يقدِّم محمّد نفّاع سيرته على شكل مجموعةٍ قصصيَّةٍ جاءت في اثنين وعشرين قصةً، كلّ قصةٍ مستقلةٍ عن الأخرى، بمعنى أنّه يمكنكَ أن تقرأها بمعزلٍ عن القصص الأخرى دون أن تفقد من جوهرها.وإذا جمعتها معًا تتشكّل لوحة شاملة خطّها نفّاع بأسلوب شائقٍ،ملتزمًا بمعايير السّيرة من جهة وبالجانب الجماليّ من جهةٍ أخرى.
افتُتح الكِتاب الأوّل من السّيرة بشيء من الفكاهة، بقصةٍ تعود إلى سنوات الثلاثين (من القرن العشرين) تناول فيها عودةَ والده من الأرجنتين بعد غياب ستةٍ وعشرين عامًا هربًا من التجنيد في صفوف الجيش العثماني؛ولعلّ ذلك أثّر على وعيه السّياسيّ والقوميّ. ثم صوّر مجريات طفولته وأحداثها بعباراتٍ مشرقةٍ راسمًا بذلك صورةً عامّةًعن الحالة الاجتماعيّة، الاقتصاديّة، السّياسيّة والثّقافيّة التي كانت سائدة حينها.
يجمع محمّد نفّاع بين الأدب والسّياسة، فهو سياسيٌّ في أدبه وأدبيّ في سياسته؛ أديبٌ ملتزمٌ ينتمي إلى الواقعيّة الاشتراكيّة.
- الواقعيّة الاشتراكيّة
يحمل نفّاع رايةً وطنيّةً وحزبيّةً لم يضعها جانبًا في أيّ عملٍ قدَّمه، وقد جاء ذلك صريحًا في بعض القصص، بل صريحًا جدًّا، وخفيًّا في البعض الآخر. أمّا هذا العمل، أقصد السِّيرة، فلم تخنقه السّياسة.
إنَّ الأديب محمّد نفّاع منتمي سياسيًّا، ويشكّل انتماؤه القاعدةَ الفكريّةَ التي ينطلق منها أدبه. يُعتبر نفّاع من أهمّ كتّاب المذهب الواقعيّ الاشتراكيّ، وقد حاول أصحاب هذا المذهب أن يقدِّموا صورةً صادقةً للمجتمع الفلسطينيّ بكلّ ما يملكونه من أدواتٍ، وذلك بهدف تقديم شهادةٍ تاريخيّةٍ للواقع.
يمكننا إيجاز أبرز خصائص المدرسة الواقعيّة الاشتراكيّة في سيرة نفّاع، وفي أدبه عامّةً، بما يلي:
- الانطلاق من الواقع الماديّ مع إدراك بنية المجتمع والصِّراعات، فالواقع هو الصّورة الصّادقة للمجتمع.
- تقديم رسالةٍ جوهريّةٍ يسعى الأديب من خلالها إلى بناء مستقبلٍ أفضل.
- الالتفات إلى الصّراع الطبقي وإلى جوهر التناقضات الجدليّة في هذا الصّراع.
- تجاوز تصوير الواقع نحو التأكيد على النِّضال ضمن إطار الجماعة.
- الإيمان بوحدة قضايا الشّعوب وإدانة جميع أشكال الاستعمار والتمييز العنصريّ والدّيني.
- توظيف اللّغة السّهلة دون إهمال الجانب الفنّيّ، فالواقعيّة تتوجّه للجماهير في خطابها.
- التركيز على دور الفقراء والطبقة الكادحة.
الواقعيّة الاشتراكيّة مدرسةٌ أيديولوجيّةٌ، والأدب الواقعيّ الاشتراكيّ هو أدبُ التلاحمِ مع الجماهير، النّضال معها ومن أجلها، والنّضال ضدَّ الطبقة المستغِلة، ضدّ الرجعيّة، الأصوليّة والانتهازيّة وكلّ ما يشكِّل عائقًا في مسيرة الجماهير. وفي هذا السّياق نشير إلى بعض المسائل التي طرقها نفّاع، منها: مصادرة الأراضي (ص 33، 186)، مصادرة عيد الفطر (ص33)، المظاهرات ودخوله السّجن بسبب رفضه للتجنيد الإجباريّ (ص 135)، والتصدي لمن يشيد بالدّولة (نحو حادثة سرقته لخطاب مدير المدرسة الذي يشيد بالدّولة، فأفسد عليه قراءته وفُصِل، ص 186).
تجدر الإشارة إلى أنَّ بعض الأحداث التي جاء ذكرها في السِّيرة وردت في أعمالٍ أخرى للأديب نفسه، نذكر على سبيل المثال:
- حكايته كيف أصبح متديِّنا في جيل الثامنة ثم ترك الدّين وتوجّه ليُكمل تعليمه في مدرسة الرّامة، ثم تفرّغ للعمل السّياسي (ص 113- 114).وقد جاء ذكر هذه الحادثة في قصة "ذات الرّداء الأحمر" ضمن مجموعة ريح الشَّمال.
- قصة عليخربوش ابن عرابة الذي استُشهد على جبل الجرمق (ص 132)، ورَدَتْ هذه الحادثة في قصة ريح الشّمال.
- التهريب (ص 125)، وله قصة بعنوان:"المهرّبون" (وقد صرّح بذلك في السيرة ص 131).
لا نعتبر هذا التقاطع بين ما جاء في السّيرة والأعمال السّابقة تكرارًا، إذ يعود ذلك إلى صِدق المؤلِّف، إلى الواقعيّة التي ينتهجها، فكلّ ما كتبه ينطلق من أحداثٍ واقعيّةٍ حقيقيّةٍ، فكان لا بدَّ من ذكرها في السّيرة أيضًا. فالواقعيّة موقف لا أسلوب.
تتجلّى واقعيّة هذه السّيرة كذلك، من خلال ذِكر أسماء الأماكن والشّخصيّات، وتجدر الإشارة إلى أنَّ المؤلِّف ذكر أكثر من ثلاثمائة وخمسين اسمًا، وكلّها أسماء واقعيّة حقيقيّة، مما زاد العمل مصداقيّةً وواقعيّةً.
إنَّ السِّيرة لا تنفصل عن المحيط المجتمعيّ، إذ تعرض الفرد في نطاق المجتمع وتكون أعماله متّصلةً بالأحداث المحيطة. تجمع السّيرة بين التّاريخ والإيقاع القصصيّوتتعرّض للحياة الشخصيّة في جوهرها التاريخيّ، فتسجِّل الحقيقة دون كذب وافتراء واختلاق.
- الأساليب الفنّيّة
توظيف ضمير المتكلِّم
وظّف نفّاع في هذا العمل الضّمير الأوّل، المتكلّم، إلا أنَّ صوته هذا يحمل صوت الجماعة، فهذه الأنا تعكس صوت الأديب الفرديّ الذي سخّر قلمه ليرسم المكان ويصفه وصفًا دقيقا مؤكّدًا عشقه للأرض، من جهةٍ، كما تعكس صوت الجماعة، من جهةٍ أخرى. فالهموم والقضايا التي يحملها نفّاع إنّما هي هموم وقضايا جماعيّة.
لقد مزج تجربته، ذاكرته، بالتجربة العامّة، بالذاكرة الجماعيّة، أراد بذلك تأكيد وتعزيز الانتماء للوطن وللثقافة؛ فثقافتنا هويتنا، إن فقدناها دخلنا في زوبعة الضّياع.
وبهذا يحقّق نفّاع أحد ضوابط السِّيرة النّاجحة وهو الربط بين تاريخ الفرد وتاريخ الشّعب. فالسّيرة ليست مجرّد استذكار لأحداثٍ شخصيّةٍ، إنّما تأتي محمّلةً بمؤشّراتٍ اجتماعيّةٍ، زمكانيّة وأحداث تاريخيّة.
إنَّ توظيف الضّمير الأوّل يعزّز البُعد الواقعيّ في هذا العمل، فالأحداث مستقاة من الواقع، كما يُسقط المسافة بين النّصّ والمتلقي.
اللّغة والأسلوب
تجسّد اللّغة في أدب محمّد نفّاع مظهرًا من مظاهر الانتماء، وذلك من خلال حرصه على توظيف التراث الشّعبيّ الفلسطينيّ، استخدام اللّغة التراثية أي توظيف الأمثال، الأغاني الشّعبيّة، العادات، التقاليد، إلى جانب التعابير العاميّة وغيرها، وذلك عبر تقنيّاتٍ فنّيّةٍ خاصّةٍ.
إنَّ اللّغة المحكيّة التي يطعِّم بها نصوصه جاءت في خدمة النّصّ الأدبيّ دون تكلُّفٍ، قدَّم من خلالها تصويرًا واقعيًّا لأحداث بلدته، بما في ذلك اللّغة النّاطقة عنها. فهو يكتبُ أدبًا واقعيّا واللّغة المحكيّة جزءٌ لا يتجزّأ من هذا الواقع والتراث.
إنَّ الدَّمج بين الفصحى والمحكيّة بمستوياتهما المختلفة دون تكلّفٍ، إلى جانب تطعيمها بالعبارات، الأمثال والألفاظ "البيت جَنيّة"، الشّعر والقصص الطريفة وتوظيفها في المكان المناسب، أثْرَت لغته وساهمت في تخصيبها، كما عمّقت الدّلالة وساهمت في بلورة المعنى.
واللغة عند نفّاع غاية ووسيلة، بها ينقل واقعه الفلسطينيّ، بها يؤكّد انتماءه، وبها يتحدّى كلَّ من يسعى إلى سلخ اللّغة العربيّة وطمس الثقافة العربيّة الفلسطينيّة.
يميل محمّد نفّاع إلى الكتابة الواضحة بعيدًا عن الترميز، والقارئ في ظلّ نفّاع لا يكون قارئا سلبيًّا متلقيًّا، ولا قارئا منتجًا للمعنى، إنما قارئا متفاعلا لما يقدِّمه النّصّ. وبالرغم من عدم لجوئه إلى الرمز إلا أنّه يستعين بأساليب فنيّةٍ أخرى، أطلق عليها بروفسور إبراهيم طه "التقنيّات التعويضيّة" (راجع مقال: "محمّد نفّاع أديب الجماهير"، نُشر في صحيفة الاتحاد بتاريخ 5/7/2019)، نحو الاستطراد، السّخريّة، الفكاهة، الوصف واللّغة الخاصّة.
إنَّ الابتعاد عن الترميز والتعقيد يعود إلى طبيعة الحياة التي ينقلها نفّاع (الرِّيف) والتزامه برسالةٍ تتمثّل بالبساطة والوضوح.
تجدر بنا الإشارة إلى حضور بعض الوسائل البلاغيّة كالتشبيه في بعض العبارات العاميّة والأمثال، نحو قوله: "وأنا أول طلعتي مثل مقليع الطّسّ من بيت اشْقع لبيت ترْقَع"(ص 126) ووصفه للعَتمة بالكحل: "والدنيا عتمة مثل الكحل"، وقد كرَّر هذا التشبيه في أكثر من موضع في السّيرة (ص 12، 123، 126-127).
أمّا السّخرية والفكاهة فجاءت بعدّة أشكال وبمستويات مختلفة، وأحيانًا كثيرة كانت مُرّة، ونذكر، في هذا السّياق، سخريّته من أولئك الذين أخذوا يصفّقون لبن غوريون في خطابٍ له في جولس حين قال بيتًا شِعريًّا في اللّغة العربيّة أثناء خطابه (ص 167- 168).
إنَّ عنصريّ السخريّة والفكاهة التي تلوح في أدبه تخرج من رحم واقعٍ أليمٍ،وجعٍ قديمٍأو معتقدٍ سقيم.
الحوار
استخدم نفّاع أسلوب الحوار ليمثّل ما يدور في نفسه، أو بينه وبين الآخرين أو بينهم وبين غيرهم، فجاء ذلك بأسلوبٍ عذبٍ يثير المتعة في النّفس. إنَّ أسلوبه العذب يكمن في اللّغة التي يستخدمها، اللّغة البعيدة عن التعقيد والتكلّف.
إنَّ توظيف الحوار يُخرج النّصّ من رتابة السّرد، فيُبعد عن القارئ الملل، يُضفي واقعيّةً على الأحداث ويحافظ على حيوية العمل الفنّي. كما أنعش المؤلِّف السّرد ببعض الأخبار الأدبيّة والاجتماعيّة إلى جانب الأشعار والأناشيد، والأغاني وقد نسب بعضها إلى قائلها.
الجانب التعليميّ
اعتمد نفّاع أسلوب التفصيل والتفسير في عمله بهدف التوثيق والتعليم، فهو يدرك بأنَّ قارئه قد لا يتعرّف على بعض الأمور. وقد وجاء ذلك في أكثر من شكلٍ، منها:
- ذكر أسماء أماكن والتنويه لاسمها الحالي، نحو: "الراس لِحْمَر" ويتبع قائلا: "اليوم كيرم بن زِمرا" (ص 12).
- ذكر مصطلحات وشرحها، نحو: التتخيتِة "أي صرار صغير بين عمار الحجر" (ص 15).
- النباتات، نحو ذِكرِ العنبِ، أنواعِه وأسمائه (ص 180)
- توجيه القارئ، نحو قوله: "كانت بناية المدرسة قُبال دار الياس... عند مركز حنا مويس الثقافي اليوم"(ص 140).
لا تخلو السّيرة من رأيٍ، توجيهٍ أو تلميحٍ سياسيّ عفويّ نابعٍ من خلفيّته الفكريّة، فالكاتب الأيديولوجيّ لا يكتب فقط إنّما يطعِّم نصوصه بتوجيهٍ وبفكرٍ كذلك. فالأدب ليس الجانب الفنيّ والكشف عن جزالة الألفاظ فقط، إنما أيضًا الكشف عن القاعدة الفكريّة، فهي تشكّل عنوان الأثر الأدبيّ وتدلّ على الموقع التاريخي، السّياسي والاجتماعي الذي يقع فيه ذلك الأثر.
السّيرة في ظلّ الأعمال الأخرى
ترتكز هذه السّيرة على عنصري التشويق والإمتاع، وتمتاز بالعديد من الخصائص الفنيّة، منها:
- سهولة اللّفظ ووضوحه.
- الدّقة في اختيار الألفاظ، ومنها قوله: "كانت دابة ميتة على الطريق يمكن مدهوكة"، قد يعتقد المتلقي أنّه استخدم لفظ "مدهوكة" لأنَّ العبارة تميل إلى العاميّة؛ إلا أنَّ هذا التوظيف لم يأتِ عبثًا، فلفظ الدّهس لا يقدّم الدّلالة التي تحملها كلمة الدّهك (الدّهس هو الدّوس الشدّيد أمّا الدّهك فهو التكسير والطَّحن).
- الإيحاء، رَسَم بلغته دلالاتٍ تتجاوز المعاني اللّغويّة وتضيف عمقًا، منها المقاطع الوصفيّة، نذكر، على سبيل المثال، وصفه للطّبيعة عند عودته من أرض الخيط؛ وصف يوحي بواقعٍ جديدٍ (ص 159).
- الوصف الدّقيق.
- تطعيم العمل بالطرافة والترفيه فلا يقع القارئ بمللٍ.
- إجادة حبك الأحداث وسبكها.
- انفصال الفصول واتّصالها، كما سبق وذكرنا في بداية حديثنا.
- توظيف التراث الشّعبيّ بصورة محكمة.
- التفاعل مع الأحداث وتمثيلها.
- الأسلوب السَّلس والنقيّ نقاء الفكر الذي تميّز به، وهو أسلوب العالِم المتأثّر بفكره الأيديولوجيّ.
- المزاوجة بين التصوير الواقعيّ والتأليف الفنيّ.
وعليه، تؤكّد هذه السّيرة إذا قرأناها في ظلّ الأعمال النفّاعيّة الأخرى، بأنّها استمرار لها، أمّا إذا قرأناها في ظلّ الأعمال السِّيريّة الأخرى فنرى أنَّنا أمام رائعةٍ من روائع السِّيَر الذّاتيّة.
