نصائح أب لولده، الذي عزم على اتخاذ التدريس مهنة له| يوسف جمّال

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

يا بنيَّ.. أما وقد اصلب عودك، ونما طولك، وكبر عقلك، وعزمت ان تحذو حذو أجدادك المربين العظام وتأخذ من التدريس مسلكاً، فجدك الأول، كان مدرساً لرعيان النوق والجٍمال في ربوع عبقر، وأخوه كان مدرًّساً لصبيان قبيلة بني ذُهل، بعد سنين طوال تركهم. وأصبح حادياً للقوافل الرائحة الى الشام والقادمة منه، وأحد أجدادك العظام، أنتدب ليكون مدرّساً لأولاد حمّالي ميناء يافا، في ظل الدولة العثمانية العليّة. فكان يتقاضى راتبه من السمك الذي يصطادونه، فإذا بخل البحر عليهم، بات بين براثن الجوع.

وأحد أجدادك كان معلماً لصبيان بني ثقيف، قبل أن يرسله الخليفة الأموي والياً على العراق. فتعلَّم منه ما قال في خطبته بعد أن نقفوه بالحصى في رحاب المسجد. وقل أذا ما هوجمت من قبل الطلاب أو ذويهم، فقل كما جاء في خطبته المشهورة:

"أنا لا يقعقع لي بالشنان ولا يغمز جانبي كتغماز التين".

 فإن فهموها فسيقَّدرون عبقريتك، وإن لم يفهموها فسيظنون أنك قادم من بلاد المكسيك، منتدباَ من قبل هيئة الإغاثة الدولية. لتعليم البدو الرحَّل الذين يسكنون الصحراء المجدبة. ويعيشون على حليب النوق.

فيّا بني..

حافظ على مجد أجدادك العظام. فهم كما ترى نشروا العلم والتربية السليمة على مدى العصور، وفي مختلف ربوع بلادنا. فإذا اتخذت من هذه النصائح التي ورثناها عنهم نبراساً لدربك، فستكون طريقك مرصوفة بكل خير وتوفيق.

 

/من المعاش لن تنتعش.

إن معاش هذه المهنة لا يغني ولا يسمن من جوع، ولذلك يجب أن تحرص عليه، ولا تذروه في مهبِّ الريح.

 فأحد أجدادك، كان شيخاً يدّرس الصبية في كتّاب القرية.

كان يتقاضى من كلِ طالب من طلابه بيضين ورغيفين من الخبز في كلّ اسبوع..

ومن أجل أن يضبط حساباته مع الطلاب، كان لديه مرطبانين.

وضع في أحدهما حصوات تساوي عدد أيام الشهر، وصار في كلّ يومٍ ينقل حصاة من المرطبان الملآن الى الفارغ، فإذا فرغ الأول من الحصى، معنى ذلك أن الشهر انتهى.

فيبدأ جدك بتحصيل معاشه من طلابه من جديد. وكلُّ طالب يعرف دوره وترتيبه في أيام الشهر.

فكان يأكل في كلّ يوم بيضتين، ويوَّفر الباقي فيشتري بها لاحة من القمردين، فتذيبها زوجته بالماء، ويغمِّس بها لقماته شاكراً.

في إحدى ليالي رمضان، استيقظت زوجته في السحور فتناولت لاحة القمردين، وأرادت تقطيعها لتضعها في الماء، فأعجزها نظرها ووهن قوتها، فتناولت السكين وقطَّعتها الى قطع صغيرة، ووضعتها في صحن الماء.

ولما جلست مع زوجها الشيخ ليتناولوا سحورهما.. ظهرت الحقيقية المؤلمة..

في الصحن كانت قطعاَ من طربوش زوجها الشيخ. فغضب غضباً شديداً، وكال لزوجته سيلا من اللعنات. وذهب الى الكتاب لأوّل مرة بدون طربوش.

 

/يا بني انتهج تبتهج!

 

انتهج جاءت من المنهاج. ومنهاج مدارسنا أصله مخطوطة جاء بها يعقوب ابن إدلشتين من سيبيريا، وحطًّ ردحاً من الزمن في قرية تقع في الغابات السوداء بين تشيكيا والمانية، وأحضرها معه عندما هاجر الى بلادنا على نفقه الانجليز. ولما عرضها على وزارة معارف دولتنا الفتية، لم يقبلوا بها "للسكتور" اليهودي فرمونا بها، رحمة بنا من منهاج الدولة العثمانية العليّة!

فخذ به - يا بني - اتخذه دستوراً لحياتك التعليمية والتربوية. فإذا قال ان اللد "لود" فقل مثلهم. فان لم تقل كذلك فستصبح عدوَّهم اللدود. وإذا قالوا فيه ان عكا - عكو - قبل مجيئهم كانت صندوق رمل، فقل أن رومل خطَّط فيه خطَّط معاركه ضد الانجليز. وإذا قالوا فيه ان سيبويه كان يعمل "هفهافا" للملكة اليزبيث، فقل إن مهفَّته ما زالت معروضة في متحف "الهاجناه"، أحضرها فايتسمان معه بعد ان تسلَّمها هديَّة من الملكة.

