news-details

نحو المؤتمر الـ 28 لحزبنا الشيوعي| برهوم جرايسي

عن التحالفات، وما بين الاختراق والاحتراق

لسنا رافضين بل مرفوضين من قوى الصهينة

 

بعد أيام سنكون في مؤتمر حزبنا الشيوعي الـ 28، الذي تأخر انعقاده أكثر من عامين، بسبب توالي الانتخابات البرلمانية. فالمؤتمر عدا دستوريته، هو لتجديد الذات، بوقفة تقييمية، وقراءة واقع المرحلة من جميع جوانبها، قائمة على أساس التحليل الماركسي اللينيني؛ دون أي أجندات خارجية غريبة عن فكرنا ومواقفنا السياسية التاريخية، قراءة قائمة على أسس الحزب الثوري الذي يتحدى المتغيرات ولا يرضخ لها، ولا يسعى لملاءمة نفسه كي يكون مقبولا على جمهور الطرف المعتدي.

حزبنا الشيوعي حزب أممي، مناهض للصهيونية فكرا وممارسة، ولعدد من شخصياته التاريخية مقالات وأدبيات تمت ترجمتها للعديد من لغات العالم، بشأن تعريف الصهيونية وضرورة مناهضتها، أمثال إميل توما وماير فلنر وولف ايرليخ وتمار غوجانسكي، وغيرهم. وفي ذات الوقت، سعى ويسعى حزبنا للتأثير على الشارع اليهودي، في الوقت الذي يقف في طليعة القوى السياسية على ساحة جماهيرنا العربية.

وخلال السنوات الـ 35 الأولى بعد العام 1948، عام النكبة المستمرة، كان حزبنا القوة السياسية الوحيدة تقريبا، التي تقود الخط الوطني بين جماهيرنا العربية. وبادر وقاد يوم الأرض الخالد في العام 1976؛ ولربما أهم من ذلك اليوم التاريخي، أنه في سنوات الخمسين والستين والسبعين من القرن الماضي، عمل على تثقيف وتوعوية وخلق جيل شبابي فلسطيني وطني ثائر، لا تعلق به نفسية الهزيمة ورهاب النكبة، وهو الجيل الشبابي الثوري الذي قاد المعارك الميدانية، التي أكثرها ليس موثقا، في سنوات الخمسين ولاحقا.

لم يكن خطاب الحزب الشيوعي وبرنامجه جامدا في أي وقت، بل كان يتطور وفق تحديات المرحلة، وكان خطابه يرفع مستوى التحدي كلما اشتدت الضغوط والتحديات، وتطرف المؤسسة الحاكمة.

فخطاب حزبنا الشيوعي في العام 1976 كان أكثر تطورا من سنوات الستين، وفي سنوات الستين، أكثر تحديا من سنوات الخمسين، فحتى في ظروف الشرخ الذي عايشه حزبنا الشيوعي منذ العام 1948، وانتهى بانشقاق على أساسي فكري وسياسي في العام 1965، حين تم الانفصال عن التيار المتصهين بقيادة ميكونيس وسنيه، وعلى الرغم من الجوانب الشائكة التي كانت في الحزب حتى الانشقاق، فإن الخطاب والنضال الميداني كان مختلفا كثيرا عما كان أحيانا، في الهيئات التي طغت عليها أغلبية ميكونيس وسنيه.

دلالة على ذلك، منشور منطقة الناصرة للحزب الشيوعي التي كانت تمتد من مرج بن عامر وحتى أقصى الشمال، وصدر عشية أول أيار العام 1958، الذي انتفض الشيوعيون قبله بيومين وفي اليوم ذاته، في الناصرة وأم الفحم، ضد الحكم العسكري الذي أراد أن يفرض على الناصرة ما تسمى "احتفالات عشر سنوات على قيام إسرائيل"، أو حسب التسمية الإسرائيلية "يوم الاستقلال". وأول أيار 1958 كان علامة فارقة في تاريخ جماهيرنا، فهو كان الانتفاضة الأولى، وتم الزج بمئات الشيوعيين في السجون.

يومها وفي ذلك المنشور، الذي استعرضه قبل سنوات في صحيفة "هآرتس"، الصحفي والكاتب يوسيف الغازي، أكد الحزب على رفضه "الاحتفال"، مؤكدا على تبعات النكبة وضرورة عودة المهجّرين من وطنهم وفي وطنهم.

لن أطيل في سرد التاريخ، ولكن أيضا بعد يوم الأرض لم يتوقف الحزب عن تطوير خطاب التحدي، ولم تكن في أي لحظة محاولة لملاءمة نفسه للتطرف العنصري في الشارع الإسرائيلي، والرضوخ سعيا للاختراق، لأن هذا لن يكون اختراقا بل احتراقا.

في العام 1977 استوعب الحزب الشيوعي التطورات في جماهيرنا العربية، وظهور شرائح ليست منتسبة للحزب، وهي في التيار الوطني؛ وفي الطرف الآخر، كانت قوى سياسية اجتماعية يهودية، رغم قلتها، مستعدة للقبول ببرنامج الحد الأدنى الذي قامت عليه الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.

وحينما وضع الحزب كلمة السلام قبل المساواة، كان دلالة على أن انهاء الاحتلال هو الأساس لإنهاء كل السياسات العنصرية القائمة على ذات العقلية.

إن إقامة الجبهة كان بمثابة تتويج لفعل نضالي واسع وكاسح في يوم الأرض، وظهور أوساط كانت خارج الفعل النضالي، والحزب برؤيته الثورية الواثقة قرر توسيع منصة القيادة السياسية لاشراك الفئات الجديدة التي انخرطت في يوم الأرض.

وفي سنوات الثمانين الأولى، كان حزبنا قوة محركة في الشارع الإسرائيلي، لخلق شراكات كفاحية ضد الحرب على لبنان، واستمرار احتلال جنوب لبنان، وشهدت المدن مظاهرات ضخمة ضد تلك الحرب والاحتلال.

حزبنا الشيوعي ومعه الجبهة، لم يغمض أعينه عما جرى في الشارع الإسرائيلي في نهاية سنوات الثمانين، ومطلع سنوات التسعين، كتأثير مباشر لانتفاضة شعبنا الفلسطيني الباسلة، انتفاضة الحجر، التي وضعت الشارع الإسرائيلي أمام حقيقة أنه لا يمكن استمرار الاحتلال، وحصل اختراق سياسي، قاد لتقلبات إيجابية نسبيا في الشارع الإسرائيلي.

وحينما انعكست هذه التأثيرات في نتائج انتخابات الكنيست في العام 1992، وكانت كتلة الجبهة الديمقراطية هي القوة القادرة على حسم من يقود الحكم، وكذلك كتلة الحزب الديمقراطي العربي، التي كانت شروطها أخف؛ وضعت كتلة الجبهة بقيادة توفيق زياد شروطا سياسية أولا، على يتسحاق رابين وحزبه، ثم القضايا المدنية وسياسات التمييز، وجرى دعم الحكومة في أشهرها الأولى من الخارج، لكنها بقيت كتلة تحدي، وفي هذا كتبت أكثر من مقال موسع أشرح تلك المرحلة.

لم يتراجع حزبنا، ولم يخلع عنه مواقفه السياسية أولا، ثم الاجتماعية، تحت يافطة "التأثير"، فنحن لسنا حزب "كل ما تتزنق إقلع (إشلح)".

إن التأثير الأساس يكون بالنضال الميداني والالتصاق بقضايا الناس، وليس بالصفقات او التوليفات، بمعنى: نطرح ما نحن كاملا وفق ثوابتنا، وهذا يشكل اختبارا للآخرين.

 

عن التحالفات

 

مع استفحال التطرف في الشارع الرئيسي، بشكل خاص في سنوات الألفين، طرح الحزب مرارا إقامة جبهة ميدانية ضد مظاهر الفاشية وسياساتها، وحاور العديد من الجهات، إلا أنه لم يلق تجاوبا؛ فبدأت تظهر جهات تحاول القاء التهمة على الحزب والجبهة، وكأننا نحن العقبة أمام تحالفات ميدانية كهذه، نحن لم نكن رافضين بل مرفوضون، بالذات من قوى تظهر وكأنها "تقدمية" و"سلامية" ولكنها في ساعة الامتحان لا تفتك عن عقليتها الصهيونية، ورغبتها في تدجين الجماهير العربية في الدفيئات الصهيونية.

في السنوات الأخيرة، في كل ذكرى لعدوان حزيران 1967، تجري مظاهرة في وسط تل أبيب، في طليعتها الحزب والجبهة، ولم يرفض حزبنا أي جهة صهيونية تريد التظاهر ضد استمرار الاحتلال. فنرى ميرتس، رغم حضورها الهش، وحركات إسرائيلية سلامية، رغم أنها صهيونية. ولكن في اليوم التالي، لا نرى هذه القوى تتفاعل بالمستوى المطلوب، مع مظاهر العنصرية، والقوانين العنصرية والداعمة للاستيطان والاحتلال (41 قانونا بين العامين 2015 و2019).

حاول الحزب أيضا، خلال تشريع وبعد سن قانون القومية الصهيوني، إقامة تحالفات ميدانية ضد الفاشية، ولم يكن تجاوب على المستوى الجماهيري، بل كانت جمعيات وأطر ومراكز صغيرة، ليس لها امتداد شعبي. فحتى حزب ميرتس يوافق ويؤيد ما تسمى "يهودية الدولة"، وعارض مشروع قانون النائب الرفيق د. يوسف جبارين، لإرساء المساواة، لأنه يتعارض ولا يعترف "بيهودية الدولة".

وقانون المساواة، طرحه النائب الرفيق محمد بركة لأول مرّة في العام 2000، ويومها رفض رئيس الكنيست أبراهم بورغ، ادراجه على جدول أعمال الكنيست، لأنه يتعارض مع "يهودية الدولة".

واليوم بورغ في مكانة المتقاعد سياسيا، لا ملجأ له، وحاول مرارا أن يعود الى الحلبة السياسية، من خلال الجماهير العربية، دون أن تكون له قاعدة شعبية، مع تمسك أشد من طرفه لرفض المطالب الأساسية الجوهرية للجماهير العربية، وأولها الحقوق القومية.

في مطلع سنوات الألفين، خلقنا شراكة ميدانية في إطار حركة "تعايش"، التي كانت تناضل ضد الاحتلال ميدانيا، وأيضا ضد مظاهر العنصرية، وفي هذه الحركة كانت أغلبية يهودية، وعرب أيضا من كوادر الجبهة والحزب، ثم تلاشت الحركة.

وفي العام 2009، استقبل الحزب والجبهة بأذرع مفتوحة انضمام حركة "ترابط" للجبهة، وغادرتها بعد ست سنوات، وكان الخلاف الأبرز حول الموقف من سورية، وأمور أخرى، لا مجال للتوسع بها الآن، وللأسف فهذه الحركة ضعفت أكثر لاحقا.

لم يكن ولن يكون الحزب الشيوعي والجبهة رافضا لمثل هذه التحالفات، ولم يكن في أي وقت عقبة أمام تحالفات كهذه، مع التمييز الضروري بين التحالفات الميدانية، التي من الممكن أن تكون على قضايا عينية محددة، كشراكة كفاحية، إن كانت سياسية أو اجتماعية ونقابية، وبين التحالفات السياسية لخوض الانتخابات البرلمانية، التي تحتاج إلى حد أقصى من التوافق السياسي؛ فهناك خطوط حمراء لا يمكن التنازل عنها، في إطار التحالفات السياسية البرلمانية:

-       انهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967، وليس "في حدود 1967"، لأن الفارق كبير، وطبعا بما يشمل القدس، وهذا ليس "حلا عادلا"، بل هو حل الحد الأدنى الذي يمكن القبول به في هذه المرحلة، فمصطلح "سلام عادل" يبقى مغلوطا، منذ قرار التقسيم ولاحقا. فأن تقام دولة فلسطينية على 22% من فلسطين التاريخية فهذا ليس عدلا.

-       وقف كلي للاستيطان، واخلائه، ولربما تعديلات حدودية منطقية طفيفة.

-       الاتفاق على الحقوق المدنية والقومية للجماهير العربية في وطنها، فالتنازل عن الحقوق القومية، أو اعتبارها مسألة ثانوية يمكن التحاور حولها، هو اعتراف ضمني بقانون القومية الصهيوني الاقتلاعي العنصري.

لست أنا من يتجاهل الحق الكامل لعودة المهجّرين من وطنهم وفي وطنهم، إلى أراضيهم وقراهم، وأرفض استخدام مصطلح لاجئين، لأن فيه ما يعترف ضمنا، ومن دون قصد، بمزاعم الصهاينة، وكأن الفلسطينيين هاجروا بإرادتهم.

فأنا أسكن في الناصرة في حي الصفافرة، أي الحي الذي تهجّر اليه قسم من أهل قرية صفورية المجاورة، عدا الذين تم تهجيرهم إلى لبنان وسورية، يعني أنا أعيش يوميا وسط من نكبتهم المباشرة أكثر من غيرهم مستمرة، فكلنا ضحايا النكبة.

ولكن أنا أريد من هذا التحدي أن أرى قوى يهودية تتفق على تلك البنود الثلاثة، التي لا يمكن التنازل عنها، وإذا بقيت مسألة حق العودة هي العقبة، فحينها سأقول اتفقنا على هذا، ونحن متمسكون كليا بحق العودة الكامل، غير القابل للتأويل، وحينما نصل الى نقطة حق العودة سنفترق في هذا التحالف.

والكلام الذي ذكرته عن حق العودة هنا، وذكره بهذه الصيغة مؤلم لي، ويتناقض مع قناعاتي الشخصية وقناعات بيتي السياسي، ولكن أذكره فقط من باب التحدي. إن كل من يعارض حق العودة الفلسطيني، هو صهيوني، حتى لو أنكرها صهيونيته ليل نهار.

فهل هناك من يستطيع أن يشير إلى قوة جماهيرية يهودية تتفق على النقاط الثلاث الأولى، التي أي تنازل عن واحدة منها، ما هو إلا صهينة وتملق لجمهور القوة الطاغية الاستبدادية الاستعمارية.

 

نحن مرفوضون وليس رافضين

 

الشارع الإسرائيلي يزداد تطرفا يوما بعد يوم، وهذا ليس كلاما انشائيا، ولا دغدغة مشاعر، فهذا ما تدل عليه الوقائع، وأشير لها ليس فقط كسياسي، وإنما أسمح لنفسي القول بأنني باحث سياسي في السنوات العشر الأخيرة، عدا عن متابعاتي السياسية على مدى أكثر من ثلاثة عقود للخارطة السياسية في إسرائيل.

وفي السنوات الست الأخيرة، وضعت وأقود مشروع رصد القوانين ومشاريع القوانين العنصرية والداعمة للاحتلال والاستيطان، في مركز الأبحاث الفلسطيني "مدار"، في رام الله، والتقارير الدورية التي أصدرها عن هذا المشروع، صادمة الواحد تلو الآخر.

وحينما يزداد التطرف، ليس مطلوبا منا، نحن الجماهير الصامدة في وطنها، أصحاب الوطن، أن نتذلل لدى الأغلبية في محاولة للحصول على فتات حقوق، كما تفعل الحركة الإسلامية الجنوبية حاليا، من خلال كتلتها البرلمانية، "القائمة العربية الموحدة"، التي عرّت نفسها من كل مقولة سياسية، وموقف سياسي وطني.

وإذا وُجدت قوى يهودية سلامية إيجابية، فالمطلوب منها هي أن تبدي حسن النية وتتقرّب للجمهور الواقع تحت الاضطهاد، لا أن تطلب منه أن يشلح أكثر، كي تقبل به الأغلبية اليهودية. تماما كما ظهر في التقرير التلفزيوني الإسرائيلي، عن القائمة الموحدة، حينما قال "المستشار" لعضو الكنيست منصور عباس، لا تذكر الاحتلال في خطابك، لأن بتسلئيل سموتريتش لن يقبل بكلام كهذا. وسموتريتش هو زعيم الكتلة الأشد تطرفا في الكنيست، وفي قاعدة جمهورها، عصابات مستوطنين إرهابية.

الأحزاب الصهيونية الشريكة في الائتلاف الحاكم، بضمنها حزبي "العمل" و"ميرتس"، حتى أنها لا تراعي شريكتهم "القائمة الموحدة" في استمرار سياسات الاستيطان والاحتلال، واستمرار العدوان على قطاع غزة وسورية، أما القدس وأحيائها والمسجد الأقصى، فحدّث ولا حرج، فلماذا تراعيها طالما سكتت "الموحدة" عن كل هذا؟

وهذه الأحزاب لا تقبل بالجبهة، وأصلا الجبهة لا تعرض نفسها، لأن برنامجها الجوهري مرفوض عليهم، وهم يريدون العرب، حتى أقل من كتلة القائمة الموحدة ومنصور عباس. ونحن أيضا مرفوضون عليهم لأن قاعدتنا الأساسية هي الجماهير العربية، ولأننا نرفض قانون القومية الصهيوني الاقتلاعي، بكل بنوده.

أصلا أن تشارك في حكم إسرائيلي بشكل فاعل من داخل الائتلاف الحاكم، فهذا يعني قبولك بكل السياسات الحكومية: الاحتلال والاستيطان والتمييز العنصري، ولا تفسير آخر لكل هذا.

 

عنزة ولو طارت

 

في السنوات الأخيرة، حذّرت مرارا من جمعيات وحركات صهيونية تحاول التغلغل بين جماهيرنا العربية، ولها وكلاء "عرب"، تطالب العرب بالتقرب للشارع الإسرائيلي، وهذا التقرّب هو كلمة تورية للتنازل عن المبادئ والمواقف السياسية الوطنية الأساسية، التي من دونها لا وجود لنا. بمعنى أنهم يطالبون العرب بإبداء "حسن السلوك" تجاه المشروع الصهيوني، كي يحصلوا على بعض من حقوقهم، وهذا ما تطبقه الآن الحركة الإسلامية، ولن تنجح.

وهؤلاء الوكلاء يشنون هجمات من حين الى آخر، على الحزب الشيوعي والجبهة، ويتهمون قيادتها "بالتحجر"، ومنهم من يُصر على تسجيل ذروة جديدة بالوقاحة، في كل ظهور له في وسيلة إعلام.

وهذه الجمعيات الممولة من أثرياء وأطر صهيونية، تعمل على التيئيس، والنفور من الأحزاب الأساسية الفاعلة في شارعنا العربي، وأولها الجبهة والحزب الشيوعي، وفي الآونة الأخيرة؛ بتنا نرى تغلغلا لجمعيات تشجيع التجنيد في جيش الاحتلال، وما يسمى بـ "الخدمة المدنية"، وأنسنة جيش الاحتلال، والبوليس السياسي الإسرائيلي.

كذلك نجد البعض يزعم بوجود عشرات الآلاف في الشارع اليهودي، التي مستعدة للتحالف معنا والتصويت لنا، فأين عشرات الآلاف هذه، في وقت يغوص فيه الشارع الإسرائيلي في التطرف، فحتى حزب ميرتس الصهيوني قائم على كف عفريت، وفي الانتخابات الأخيرة، انطلقت الصرخات لإنقاذه من السقوط.

وبخصوص حجم الأصوات التي يدعيها البعض، لا أريد الخوض في نتائج الانتخابات التفصيلية التي توصلت اليها في العديد من الجولات الانتخابية، والأخيرة أيضا، ولسعادتي أن غيري من رفاقي من توصل لاستنتاجات شبيهة بطرق حسابية أخرى، فكفى لنثر الأوهام.

 

نحن نريد التحالفات

 

كل ما سبق ليس فيه اغلاق أبواب، ولكن لن نقبل بخلع الأبواب والجدران، تحت يافطة التأثير المزعوم.

لا يمكن ولا يجوز أن نكون مطالبين بالركض نحو تحالفات، لمجرد تحالفات، ونترك القاعدة الأساس واحتياجاتها التي نناضل لأجلها، كونها الضحية الأساس، ونسعى لوحدتها الكفاحية، وفق فكرنا الماركسي اللينيني، فنصل الى نقطة لا نجد فيها حلفاء، وفي ذات الوقت نكون قد فقدنا القاعدة الأساس.

لا يمكن تحويل مصطلح "توسيع التحالفات" إلى لازمة حدادي (مع عشقي لتراثنا)، وأن ننسى جوهر نضالنا وأهدافه، والسعي لتحقيقها بكرامة وانتماء.

كذلك يجب الفصل بين التحالفات الميدانية، لمعارك عينية سياسية واجتماعية ونقابية، وبين تحالفات سياسية انتخابية، التي تحتاج لتوافق شبه تام، وإلا فقدنا هويتنا، وبالتالي فقدنا حاجة وجودنا.

الشراكة العربية اليهودية الكفاحية الحقيقية عنوانها الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، التي بلور لها حزبنا الشيوعي برنامج حد أدنى، سياسيا واجتماعيا، وهو القاعدة السليمة لأي تحالفات تتوافق مع هذا البرنامج.

أنا أحذّر من بث خطاب التيئيس، وخطاب نثر الأوهام، وخطاب التذنيب، وكأننا نحن المشكلة.

أنا أعتز بكوادر حزبنا الشيوعي وهي مقبلة على مؤتمرها، بوعيها السياسي الفكري، فنحن حزب لم يكن في أي يوم من الأيام لديه رضى داخلي عن ذاته، بل منهمك دائما في الانتقاد الذاتي والبحث عن الخلل، ولا يمكن لجسم كحزبنا أن يكون من دون مواطن خلل، ونسعى للإصلاح، ولن ندعي الكمال.

أن تكون شيوعيا، يعني أن تكون ثوريا متحديا، لا ترضخ أمام التحديات. وحتى حينما تضع التكتيكات المرحلية، فإنك لا تتخلى عن قاعدتك الأساس، وعن فكرك الأساس، وإلا فقدت شيوعيتك، فكم من التكتكة الزائدة، تحولت الى كتكتة لاحقا.

قدما نحو حزب متجدد، على أسس واضحة، ببوصلة لا تتشوش، يقود تجدده على أساس فكره الأيديولوجي، بعيدا عن التأثيرات والأجندات الصهيونية والمتصهينة والخارجية الأخرى.

الصورة|  حزيران 2020: المظاهرة في ذكرى حرب 1967 العدوانية (تصوير: حجاي مطر)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب