نبذة عن حياته
ولد الشاعر العربي العراقي محمد مهدي الجواهري بتاريخ 26 تموز 1899م بمدينة النجف العراقية، كان أبوه عبد الحسين عالمًا من علماء المدينة، وبسبب ذلك أراد لابنه محمد أن يكون عالمًا دينيًا، لذلك ألبسه عباءة العلماء وعمامتهم وهو في العاشرة. ترجع أصول الجواهري الى عائلة عربية نجفية عريقة، وقد اكتسبت لقبها الجواهري نسبة الى كتاب قيم ألفه أحد أجداد الأسرة وهو الشيخ محمد حسن النجفي وأسماه "جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام" ويضم 44 مجلدًا، لُقب بعده "بصاحب الجواهر" ولقبت أسرته بالجواهري (1).
لن نخوض هنا في مختلف مناحي حياة الجواهري الشاعر، لكن لا بد لنا ان نذكر أنه ومنذ بدايات حياته، كان منحازًا لوطنه وشعبه، حيث شارك في ثورة العشرين عام 1920 ضد السلطات البريطانية واندمج في الحراك السياسي العراقي، ورافق ذلك بروز موهبته الأدبية - الشعرية،" بدأ الجواهري ينشر قصائده في بغداد منذ سنة 1921م وفي سنة 1923م نشر كتيبًا عنوانه "حلبة الأدب" يتضمن معارضته لقصائد متنوعة لعدد من كبار الشعراء المعاصرين"(2).
وبعد تعيينه معلمًا في بغداد وانخراطه في الأجواء الادبية ومواصلة كتابته القصائد، أصدر في العام 1930م جريدة "الفرات" وانخرط في الحياة السياسية ومن ثم شارك في تحرير جريدة "الانقلاب" ثم جريدة "الرأي العام" وواصل إصدار دواوين اشعاره، التي حملت هموم الشعوب العربية والطبقة الكادحة، واتسمت بروح الثورة والنضال، ومن ضمنها معارضته للحكام في بلاده العراق، الأمر الذي عرضه للملاحقة وبذلك اضطر للتنقل بين الدول بسبب مواقفه السياسية هذه، واضطراره العيش بالمهجر متنقلًا ما بين الدول العربية والاوروبية، وفي اواخر أيام حياته سكن دمشق حيث توفي فيها بتاريخ 27 تموز 1997م وقبل وفاته كان قد كتب مذكراته التي صدرت تحت عنوان "مذكراتي" في جزأين وبألف صفحة.

-
بداية الدعوة لزيارة فلسطين
يكتب الشاعر محمد مهدي الجواهري في مذكراته تحت عنوان "الفردوس المفقود،فلسطين": "في يوم من أيام هذه الفترة من النصف الأول للأربعينيات وأنا في جريدتي (الرأي العام) جاءني هاشم جواد - ولا أعرف ماذا كانت وظيفته آنذاك ولا السر في أن يصبح وزيرًا للخارجية بعدها- جاءني في مقري، منتدبًا عن البريطانيين المشرفين على محطة "إذاعة الشرق الأدنى" ليقول لي: إنه مُكلف من فرع هيئة الإذاعة البريطانية في بغداد بدعوتي لإقامة أُمسية أدبية وشعرية في (يافا)".(3)
حلّ الجواهري ضيفًا على فلسطين وأدبائها. رابطة المثقفين العرب الفلسطينيين عقدت له مهرجانات شعرية في يافا والقدس والخليل وحيفا. قصيدته "يافا الجميلة" ألهبت مستمعيه في هذه المهرجانات. أهدى صحيفة "الاتحاد " قصيدة - ملحمة : "جمال الدين الأفغاني" وملحمة "عالم الغد" الأخيرة نشرتها الصحيفة على مدار عشر حلقات.
ويواصل الجواهري مذكراته بخصوص زيارته الى فلسطين ويكتب: "وترددت بادئ ذي بدء لمجرد أن الإنجليز بالذات هم المُشرفون عليها، غير ان الذي شجعني هو سماعي قبل ذلك بأكثر من شخصية أدبية واحدة وعلى سبيل المثال فـ (العقاد) و(طه حسين) وهم يلقون منها بعض أحاديثهم"(4).