 

/كن بصّاماً يا ولدي

وهذه الكلمة جاءت من البصمة. وأنت تعرف ان البصمة متوارثة في عائلتنا السنيّة من جيل الى جيل. وبصمتنا- بصمة عائلتنا - تظهر في كل زمان ومكان، فجدُّنا هو أوَّل من بصم على وأد البنات. التي كان يقوم بها شيخ قبيلة عبقر.

وهو الذي بصم للقائد التتري، على تصريح إلقاء مخطوطات مكتبة بغداد في نهر دجلة، لتحوِّل لون مائه الى اللون الأسود.

فلا تخجل ولا تتردد...

ابصم على ما يقوله ويعمله المدير، فإن قال ان الملوخية فاكهة.. فقل إنها فاكهة العرب.

وإن قال: انه حليب التيس فقل أنك لا تحبُّ الا أكل جبنة التيوس. وان قال ان القملة برغوث. فاقسم يا بني أن الادعاء بوجود مخلوق القمل فرية من عمل الشيطان. وان قال ان أفلاطون كان نوعا من البطيخ أنتجته أثينا. فقل إنك قرأت عن ذلك في الإلياذة.

إبصم - يا عبقري إبصم!

 

 

/يا بني:افتتش. تنتعش!

جاءت من كلمة مفتش وجمعها مفتشون. وهم يقولون ان جدهم الأول أرسل من قبل الخليفة العثماني الى بلادنا مفتشا للبلاد والعباد.

ويقولون أيضاً أن في عروقهم تجري دماء آل البيت، فإذا فتشت في دمائهم فتجدهم معصومون عن الخطأ. فالجنَّة تحت أقدامهم. فإذا أردتها فهي هناك.

 ولما جاءت اسرائيل اعترفت بعصمتهم ولذلك - يا بني- اعتصم بهم. وإذا اجتمعت بهم، فاستجمع كل قواك وضعها تحت أيديهم. وإذا أرسلوا لك كتاباً فاتخذه حجابا يقيك من غدر الزمان. وإذا قالوا في عزِّ الصيف ان السماء تمطر فاحمل شمسيتك. وإذا قال أحدهم انه أرسطو فارفع له تحيّة التعظيم باللغة الاغريقية. وإذا "عطس" فامسح أنفك. لعله - يا بني- يرضى عنك ويضمك الى رعيته، ولا تنسَ النصيحة الاولى. ابصم تسلم. افتش تنتعش.

 

كنْ دوّاسا خناسا!

دوّاسا هنا من كلمة دوسيه. هذه الذي يعشقها المديرون والمفتشون.

كبّرها! زيّنها!.. دوِّس تنجح وتعلو. أكمل ما دوَّسه أجدادنا العظام. خذ دوسيتنا العريقة التي تتوارثها عائلتنا من جيل الى جيل، والتي كتبها أجدادنا في ماضينا الضارب في عمق التاريخ على الحجارة وسعف النخيل ورقاع الجلد. وبعد ذلك نُقلت على أوراق الوراقين في عصر التتري. وبعد ذلك طُبعت في برلين عاصمة الرايخ الثاني. دوسيتنا لها ميزة فريدة من نوعها. لم يقرأها أحد من قبل ومن بعد. وأنّي اوَّد - يا بني- ان احيطك علماً، انه لن يقرأها أحد من المديرين والمفتشين، ولكن جمالها الأخاذ سيجعلها تفوز بكل الجوائز الممكنة. كيف لا وهي سمينة الأرداف وملوّنة الوجوه وشيِّقة الغمازات.

كن دوّاسا خناساً تنجح.

 

/يا بني- وفقك الله - مئّي.

وكلمة مئِّي نحتها من كلمة مئة. العلامة التي كتبت على استار الكعبة في الجاهلية. فهي المعلقة الثامنة. هي كلمة سحرية إذا استعملتها - يا بني - بحكمة تسدُّ أفواهًا وأفواه. فأنت تقول للطالب بعلامة مئة: أنك الكسائي في صغرك. وستكون أديسون في كبرك. مئيه تصبح أرسطو في نظرة و نظر أبيه. الذي سيقتنع ان ابنه لا يقلّ علماً عن مالك بن انس، الذي ورث العلم عن أبيه، وان أمه حملت به من ظهر "فحل"، صبَّ الماء على يدي سيبويه، أو حملت به الخنساء قبل ان تثكل أخيها صخر.

مئي...مئي! - يا ولدي- تسلم. والمدير سيظن نفسه عندما يرى المئات على وجوه طلاب مدرسته، أنه مدير لمدرسة الحكمة في زمن الخليفة المأمون. أو عميد لجامعة اكسفورد. أو أنه كان معلماً لمحمد الفاتح عند دخوله القسطنطينية فاتحاً. وان لم تفعل.. أي لا "تمئِّي". فسينفضُّ الخلان من حولك، وستكون علامتك الصفر في سلم التربية السليمة. وسيقولون إنه يتخرَّج من بين يديك طلاب لا يعرفون "خمسهم من طمسهم"، وأنهم أقلُّ معرفة من تيوس الماعز التي إن أطلقت تعرف امهاتها.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية