتصر الوجود اليهودي، حتى العام 1947، على بضع كيبوتسات ومستوطنات، بدأت العصابات الصهيونية، قبيل انسحاب الجيش البريطاني في 15 أيار 1948، بالتحرش بالسكان العرب ونفذت العديد من الاعتداءات مثل الاعتداء على عائلة عربية كانت مسافرة في سيارة على طريق ترشيحا نهريا انزل افرادها بالقرب من الكابري واحرقوا السيارة والاعتداء بإطلاق النار على باص ترشيحا – عكا وإصابة السائق وعدد من الركاب وبأعجوبة تمكن السائق من الوصول الى الكابري حيث تم هناك تقديم الإسعافات للمصابين.
كذلك تم اختطاف رجل من قرية أم الفرج واقتياده الى يحيعام (قلعة جدين) واستجوابه هناك قبل إخلاء سبيله. أيضاء التسلل ليلا الى قرية الكابري ونسف دار فارس سرحان. وضع لغم في طريق ترابي الى معسكر للجيش البريطاني شمال نهريا استهدف ابن قرية النهر وحوله الى أشلاء. وأيضا وضع لغم بالقرب من معسكر للجيش البريطاني شرقي نهريا استهدف حافلة للركاب قتل كل من فيها ودمر الحافلة وامعانا بقتل المزيد من العرب وضع لغم آخر بجانب طريق الباص وعند تجمهر الناس بعد انفجار الباص شاهد أحد المتجمهرين لغما آخر لم ينفجر فاستدعوا أحد الخبراء الذي قام بتفكيكه. وكذلك تم إعدام 9 ركاب من قرية الزيب كانوا في طريقهم على متن سيارة شحن لبيع محاصيلهم الزراعية قرب كيبوتس عفرون.
بعد هذه الاحداث جاءت قوة من الجيش الأردني، بقيادة ضابط انجليزي، وتمركزت في قرية الكابري، بعيدًا بضعة كليلومترات عن معسكر للجيش الإنجليزي يدعى "جبال اللوز" شمال شرق نهريا.

وفي أحد الأيام لاحظ الأهالي انتشار الجنود على طول الطريق بمسافات متباعدة وفي هذا اليوم خرجت سيارتا جيب من المعسكر تقلان ضباطا انجليزا الى مقر الوحدة الأردنية حيث أمضوا هناك بعض الوقت وغادروا في اليوم نفسه الى معسكرهم. وعلى اثر ذلك أبلغت قيادة الوحدة الأردنية المخاتير عبر رسائل بان طائرة بريطانية ستحلق في سماء المنطقة ويجب الامتناع عن إطلاق النار عليها. وحلقت الطائرة في ذلك اليوم على ارتفاع منخفض ويبدو ان مهمتها كانت التقاط الصور للقرى والأراضي في المنطقة. وفي هذه الأوقات كانت تسافر القوافل اليهودية الى مستوطنة يحيعام مرورًا من قرى أم الفرج والنهر والتل والكابري بدون أي اعتراض من جانب السكان العرب. لكن بعد تحليق الطائرة بعدة أيام عبرت القافلة اليهودية الى مستوطنة يحيعام فوقعت في كمين للقوة الأردنية على الشارع بالقرب من الكابري فقتل معظم ركابها ودمرت الآليات المصفحة وفر من بقي على قيد الحياة للبساتين المجاورة. وفي المساء قصفت مدفعية الجيش البريطاني موقع المعركة وأفاد تقرير الجيش البريطاني بان مدفعية الجيش قامت بفك الاشتباك بين الطرفين!
بعد ذلك بمدة قصيرة، في 15 أيار 48، انسحب الجيش البريطاني من منطقة الشمال وأصبحت المنطقة على كف عفريت وإذ بجندي من الوحدة الأردنية جاء مسرعًا يحمل رسالة لمختار القرية (النهر) يقول فيها: جاءنا أمر بالإنسحاب مع وجود قوة عسكرية يهودية بالقرب من وادي القرن وعلى الناس ان تدبر أمرها. وما ان سمع الناس الخبر فدب الخوف في جميع القرى المجاورة فهرب الناس في وضح النهار الى رأس الناقورة شمالًا وسهلت القوات اليهودية هرب الناس تمشيا مع الخطة اليهودية التي تنص على تسهيل هروب الناس حتى لا يبقى عرب في فلسطين. وتقول الخطة أيضًا: "أقتل أقتل أقتل" كما ظهر بعدها الأمر العسكري "إعدام كل حي تصادفونه ونسف القرى نهائيا"!!
بعد يوم او يومين من انسحاب القوة الأردنية شرقًا الى ترشيحا دخلت قوة صهيونية الى قرية الكابري وبدأت على الفور بنسف بيوت القرية بالمتفجرات. والكابري قرية جميلة جدًا ابنيتها من الحجر الصلب وفيها ينابيع مياه عذبة، أحلى ما في الوجود. وتوجهت الفرقة الصهيونية جنوبًا الى قرية الغابسية وكان فيها بعض العائلات التي لم تتمكن بعد من الفرار وحال دخولها القرية اعدمت رجلا أعزل من عائلة أسعد المحمود وولديه الاثنين وشخصا آخر من عائلة الزيني في اثناء محاولته رفع العلم الأبيض على قبة مسجد القرية، فقتل على الفور وهذا حمل من تبقى من الأهالي على الفرار.
من ثم انتقلت هذه الفرقة الى قريتي النهر والتل وما ان دخلت الفرقة الى قرية النهر اعدمت رجلا معاقا لا يقوى على الهرب اسمه محمد راغب عطية كما اعدمت محمد عبد العال وهو مختل عقليًا كذلك تم إعدام الشاب محمد الطملاوي. وفي قرية التل قتل أخي الطفل يوسف علي مباركي وهو على حضن اخته من جراء إطلاق الرصاص على الناس العزل الهاربين بين البساتين، فأخذه والدي وواراه تحت الحجارة تخوفًا من الوحوش.
يذكر ان في هذه القرى لم يتبق سوى القليل من الأهالي وفيها رفعوا الاعلام البيضاء.
وبعد هذه المجازر فر الأهالي الى لبنان وقسم منهم الى القرى العربية المجاورة مثل كفر ياسيف وأبو سنان ويركا وجت ويانوح وترشيحا. وفيما بعد تم احتلال كفر ياسيف وكويكات وعمقا ولم يدغل الجيش الى أبوسنان بحسب اتفاق مسبق مع وجهاء القرية.
مع اقتراب موسم الزيتون ذهبت مع اختي وزوجة خالي وابنتها للمبيت في ارض النهر وكنا نختبئ في النهار بين الأشجار وفي الصباح وحتى المساء نقطف الزيتون وفي عصر أحد الأيام شاهدنا طائرة كبيرة ذات أربعة محركات ترافقها طائرتان صغيرتان عبرت الأجواء من جهة رأس الناقورة متجهة شرقا الى ترشيحا...
تصريح مؤقت لمدة شهر
وكان من معارف عائلتي (مباركي) مختار طائفة الروم في أبوسنان المرحوم حبيب سليمان خوري، لهذا استقرت العائلة في أبوسنان في بيت المرحوم نمر حبيب شاهين معززة مكرمة لبعض الوقت الى ان تمكنت العائلة من استئجار بيت لتسكن فيه. وخلال اقامتنا في أبوسنان تعرفنا على المرحوم طيب الذكر الخوري نجيب خوري وكان مضيفًا في داره ويكرم ضيوفه مع مزيد من الاحترام للجميع وبشكل لوالدي علي مباركي. وعن طريق الخوري تعرفنا على المرحوم طيب الذكر محمد قاسم عزام الذي زارنا وسمع عن حال العائلة وسعى عند الحاكم العسكري في عكا لاستصدار تصريح مؤقت لمدة شهر يسمح لنا بدخول ارضنا في قرية النهر ويجدد فيما بعد. وقد نجحت هذه المساعي ورجعنا الى الأرض واشترينا بقرا للحرث وقمنا باستصلاح الأرض من ري وحراث وعندها جاء المستوطنون وسكنوا في القرية في دار العفيفي، دار كبيرة وجميلة مع حديقة جميلة جدًا يمر من وسطها قناة ماء نبع وعلى جوانبها الأرصفة والورود من جميع الأصناف والألوان. وقام هؤلاء المستوطنون بالاعتداء على العائلة بالضرب والتهديد وبالسلاح. وتعرض إبراهيم مباركي الى ضرب مبرح الى ان سالت دماؤه.
وتوجه الى مركز شرطة نهريا لتقديم شكوى الا ان الشرطة رفضت قبول الشكوى وقيل له ان هذا الملك لا يعود لك وطرده من المركز!! عندها تركت العائلة الأرض. وخلال موسم العنب قطفت امي عنقود عنب لاخي الصغير الا ان اليهود اخذوا العنقود من يدها وداسوه بأرجلهم!!
وعندما ضاق بنا الحال قرر والدي اللجوء الى ترشيحا التي كانت لا تزال بإيدي العرب وجميع السكان ومن فروا من القرى التي سقطت بيد اليهود يعيشون فيها وفيها أيضًا جيش الإنقاذ العربي الذي يمتلك عتادا عسكريا ومدافع وكانت تتعرض البلدة بين الحين والآخر لهجمات من القوات اليهودية المتمركزة في قلعة جدين فكانوا يردونهم على اعقابهم خاسرين مع بعض الغنائم من أسلحة ورشاشات. وكما هو معروف فان جيش الإنقاذ يضم في صفوفه متطوعين ولم يكن جيشًا نظاميًا بقيادة فوزي القاوقجي.
وفي أحد الأيام اشتد الهجوم على ترشيحا هجومًا كبيرًا فاستدعيت فرقة مدفعية سورية مع شاحنات من الذخائر فتم التصدي للهجوم وتكبيد المهاجمين خسائر كبيرة بالأرواح والعتاد.
مع اقتراب موسم الزيتون ذهبت مع اختي وزوجة خالي وابنتها للمبيت في ارض النهر وكنا نختبئ في النهار بين الأشجار وفي الصباح وحتى المساء نقطف الزيتون وفي عصر أحد الأيام شاهدنا طائرة كبيرة ذات أربعة محركات ترافقها طائرتان صغيرتان عبرت الأجواء من جهة رأس الناقورة متجهة شرقا الى ترشيحا. وحلقت الطائرات في أجواء ترشيحا مع شارات ضوئية ثم اتجهت شرقًا الى قرية سحماتا حيث قصفت قطيعا من الماعز هناك.
وفجر اليوم التالي انسحب جيش الإنقاذ مع عتاده شرقًا تاركا أهالي ترشيحا لمواجهة مصيرهم.
فجاء الهجوم على ترشيحا بالطائرات وكل أنواع الأسلحة اذ دمرت احياء بكاملها وهرب من بقي على قيد الحياة الى الجبال اما العدد القليل من السكان الذين بقوا في البلدة فأعلنوا الاستسلام.
والمضحك المبكي ان قائد الجيوش العربية الملك عبدالله أكرم قائد جيش الإنقاذ فوزي القواقجي بإعطائه لقب باشا لتسليمه الجليل الأعلى لليهود!!
تحت ضغط ضائقة العيش
بعد سقوط ترشيحا عاد والدي مع باقي العائلة الى قرية أبوسنان حيث التقينا هناك مع من كان هناك من اخوتي وأهلي. ودارت الأيام حيث كنا لا نملك شيئًا يساعدنا على العيش. وكانت القرى العربية ترزح تحت وطأة الحكم العسكري اذ لا يستطيع أحدًا من مغادرة القرية الا بتصريح من الحاكم العسكري يحدد فيه الوقت والطريق، فمثلًا اذا التصريح كان لكفر ياسيف نهريا فمنوع الذهاب الى عكا نهريا. كما يحدد التصريح تاريخ سريانه.
وتحت ضغط ضائقة العيش اضطر ابي للخروج تفتيشًا عن عمل ما فحملته رجلاه الى مستوطنة بنعامي ليسأل المستوطن على الأرض التي امتلكها ابي. فاشتغل عنده بشروط العبودية فكان يقوم بإطعام البقر وحلبه وجمع الروث مقابل أجر زهيد وكل ذلك لتحصيل لقمة العيش وكي يبقى قريبا من أرضه لعله يأتي الفرج وتحل القضية ويعود الحق الى أصحابه. ولكن طالت المدة واستمر التوسع الاستيطاني الى يومنا هذا على الرغم من مهزلة قرارات الأمم المتحدة التي لم تنصف شعبنا حتى يومنا هذا. ويبدو واضحًا ان استعادة الحق مرهون بالكفاح والنضال بمختلف الاشكال وكما قيل الحق لا يعطى وانما يؤخذ كما ان السارق لا يعيد السرقة الا بالقوة.
وبقينا على هذا الحال نخدم في المصانع ونبني البيوت للقادمين الى "ارض الميعاد"وأصبحنا سوقا استهلاكية من خيرات ارض العرب في الدولة المهجرين قسرًا الى القرى المجاورة. ومع الزمن أكثر من مليون ومائتي ألف من العرب وعين الحسود فيها عود والحبل على الجرار والذي لا يعجبه فليشرب البحر!!
وعودة للمفاوضات اليوم، بعد احتلال فلسطين، كل فلسطين ومع العناق والقبل والاذعان لمطالب الامريكان وعرب أمريكا من جانب الحكام العرب المنبطحين والمسبحين لولي نعمتهم ومحاولاتهم المحمومة لإقناع المفاوض الفلسطيني بالتنازل والاكتفاء بما يعرض على الفلسطينيين من فتات ما تبقى من الارض مع إطلاق الوعود بإقامة دولة فلسطينية صلاحياتها تصريف الأعمال من جمع نفايات وصيانة مجاري المستوطنات وإصدار التراخيص للمحلات التجارية مع فتح أسواق العرب أمام المنتجات الإسرائيلية وإقامة سلطة بوليسية تحكم الأهالي – عرب فلسطين - بالحديد والنار كما هو حال العرب في الدول العربية.







.png)


.jpeg)


.png)