واضح ان الجواهري كان مترددًا بالقيام بهذه المهمة الأدبية الى فلسطين وعاصمتها الثقافية مدينة يافا، لكن حبه لفلسطين إنتصر على تردده ومخاوفه من قيام الإنجليز باستغلال هذه الزيارة لاهداف دعائية تخدم سياستهم، مع ذلك لم يتوان عن وضع شرط حرية الرأي والموقف والقول في مهرجاناته الشعرية ومقابلاته الإذاعية خلال هذه الزيارة، يواصل الكتابة في مذكراته بهذا السياق: "قُلت لـ (هاشم جواد): "فكرة لطيفة..وتعجبني، وأريد أن أرى (فلسطين) العربية الجميلة، والدعوة مقبولة مبدئيًا شريطة أن ألقي ما أشاء من قصائدي أو كلماتي من دون تدخل في هذه أو تلك"(5)، هنا طلب هاشم جواد منحه فرصة لنقل شروط الجواهري للجانب الانجليزي، ويواصل الجواهري الكتابة في مذكراته عن الرد الذي تلقاه :"وفي اليوم نفسه جاء الجواب بالموافقة، وقال :(أي هاشم جواد - ج.ع) "بكل ما تحب ولك الحرية في اختيار ما تشاء من قصائدك" (6).
-
أول مرة يسافر في الطائرة مع وصية لمن يريد أن يودع الدنيا
بعد الاتفاق على موعد السفر إلى فلسطين، يكتب الشاعر الجواهري في مذكراته: "تسلمت بطاقة السفر بالطائرة، كان الطيران المدني حديثًا، ولا سيما أثناء الحرب وذيولها (يقصد الحرب العالمية الثانية - ج.ع) والأجواء ما تزال مرتبكة، وعندما جئنا إلى (الخطوط البريطانية)، قدموا لي استمارة وهي بمثابة وصية لمن يريد أن يودع الدنيا(!) وبما مضمونه أن الخطوط البريطانية غير مسؤولة عما يحدث خلال الرحلة، ومن بين أسئلة الاستمارة، أسئلة شخصية تطلب ذكر أسماء أفراد أسرتك! ومن يجب أن تودع إليه منهم وصيتك، كانت تلك مقدمة لسفرة مخيفة كما يفترض، مع هذا لم أكترث ولم يراودني القلق، ملأت الاستمارة، ودونت إجاباتي ثم الى المطار حيث انطلقت الطائرة"(7).
يكتب الشاعر العربي الجواهري عن سفره الى فلسطين بالطائرة التي يركبها لاول مرة...: "من يومها كانت تلك تجربتي الأولى في الطيران، وقد استأنست بها كثيرًا، وما أزال أستأنس من يومها بالطيران، وبأجواء السماء التي يتصاعد معها ولا أهتم أيضًا بالكثير من أخطاره وكوارثه، فلا بد لي أن أكرر المثل الشعبي "حشر مع الناس عيد" وفي أول مرحلة مطمئنة منها، ابتدأت أدمدم، بقصيدتي (يافا):
بـ " يافا " يومَ حُطَّ بها الرِكابُ تَمَطَّرَ عارِضٌ ودجا سَحابُ (8).
وكانت هذه القصيدة إبداعا ادبيا، تأثر بها شعراء وأدباء فلسطين خاصة وشعبها عامة لما تحمله من معان راقية وهادفة، يتحدث الشاعر عن وصوله الى يافا جوا وكيف استقبل بمطار اللد وثم يقف مبهورا "امام جمال يافا وجمال بيوتها وموقعها،على البحر الابيض المتوسط الذي شبهه بانسان يغسل قدمي يافا التي شبهها بانسان يغتسل بماء المطر. يتحدث الشاعر عن خصوبة تربة يافا وفيها بيارات احاطت بها كما يحيط الحزام بالخصر وأشجارها صفوف صفوف كأسطر".
-
فلسطين تستعد لاستقبال الشاعر
منذ بدأ تناقل خبر زيارة الشاعر محمد مهدي الجواهري الى فلسطين، أحدث هذا الخبر حراكا واسعا ونشاطا بين الأوساط الادبية والثقافية في فلسطين، وباشرت هذه الأوساط بوضع البرامج لاستقبال الضيف الكبير وفي مقدمتها عقد مهرجانات واحتفالات شعرية في مختلف المدن ّ، يكون ضيف الشرف فيها. هذا بالإضافة الى المقابلات الإذاعية التي خطط لها مسبقًا، وقامت الصحافة الفلسطينية بتغطية هذا الحدث الهام في نهاية شهر شباط العام 1945 ومطلع شهر آذار 1945، خاصة صحيفة "الإتحاد" التي سبق وكان للضيف علاقة مميزة له مع هيئة تحريرها.
واستعدادا لهذه الزيارة كُتب مقال تحت عنوان "من أدباء الطليعة" في صحيفة "فلسطين"جاء في بدايته: "الجواهري ضيف فلسطين وشاعر "الجيل الصاعد"...في المقدمة من "ادباء الطليعة" يسير شاعر العراق الكبير الأستاذ محمد مهدي الجواهري"..حاملًا "مشعل النور " يضيء به لأبناء "الجيل الصاعد" فيمشون مهتدين، لا يتعثرون...متطلعين الى "مجالي الحق والجمال والخير"..ولست أحاول في هذه الكلمة السريعة.. المتواضعة،أن أعرض الى نواحي العبقرية الخصبة عند ضيفنا الكريم وإنما هي "خطرات" تُثيرها زيارته لفلسطين، فلسطين العربية، المنطوية على جروحها في ألم... فاهتدينا وإذ نحن من مشتركي مجلة "العقاب" - بضم العين- وعلى صفحات هذ المجلة.. التقينا للمرة الأولى بشاعر "الفن" و"الثورة" الأستاذ الجواهري..وأخذنا بعدها نتعقب هذا الشاعر الفذ... مهما كلفنا ذلك من مشقة..التقينا به اخيرًا في (الطريق) - المجلة اللبنانية التي تحمل رسالة التحرر الفكري- فعرفنا أنه يحرر (الرأي العام) وكم كان أسفنا شديدًا لضياع ما ضاع من عمرنا قبل أن نتعرف إليه."(9).

-
استقبال بحفاوة وبرنامج حافل... بداية ضيف مجلس محلي قلقيلية
وفق تتبعنا لبرنامج وموعد زيارة الشاعر محمد مهدي الجواهري الى فلسطين نستطيع ان نقول بانه وصل يوم السبت 24 شباط 1945م وغادرها في 6 آذار 1945م، وعدا عن مقابلاته الإذاعية كان برنامج زيارته حافلًا باللقاءات الادبية والاجتماعية، بداية حل ضيفًا على رئيس مجلس محلي قلقيلية. "مأدبة غداء حافلة"، تحت هذا العنوان كتبت صحيفة "فلسطين" خبرًا لها جاء فيه: "أقام السيد عبد الرحيم السبع رئيس مجلس محلي قلقيلية مأدبة غداء، ظهر أول أمس - الاحد - حضرها شاعر العراق الأستاذ الجواهري وفضيلة الأستاذ المظفر وبعض رجال الصحافة ومكتب المراقبة والمطبوعات..."(10) وبعد ترحيب المُضيف رئيس مجلس محلي قلقيلية، جرى تبادل الكلمات ومن ثم العودة الى يافا.
في مساء اليوم نفسه أي الاحد 25 شباط 1945م القى الشاعر الجواهري "قصيدة من عيون شعره" في نادي الشبيبة الإسلامي بمدينة يافا في احتفال أقامه اعضاء النادي بمناسبة الذكرى النبوية الشريفة.(11).
-
الجواهري في جمعية العمال العربية بيافا
ضمن علاقته الوثيقة مع رفاق "عصبة التحرر الوطني الفلسطينية"، وارتباطه بهموم الطبقة العاملة، لم يغفل الشاعر العراقي الضيف، موضوع اللقاء بممثلي الحركة النقابية الفلسطينية، وتبادل المعلومات في هذا الشأن، تحت عنوان "زيارة الجواهري لجمعية العمال" كتبت صحيفة " الدفاع": "زار دار جمعية العمال العرب بيافا شاعر العراق المعروف السيد محمد مهدي الجواهري، فاستقبل بحفاوة ومكث هناك مدة تناول الحديث خلالها حركة العمل في القطر الشقيق، وألقى قصيدة من روائع شعره وودع باحترام"(12).
ذكرنا أن الحركة الأدبية الفلسطينية استنفرت، للقاء الشاعر الجواهري ونقرأ ما يكتبه في مذكراته عن أول لقاء جماهيري- شعري له في مدينة يافا :" ولمّا وصلنا، كان أول لقاء لي هو حفل فخم وجميل في (يافا)، وكان فيه العديد من الوجوه الفلسطينية البارزة، وأقطاب (يافا)، وشخصيات كبيرة، وقد أُقيم في (النادي العربي) القيت القصيدة (المقصود يافا الجميلة -ج.ع) وقوبلت باعتزاز كبير، وعندما وصلت الى المقطع الفريد فيها:
ولمّا طبَّقَ الأرَجُ الثنايا وفُتِّح مِنْ جِنانِ الخُلدِ باب
ولاحَ " اللُّدُّ " مُنبسِطًا عليهِ مِن الزَهَراتِ يانِعةً خِضاب
نظْرتُ بمُقلةٍ غطَّى عليها مِن الدمعِ الضليلِ بها حِجاب
وقلتُ وما أُحيرُ سوى عِتابٍ ولستُ بعارفٍ لِمَنِ العتاب
أحقَّا بينَنا اختلَفَتْ حُدودٌ وما اختَلفَ الطريقُ ولا التراب
ولا افترقَتْ وجوهٌ عن وجوهٍ ولا الضّادُ الفصيحُ ولا الكِتاب
كانت المناديل البيضاء ترفرف بين أيديهم وهي تمسح الدموع من عيونهم، وفعلًا كان ما طلبت من (هاشم جواد) ببغداد، وألقيت كل ما أشتهي من قصائدي التي أذعتها فعلًا من الإذاعة تلك، وعلى الملأ وبخاصة تلك القصائد المناهضة للاستعمار والنفوذ الاجنبي في كل الأرض العربية وفي وطني العراق بالذات وضد بريطانيا وكل من يتعاون معها من الحاكمين...والقصائد هذه كلها معروفة ومنشورة وشائعة بين الجماهير بل محفوظة في ملفات الإذاعات البريطانية نفسها ومنها - ستالينغراد - و - جمال الدين الأفغاني:
فَكَمْ في الشَّرقِ من بَلدٍ جريحٍ تَشَكّى لا الجروحَ بَلِ الضّمادا!" (13).
وكان الشاعر الجواهري قد أهدى قصيدته "جمال الدين الافغاني " لصحيفة الإتحاد نشرتها الصحيفة في عددها الصادر بتاريخ 11/3/1945م على الصفحة الثالثة مع الإهداء.
أّمّا قصيدة "يافا لجميلة" فكان قد أهداها الى صحيفة "الدفاع"، وبدورها نشرتها يوم الخميس 1 آذار 1945م على صفحتها الثالثة تحت عنوان :"من روائع الشعر - وعن وطني الى وطني ذهاب" وكتبت: "فريدة من عيون الشعر أهداها "للدفاع" شاعر العراق محمد مهدي الجواهري قالها في وداع "يافا الجميلة" قبل سفره الى القدس وهي جذع بين العاطفة الصادقة والأدب الرفيع"(14).
تحت عنوان :" القدس ثم حيفا تكرمان شاعر العراق محمد مهدي الجواهري" كتبت صحيفة "الاتحاد" خبرًا مفصلًا عن المهرجان الشعري الذي عقده الشاعر الجواهري بمدينة القدس، بدعوة من "رابطة المثقفين العرب بالقدس" وجاء في بداية الخبر: "دعت رابطة المثقفين العرب بالقدس الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، ضيف فلسطين، الى إلقاء روائع من شعره على مسرح جمعية الشبان المسيحية
-
حفل تكريم في المجمع الثقافي اليافي
لم يفوّت القائمون على "المجمع الثقافي اليافي" فرصة اللقاء بالشاعر الجواهري، خاصة بعد ما أثارته من ردود فعل الامسية الشعرية في (النادي العربي) بيافا، فقاموا بتوجيه دعوة له أشارت لها صحيفة "فلسطين" بخبر لها نشرته تحت عنوان "حفلة تكريم للأستاذ الجواهري (15) والتي ستقام بعد يومين من نشر هذا الخبر.
بحضور العديد من الادباء والشعراء والشخصيات تم اقامة هذا الحفل ووفق ما نشرته صحيفة "فلسطين" تحول اللقاء التكريمي الى مهرجان القيت فيه الأشعار وجاء في الخبر: "أقام المجمع الثقافي اليافي الساعة الخامسة من مساء أمس حفلة شاي تكريمية للأستاذ محمد مهدي الجواهري شاعر العراق الكبير في قاعة المعهد البريطاني بيافا...وقف الأستاذ حسن أبو الوفا الدجاني وألقى كلمة رائعة حيّا فيها المُحتفل به وشكره على تلبية الدعوة، وعلى أثر ذلك وقف المُحتَفى به وشكر المجمع ورجاله وأدباء يافا ورجالاتها، ثم ألقى قصيدة عصماء يودع فيها يافا بصورة تصويرية جياشة ألهبت أكف الحاضرين... ثم ألقى كل من شعراء يافا قصائد لهم وهم أحمد يوسف، محمد العدناني ومصطفى الدباغ ومحمود الحوت حيث كانت قصائد الثلاثة الأخيرين غزلية نفيسة..ما دفع الجواهري الى إلقاء بعض نفائس أشعاره الغزلية ومنها (بنت بيروت) وقصيدة (بديعة) واستمرت الحفلة حوالي ساعتين ونصف الساعة" (16).
-
الجواهري ضيف مسرح جمعية الشبان المسيحية بالقدس ..شاعر الكادحين.
تحت عنوان :" القدس ثم حيفا تكرمان شاعر العراق محمد مهدي الجواهري" كتبت صحيفة "الاتحاد" خبرًا مفصلًا عن المهرجان الشعري الذي عقده الشاعر الجواهري بمدينة القدس، بدعوة من "رابطة المثقفين العرب بالقدس" وجاء في بداية الخبر: "دعت رابطة المثقفين العرب بالقدس الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، ضيف فلسطين، الى إلقاء روائع من شعره على مسرح جمعية الشبان المسيحية، مساء الجمعة الماضي" (17) (2آذار 1945م - ج.ع) وأشارت صحيفة "فلسطين" في خبر لها عن هذا المهرجان الى انّه كان بين الحضور السيد فاضل وحيد قنصل العراق في فلسطين وموظفو القنصلية، بالإضافة الى الأدباء والكتاب الفلسطينيين المعروفين خليل السكاكيني وعمر الدباغ وعارف العارف والدكتور موسى الحسيني وغيرهم.(18).
وأضافت صحيفة "الاتحاد" في خبرها المطوّل تصف فيه المهرجان: "وقد امتلأت القاعة الكبيرة بأدباء القدس وشبابها ومختلف الطبقات، وكان الحفل مهرجانًا شعبيًا رائعًا تجلت فيه روح العروبة المتوثبة المنبثقة عن ماض عربي مجيد وتقاليد تحررية خالدة..." وتشير الصحيفة الى قيام الكاتب الشيوعي مخلص عمرو بتقديم الضيف "بكلمة موجزة قويّة شرح فيها أنواع الادب المثالي والانعزالي منه، الذي لا يُفهِم الشعب ولا يَفهَمه الشعب، والواقعي الثوري منه، الذي يكون متعة ذهنية وقوة دفع بالجماهير الى الامام الى النور.. وبيّن أن "الضيف الكبير من أدباء النوع الثاني من الأدب لذلك فشعره خالد مع الدهر تتقبله الجماهير وتطرب وتتحرك عند سماعه ولذلك نرى في هذا الحفل غير الشباب المثقف والأدباء عددًا وافرًا من أبناء الشعب الكادحين الذين شرّفوا هذا الحفل ودللوا على شعبية الشاعر الجواهري وأنه شاعر الكادحين قبل كل شيء" وتضيف "الاتحاد" في خبرها " ثم وقف الشاعر الكبير وأخذ يُلقي عددًا من قلائد شعره، قوطعت مرارًا بالتصفيق الحاد، حتى خرج الناس يقولون هذا شعر جديد يحتاجه العرب في هذه الأيام." (19).
-
الجواهري صديق "الإتحاد"
ويكتب المراسل الخاص لصحيفة الاتحاد: "وقد التقيت الأستاذ الجواهري قبل المحاضرة، وهو من أصدقاء جريدتنا "الإتحاد" والمعجبين بها، فحدثني عن العراق الشقيق ونهضته الفكرية، والمستقبل الباسم الذي ينتظر العراق على أيدي شبابه المتحرر، وشاعرنا في طليعة هذا الشباب، جعل من جريدة "الرأي العام" منبرا للأدب الحُر ولرسالة التحرر الوطني، نزف لقرائنا الكرام بُشرى سارة ان صديقنا الشاعر الكبير تفضّل لنا قصيدة من روائع شعره خص بها جريدة "الإتحاد" سوف ننشرها في العدد القادم "(20).وكانت الصحيفة قد نشرت هذه القصيدة بتاريخ 11 آذار 1945، وقصيدة- ملحمة "عالم الغد" نشرتها على مدار عشر حلقات.

-
الخليل تحتفي بالشاعر الجواهري..
تحت عنوان "بلد الخليل تحتفي بشاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري" وفي عنوان ثانوي لها كتبت صحيفة "الاتحاد": "رجال الدين وأعيان الخليل ومثقفوها وشبابها وطلابها يصفقون للشاعر العبقري" ومما جاء في سياق الخبر: "في صباح يوم الأحد الماضي، توجهنا في معية الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، ووفد من رابطة المثقفين العرب في مدينة الخليل بدعوة من نادي الخليل الثقافي.
وكان في استقبال الشاعر الكبير في النادي الثقافي سماحة الشيخ عبد الله طهبوب مفتي الخليل وفريق من الوجهاء والشباب المثقف.. ثم توجه الضيف الكبير مع إخوانه من القدس الى زيارة المدينة وصناعاتها المحلية وزار الحرم الإبراهيمي الشريف...وفي تمام الساعة الثالثة بعد الظهر أقام النادي مهرجانًا شعريًا شعبيًا رائعًا في قاعة المدرسة الابتدائية، وقد بلغ الحضور حوالي الخمسمائة شخص..عرفنا منهم الشيخ عبد الله طهبوب مفتي الخليل والشيخ محمد علي الجعبري رئيس البلدية والشيخ توفيق طهبوب مدير الأوقاف والشيخ عبد الرحمن الدجاني القاضي الشرعي...افتتح المهرجان الأديب عبد المجيد الاشهب معددا مناقب الشاعر وشعره، ثم وقف الشاعر الجواهري..فألقى نخبة من قصائده، فضج لها المحتفلون تصفيقًا وهتافًا وطلبوا إعادة أبياتها مرات عديدة حتى خرج الأستاذ الجواهري وهو يقول: "قرأت كل قصيدة عليهم ثلاث مرات، فلم يكتفوا ولم أَكتَف، هؤلاء أبناء العرب، كرم الله هذه الوجوه هم بوطنيتهم وحميتهم قصيدة إن كتبتها تحترق... وعند انتهاء الحفل شيعه الحضور بعبارات الإكرام والإعجاب، ومن ثم توجه مع صحبه الذين رافقوه من القدس، الى بيت لحم، فزار كنيسة المهد والأماكن المقدسة وعاد الى القدس".(21)
-
مسك الختام عروس الكرمل مدينة حيفا... وترحيب الشاعر عبد الكريم الكرمي (ابو سلمى) به بقصيدة خاصة.
وكانت آخر محطة للشاعر في مدينة حيفا يوم الإثنين الخامس من آذار 1945م، حيث عُقد مهرجان شعري للشاعر الجواهري في عروس الكرمل وهو بمثابة مسك الختام لزيارته لفلسطين، "شاعر العراق الجواهري مع رابطة المثقفين العرب بحيفا" تحت هذا العنوان كتبت صحيفة "الدفاع" خبرها عن المهرجان الشعري الذي نظمته "رابطة المثقفين العرب" بالمدينة ومما جاء في الخبر: "توافد على قاعة النادي الارثوذكسي العربي بدعوة من رابطة المثقفين العرب عدد كبير من شبان المدينة ورجالاتها وكبار موظفيها، حيث استمعوا الى الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري... وقد قدمه السيد فؤاد نصار ورحب بالشاعر أبو سلمى بقصيدة عصماء قوطعت بالتصفيق، ثم وقف الشاعر الجواهري وأسمع من نفثات شعره الشعبي الوطني، وروائع غزله"(22).
ووفق ما جاء في الخبر أعلاه نستطيع القول بأن مهرجان حيفا كان حافلًا بالشعر حيث شارك فيه بالإضافة للشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى)، الشاعر نبيه ثابت "الذي القى قصيدة جيدة، ثم عاد الشاعر ضيف حيفا يلعب بالأوتار وألقى أبياتًا كثيرة جيدة، ثم قام الشاعر وديع بستاني فارتجل كلمة حيا فيها الشاعر العراقي والعراق واختتمت الحفلة بقصيدة "يافا "طلبها الجمهور من الضيف، ووقف السيد حبيبي (سامي حبيبي - ج.ع) سكرتير رابطة المثقفين وشكر الشاعر لتلبيته الدعوة".(23)
يكتب الجواهري في مذكراته عن زيارته الى فلسطين :"لقد كانت رحلة من رحلات العُمر لا تُنسى، مع هذا - سامحوني- أن أقول، يا ليتني لم أر (فلسطين الجنة) ولو أنّ وشيجتي بها كانت وشيجة (بشار بن برد) بالأشياء والعوالم، بالأذن لا بالعين، فلكان ذلك أفضل ولكان وقع الفاجعة عليّ أقل. رأيت فلسطين العربية، رأيت الجنان، لمست رهبة المسجد الاقصى، رأيت (يافا) الجميلة الغافية على البحر، وحيفا ورأيت الفردوس المفقود بكل معنى الكلمة، الذي أحللنا فيه عدوًا مستذئبًا وخرجنا منه أذلاء مهزومين، إنه لشيء فظيع لا يصدق
-
الجواهري: رحلة من رحلات العُمر... فلسطين الجنة
يكتب الجواهري في مذكراته عن زيارته الى فلسطين :"لقد كانت رحلة من رحلات العُمر لا تُنسى، مع هذا - سامحوني- أن أقول، يا ليتني لم أر (فلسطين الجنة) ولو أنّ وشيجتي بها كانت وشيجة (بشار بن برد) بالأشياء والعوالم، بالأذن لا بالعين، فلكان ذلك أفضل ولكان وقع الفاجعة عليّ أقل.
رأيت فلسطين العربية، رأيت الجنان، لمست رهبة المسجد الاقصى، رأيت (يافا) الجميلة الغافية على البحر، وحيفا ورأيت الفردوس المفقود بكل معنى الكلمة، الذي أحللنا فيه عدوًا مستذئبًا وخرجنا منه أذلاء مهزومين، إنه لشيء فظيع لا يصدق"(24) ويستذكر المهرجانات والحفلات وغيرها من اللقاءات التي بقيت عالقة في ذاكرته.
ويواصل الجواهري في مذكراته: "كان طريق العودة يمر بدمشق، التي وصلناها بسيارة خاصة، ومن هناك كنا نروم التوجه لبغداد وعنّ للسائق أن يقترح: ما رأيكم أن نستريح في لبنان قليلًا؟
قلت: لا، ليس هناك حاجة، فنحن قادمون من فلسطين يا بني".
كان فراق فلسطين في الروح والقلب... من ذيول هذه الزيارة الى (فلسطين )ومن بقايا ألمي وتوجلي كانت قصيدتي "اليأس المفقود"(25)
-
الجواهري يشكر... وشكر خاص لأسرة جريدة "الإتحاد"
تحت هذا العنوان "الجواهري يشكر" نشرت كل من صحيفتي "الدفاع" و"فلسطين"(26) رسالة الشكر التي بعث بها الجواهري عند مغادرته فلسطين كتب فيها:" أُقدم وأنا في طريقي الى العراق جزيل امتناني ووافر شكري الى هيئة إذاعة الشرق الأدنى بيافا والى جميع الهيئات والنوادي والذوات المحترمين والى أرباب الصحف الغراء فيها على ما غمروني به من لطف وتقدير وحفاوة مدة مكوثي ضيفًا عليهم ومثل ذلك الأدباء في القدس وحيفا والخليل وأخص منهم أعضاء رابطة المثقفين العرب وأسرة جريدة "الاتحاد" ومجلة "المنتدى"، سائلا الله تعالى أن يوفقنا جميعًا لخدمة الأمة، وهذا البلد المقدس خاصة وأستودعكم الله."
بهذه الكلمات الحارة والصادقة التي كتبها الشاعر الجواهري في وداع فلسطين وأهلها قبل 74 عامًا، تبقى كلماته وذكراه وإرثه الشعري والادبي كنزًا لنا وللاجيال القادمة، لما قدمه من أدب ملتزم لشعبه العربي خاصة وللعالم عامة، كما نؤكد مجددًا فخرنا واعتزازنا بهذا التراث الادبي الكبير الذي كانت فلسطين الحاضنة له على الصعيدين المحلي والعربي، وما هذه المادة التي ننقلها للقارئ إلا تأكيد على عظمة المسيرة الثقافية العربية الفلسطينية قبل النكبة، حيث تظهر لنا فلسطين بحلة جميلة بشعرائها وأدباءها وصحفها ونواديها الثقافية والنقابية، لتؤكد لنا من جديد عظم الكذبة التي روجت لها الحركة الصهيونية بأن فلسطين كانت وطنا بلا أهل... نقول لهم خسئتم ففلسطين كانت لؤلؤة عامرة بأهلها دائمًا وما زالت.
المصادر:
1) عراق الكل - موقع
2) المعرفة - موسوعة
3) محمد مهدي الجواهري - مذكراتي ج.1 ص 427
4) محمد مهدي الجواهري - مذكراتي ج.1 ص 427
5) محمد مهدي الجواهري - مذكراتي ج.1 ص 427
6) محمد مهدي الجواهري - مذكراتي ج.1 ص 427
7) محمد مهدي الجواهري - مذكراتي ج.1 ص 428
8) محمد مهدي الجواهري - مذكراتي ج.1 ص 428
9) فلسطين - جريدة 24/2/1945 ص2
10) فلسطين - جريدة 27/2/1945 ص3
11) فلسطين - جريدة 27/2/1945 ص3
12) الدفاع جريدة 27/2/1945 ص 2
13) محمد مهدي الجواهري - مذكراتي ج.1 ص 429
14) الدفاع جريدة 1/3/1945 ص 3
15) فلسطين - جريدة 25/2/1945 ص 3
16) فلسطين - جريدة 28/2/1945 ص 3
17) الإتحاد - جريدة 4/3/1945 ص4
18) فلسطين - جريدة 3/3/1945 ص 4
19) الإتحاد - جريدة 4/3/1945 ص4
20) الإتحاد - جريدة 4/3/1945 ص4
21) الإتحاد - جريدة 4/3/1945 ص 2
22) الدفاع - جريدة 6/3/1945 ص 4
23) الدفاع - جريدة 6/3/1945 ص 4
24) محمد مهدي الجواهري - مذكراتي ج.1 ص 429
25) محمد مهدي الجواهري - مذكراتي ج.1 ص 429
26) الدفاع - جريدة 6/3/1945 ص 2
26) فلسطين - جريدة 6/3/1945 ص 3
////اطار ص 16 فوق
قصيدة يافا الجميلة للشاعر محمد مهدي الجواهري
بـ " يافا " يومَ حُطَّ بها الرِكابُ تَمَطَّرَ عارِضٌ ودجا سَحابُ
ولفَّ الغادةَ الحسناءَ ليلٌ مُريبُ الخطوِ ليسَ به شِهاب
وأوسعَها الرَذاذُ السَحُّ لَثْمًا فَفيها مِنْ تحرُّشِهِ اضطِراب
و " يافا " والغُيومُ تَطوفُ فيها كحالِمةٍ يُجلِّلُها اكتئاب
وعاريةُ المحاسن مُغرياتٍ بكفِّ الغَيمِ خِيطَ لها ثياب
كأنَّ الجوَّ بين الشمسِ تُزْهَى وبينَ الشمسِ غطَّاها نِقاب
فؤادٌ عامِرُ الإيمانِ هاجَتْ وساوِسُه فخامَرَهُ ارتياب
وقفتُ مُوزَّعَ النَّظَراتِ فيها لِطَرفي في مغَانيها انْسياب
وموجُ البحرِ يَغسِلُ أخْمَصَيْها وبالأنواءِ تغتسلُ القِباب
وبيّاراتُها ضَربَتْ نِطاقًا يُخطِّطُها كما رُسمَ الكتاب
فقلتُ وقد أُخذتُ بسِحر "يافا" واترابٍ ليافا تُستطاب
" فلسطينٌ " ونعمَ الأمُ، هذي بَناتُكِ كلُها خوْدٌ كَعاب
أقَّلتني من الزوراءِ رِيحٌ إلى " يافا " وحلَّقَ بي عُقاب
فيالَكَ " طائرًا مَرِحًا عليه طيورُ الجوِّ من حَنَقٍ غِضاب
كأنَّ الشوقَ يَدفَعُهُ فيذكي جوانِحَهِ من النجم اقتراب
ركبِناهُ لِيُبلِغَنا سحابًا فجاوزَه، لِيبلُغَنا السّحاب
أرانا كيف يَهفو النجمُ حُبَّا وكيفَ يُغازِلُ الشمسَ الَّضَباب
وكيفَ الجوُّ يُرقِصُهُ سَناها إذا خَطرتْ ويُسكِره اللُعاب
فما هيَ غيرُ خاطرةٍ وأُخرى وإلاّ وَثْبةٌ ثُمَّ انصِباب
وإلاّ غفوةٌ مسَّتْ جُفونًا بأجوازِ السماءِ لها انجِذاب
وإلاّ صحوةٌ حتّى تمطَّتْ قوادِمُها، كما انتفَضَ الغُراب
ولمّا طبَّقَ الأرَجُ الثنايا وفُتِّح مِنْ جِنانِ الخُلدِ باب
ولاحَ " اللُّدُّ " مُنبسِطًا عليهِ مِن الزَهَراتِ يانِعةً خِضاب
نظْرتُ بمُقلةٍ غطَّى عليها مِن الدمعِ الضليلِ بها حِجاب
وقلتُ وما أُحيرُ سوى عِتابٍ ولستُ بعارفٍ لِمَنِ العتاب
أحقَّا بينَنا اختلَفَتْ حُدودٌ وما اختَلفَ الطريقُ ولا التراب
ولا افترقَتْ وجوهٌ عن وجوهٍ ولا الضّادُ الفصيحُ ولا الكِتاب
فيا داري إذا ضاقَت ديارٌ ويا صَحبيْ إذا قلَّ الصِحاب
ويا مُتسابقِينَ إلى احتِضاني شَفيعي عِندَهم أدبٌ لُباب
ويا غُرَّ السجايا لم يَمُنُوا بما لَطُفوا عليَّ ولم يُحابوا
ثِقوا أنّا تُوَحَّدُنا همومٌ مُشارِكةٌ ويجمعُنا مُصاب
تَشِعُّ كريمةً في كل طَرفٍ عراقيٍّ طيوفُكُم العِذاب
وسائلةٌ دَمًا في كلِّ قلبٍ عراقيٍّ جُروحُكم الرِغاب
يُزَكينا من الماضي تُراثٌ وفي مُستَقْبَلٍ جَذِلٍ نِصاب
قَوافِيَّ التي ذوَّبتُ قامَتْ بِعُذري. إنّها قلبٌ مُذاب
وما ضاقَ القريضُ به ستمحو عواثِرَهُ صُدورُكم الرّحاب
لئنْ حُمَّ الوَداعُ فضِقتُ ذَرعًا به، واشتفَّ مُهجتيَ الذَّهاب
فمِنْ أهلي إلى أهلي رجوعٌ وعنْ وطَني إلى وطني إياب







.png)


.jpeg)



.png)