- العتبات النصيّة
العنوان: جبال الرّيح
العنوان "جبال الرّيح" مركّب بالإضافة، والعنوان المركّب بالإضافة يحمل عنصر التحفيز والتشويق ويتيح للقارئ إمكانية التخمين فيشارك الكاتبَ في تحديد دلالة العنوان، وبهذا يكون فعّالا في إنتاج الدّلالة النصيّة للوحدة الصّغرى، أي العنوان.
يتكوّن العنوان من مكوِّنين: الجبال وهو مدرَك مادّيّ مكانيّ، يحمل دلالات الثّبات والرسوخ، والريح وهي مدرَك معنويّ تحمل دلالات الحركة والاضطراب. إنّ إسناد كلمة الرّيح للجبال، جعل للرّيح، وهي أمر معنويّ، لباسَ الماديّة الحسّيّة، على سبيل التجسيم، ونقصد بالتجسيم جعل المعنويّ حسّيًّا، أو نقل المعنى من المفهوم المعنويّ إلى المادّي الحسّيّ.
والجبال هي الطبيعة التي ترعرع فيها نفّاع منذ طفولته، الطّبيعة التي تزيّنت بالنّقاء وبالهدوء، قبل أن يغتاله العدوان. العدوان المعبَّر عنه من خلال كلمة "الريح" برمزيّتها، إنَّ دال الرّيح (حين يكون مفردًا) يأتي مرتبطًا، غالبًا، بالسّلب والاندثار والعَذاب، أمّا في الجمع (الرّيّاح) فتكون للرحمة. نذكر من أمثالنا العربيّة: "الباب اللي بجيك منه الرّيح سدّه واستريح"، فتتصل الرّيح هنا بالمشاكل؛ ونقول: "اللي بتجيبه الريَّاح تقتلعه الأعاصير"، على اعتبار أنَّ الريَّاح تجلب السّحاب الماطر فينبت الزّرع أمّا الأعاصير فتقتلعها، كما يُضرب مثلا في المال الذي يُكتسب بسرعه فيزول.
وكذا هو الحال في الكتب الدينيّة؛ لقدجاء لفظ الرّيح في القرآن الكريم بمعنى العِقاب والعَذاب، نحو الرّيح العقيم، وهي الرّيح التي لا بركة فيها ولا تأتي بخيرٍ، والريح الصَّرصر، الرّيح شديدة الصّوت،الهبوب والبرد، والتي تقتلع النّاس من مواضعهم.
بالمقابل، جاء لفظ "الريّاح" (بصيغة الجمع) محمّلا بدلالات إيجابيّة، نحو: [وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا...] (الأعراف 57)، وأراد الرّيّاح اللّيّنة الطيّبة التي تُبشِّر بالغيث، فإذا حملت سحابًا كان محمّلا بالمطر من أجل سقي أرضٍ قد أجدَبَتْ.وأيضًا "الرياح اللَّواقِح" (الحجر 22)، وهي الرّياح التي تُلقِح السّحاب فيحمل بالمطر وبالخير.
وكذلك الأمر في الكتاب المقدّس، فقد جاء لفظ الرّيح محمّلا بدلالات العَذاب في عدّة مواضع، منها: "وَرَآهُمْ مُعَذَّبِينَ فِي الْجَذْفِ،لأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ ضِدَّهُمْ" (إنجيل مرقس 6: 48). أمّا الرِّياح فجاءت في سياق الدلالات الإيجابيّة، نقرأ مثلا: "الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا...." (رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين 1:7). وأراد بالريّاح الأرواح.
والرّيح في أدب محمّد نفّاع جاءت في أكثر من عمل، نحو "قصة البيت"، يقول: "وعندما يبصبص الأثاث في زوايا مرَّت عليها ريحٌ قاحلةٌ"، والرّيح القاحلة هي الريح الجدباء، اليابسة، التي لا تحمل المطر وتُنبئ بالجفاف.
وللكاتب مجموعةٌ قصصيّةٌ بعنوان "ريح الشَّمال"، وريح الشّمال ريحٌ باردةٌ عذبةٌ، وجاء أنّ العرب يتشاءمون منها لأنها تأتي بالبرد والصّقيع وتُنبىء بانقطاع المطر وبقدوم القحط.
أمّا في هذا المؤلَّف (السّيرة) فقد ورد ذِكر الرّيح بصيغة المفرد عدّة مرّات، وكلّها تحمل دلالات سلبيّة، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: "الريح الشَّماليّة كانت تطيّر أشوال القمح والشّعير عن بيادر نحف والرامة" (ص 19)، فالريح أذرت المحصود.
إنَّ إسناد الشَّمال للريح أكسب التعبير دلالات أخرى، حيث حملت ريح الشّمال رائحة اللاجئين في لبنان، وفي الشّمال أراضي الخيط التي صودرَت، وإلى شمال بيت جَن يقع جبل الجرمق، ذلك الجبل الذي رافق نفّاع في كتاباته، فيه مشى ياسر عرفات من لبنان إلى فلسطين، وفيه استُشهد علي خربوش ابن عرابة (كما يذكر في سيرته ص 132).
وعليه، فإنَّ ريح الشَّمال، في هذه الأعمال، تتّصل بدلالات المصادرة والتهجير وسلب الأراضي والاندثار!
لقد حمّل نفّاع العنوان بهذه الدّلالات، دلالات العَذاب والاندثار، من خلال الصّورة التجسيميّة التي منحها للريح والتي جعلها على هيئة الجبال، وذلك للدلالة على هيمنة الاحتلال ورسوخه في أرضٍ ليست له، الاحتلال الذي أحكم قبضته وفرض سيطرته على أرض الوطن جاعلا إيّاه مرتعًا للمستعمرين.
كذلك، يأخذنا عنوان الكتاب (جبال الريح) إلى جبل الرّيح (بالإنجليزية: Mount Sharp)، ويسمّى أيضًا جبل الشّارب. وهو جبل عالٍ في كوكب المرّيخ، ويُعتقد أنّه تشكّل نتيجةً لطبقات الرواسب على مرّ الزّمن.
يبدو أنَّ جبال محمّد نفّاع تكوّنت من خيوطٍ ثقافيّة، سياسيّة واجتماعيّة، تأثّرت بالاحتلال الذي فرض سيطرته منذ أكثر من سبعين عامًا؛هذه الجبال هي الصّور السياسيّة التي يحملها نفّاع في ذاكرته، المعاناة التي عانى منها، لكنه بنضاله وفكره يتجاوز هذه الجبال ويحاول أن يصل إلى قمةٍ أعلى منها، ليقف في وجه مَن استولى على هدوء بلادنا.
إنّ عنوان السّيرة "جبال الريح" هو عنوان ثيماتي للمجموعة كلّها (وإن توفَّر واحد منها فقط)، لأنّه يرصد من خلالها أبعادًا عدّة تشكّل خيوطًا هامة ومحورًا أساسيًّا في هذه المؤلَّف. فالعنوان يتصّل بالنّص يحمل بعضًا من معطياته كما أنَّ النّص يعكس ما يحمله العنوان.
شذرات من سيرة ومذكِّرات
لقد ذيّل المؤلِّف العنوان الرئيسيّ بآخر ثانويّ وصفيّ: "شذرات من سيرة ومذكِّرات"، مجنِّسًا عمله هذا. يضعنا المؤلِّف بين شذرات سيرته والمذكّرات، والمذكّرات شكلٌ من أشكال السّيرة الذّاتيّة. الفرق بينهما أنّه في الأوّل (السّيرة)، الموضوع الأساسي هو الفرد أمّا في الثاني (المذكرات)فالموضوع الرئيسيّ هو المجتمع، أي تركّز المذكّرات على التاريخ المجتمعيّ لا الشّخصيّ. ويلعب كاتب المذكِّرات دور شاهد العيان على أحداثٍ تاريخيّةٍ وقعت أمامه وقد يكون هو الآخر متورّطًا في الأحداث.
تجدر الإشارة إلى أنَّ الفرق بينهما (بين السيرة والمذكّرات) ليس مطلقًا، إذ لا توجد سيرةٌ تخلو من الأحداث الاجتماعيّة والسياسيّة التي تطغى على المذكّرات.
يعتمد الراوي المذكّراتي الاسترجاع وإعادة "حكي" مشاهد ويكتبها بشكلٍ يميل فيه نحو التاريخ، الأحداث والموضوعات أكثر من الشخصيّة (كما هو متبع بالسّيرة). وفي المذكرات يكون الراوي أكثر حريّة، فيسرد شيئا ويغفل آخر. وهذا الأمر لا يمنع وقوع تداخلات أو تقاطعات بين السّيرة والمذكرات.
إنَّ هذا العنوان الوصفيّ ترجمةٌ ذكيّةٌ لإشكاليّة تعريف السّيرة، حيث صرّح العديد من دارسي السِّيرة نحو لاكان وفيليب لوجون الفرنسيَّيْن بأنَّ السّيرةَ الذّاتيّة عمل مستحيل، أرادا بذلك استحالة نقل مجمل التفاصيل بشكلٍ أمينٍ.وقال الفرنسيّ بولريكور عن السّيرة بأنّها حكايا انتقائيّة واقعيّة يرويها الكاتب بضمير الأنا.
وعليه، يكون نفّاع قد أبدع حين أوجز ذلك من خلال العتبة الفرعيّة معبِّرًا عن ذلك بإيجاز بليغ، معلنًا للمتلقي أنَّ ما سيقرأه هو مقتطفات من سيرة عريضة ومذكّرات. وبهذا ينفض عنه قيود السِّيرة وحدود المذكّرات ويجمعهما معًا في عملٍ شائقٍ.
عنوان الكتاب الأوّل: طفولة في حضن الجرمق
يحدِّد نفّاع من خلال هذا العنوان المرحلة التي سيتحدّث عنها. تدلّ كلمة "حضن" على الدفء والطمأنينة والسّلام وتتَّصل بالحقل الدّلاليّ "الطفولة"، وقد جعلها المؤلِّف للجرمق، وهو جبلٌ محاذي لقرية بيت جن، أعلى جبال فلسطين.والجرمق من الأمكنة التي تسكن ذاكرة نفّاع لا تغادره ولا يغادرها.
لا بدَّ من الإشارة إلى تجانس الألفاظ: حضن، الطفولة والجرمق، فالجرمق مكان رحميّ بالنّسبة لنفّاع لا يتحرّر منه؛ منه انطلق كفرد، كأديب وكسياسيّ. وهو مكان حنينيّ، يحنّ له، يحنّ لذلك الماضي، قبل أن تصفعه يد الاحتلال، تهجّر اسمه وتحرّك فيه ريح الاضطراب.
الجرمق ذلك الجبل الذي نبت منه قلمه، ذكره نفّاع في عدة قصصٍ. كتب في بداياته قصيدة بعنوان الجرمق أرسلها عام 1964 إلى مجلة الجديد، ولم تُنشر فاتجه إلى القصة القصيرة، وكتب قصته "العودة إلى الأرض" ونُشرت في المجلة نفسها في العام نفسه؛ وهكذا تحوّل إلى كتابة القصة (ص 205-206).وله قصة قصيرة بعنوان الجرمق في مجموعته القصصيّة "التفاحة النهريّة"، وهي أكثر من قصة، هي توثيقٌ تاريخيّ لحدثٍ هام، أراد من خلالها التأكيد على أهميّة الدِّفاع عن الأرض وتعزيز الانتماء.
يكتسب هذا العنوان في ظلّ العنوان الرئيسيّ (جبال الرّيح) أبعادًا أخرى، أبرزها: فترة طفولته، حادثة الجرمق، التهجير، مصادرة الأراضي، مقاومة أهل البلدة.
وها هو يقف على قمم هذه الجبال، يحارب ويتحدّى بأيديولوجيّته، بنشاطه السياسيّ وبقلمه الأدبيّ كلَّ مَن يسعى إلى تهميش وطمس هويته.
يصوّر نفّاع من خلال هذه المشاهد مأساة الشّعب الفلسطينيّ كلّه متخذًّا من بلدته، بيت جَن، معادلا موضوعيًّا لفلسطينَ كلِّها.لم يتعرّ محمّد نفّاع من انتمائه "البيت جَنّي" الفلسطينيّ يومًا،فهي صورة صغرى عن صورةٍ كبرى ألا وهي قرى ومدن بلادنا.
العتبة الداخليّة
استهلّ نفّاع عمله باقتباس للروائيّ الروسيّ فيدور دستويفسكي (1821- 1881):
"... فلا بد أن يكون المرء حقيرًا في شدّة افتتانه بنفسه حتى يتحدّثَ عنها بغير خجلٍ ولا حياء...". (ص 9)
قد يُبدي هذا الاقتباس تحفّظ نفّاع من كتابة سيرته، أو تحفّظه من سرد بعض الأحداث، إلا أنَّ الاحتمال الثّاني لا يستقيم مع العنوان الفرعيّ: "شذرات من سيرة ومذكّرات"؛ بمعنى أنّه باستطاعته أن ينتقي ما يريد من سيرته.
إذا وضعنا الاقتباس في سياقه الأصلي كما جاء في كتاب دوستويفسكي "المراهق"، تكتسبُ العبارةُ معنى آخر، إذ لم يقصد دوستويفسكي "عنها" الحديث عن "النّفس" إنما أراد بها الحديث عن فترة المراهقة.
فالاقتباس هو من كتاب المراهق، وهذه الكلمة تدل على مرحلة عمريّة انتقاليّة، وكثيرًا ما استُخدمت على سبيل القدح. نقل الكاتب من خلالها الحياة السّياسية، الاجتماعيّة والثقافيّة لروسيا في تلك المرحلة ناعتًا إيّاها بالمظلمة. وقد اختار الكاتب شخصية المراهق لينقل رؤيته الخاصة بروسيا في تلك الفترة كونه يعيش فيها ويتأثّر بأحداثها. وكان الشّاب المراهق شجاعًا، مثابرًا ومتحديًّا. كما يتطرّق فيها إلى الجانب الاجتماعي، العلاقات الأسريّة والتفاوت الطبقيّ.
رغم هذا الاختلاف إلا انَّ الاقتباس حمل معه العديد من الأبعاد وجاء توظيفه موفّقا، لقد أخرج نفّاع هذه العبارة من سياقها، عرّاها من الدّلالات الدوستويفسكيّة، وأسقطها في بداية حديثه؛فحمّل الاقتباس ببعض جوانبه وأكسبه أبعادًا أخرى، ارتقى به، فلم يكن الاقتباس لمجرّد الاقتباس أو الاكتفاء بالمعنى المألوف إنّما تجاوز ذلك محمّلا إيّاه بنكهة حياته الخاصة.
فكيف لنفّاع أن يكتب عن سيرة حياته ويتجاهل فترةً استوطنت في ذاكرته ومنها انطلَقَت كلُّأعماله؟! كيف له أن يدير ظهره لقريته التي شكّلت لغته وأحداثه وبلورت شخصيّته ووعيه؟!
إنَّ هذه العتبات تتصل معًا وتكتسب الواحدة دلالاتها في ظلّ الأخرى، لقد شعرتُ أنّه يؤكّد انتماءه إلى بلدته، إلى لغته وإلى تراثه. وكأنَّ به يقول: ما أحقرني إذا تنازلتُ عنها لأكتب سيرتي، ما أحقرني إذا غيّبتُ بيئتي، ما أحقرني إذا خلعتُ عني مكاني!
أراه يقف على جبل الجرمق، يصرخ مفاخرًا أنا من هنا، وما أحقرني إن كنتُ سأتنازل عنه! وهل يمكن للشجرة أن تنطلق دون جذور؟!
أراه شيخًا يقف على جبل الجرمق، يسكب شعوره الذي خالطه وهو يجول في ذاكرته يستحضر أحداثًا فاصلة: الثورة، مصادرة الأراضي، التهجير، القتل، الشّهداء؛يستمع إلى همهمة الرّيح وطقطقة السلاح، إلى صور المناضلين والمقاومين. أراه على قمة الجرمق يستعيد أزقةً والتفافاتٍ تتلوّى على خاصرة الجبل، وأسماءً غريبةً سكنت بلاده. يقف والحنين يدقّ في عينيه. أراه يتذكّر، يكتب ليوقظ تراثًا مستلقٍ في جنبات فكرنا كي لا ننسى مَن نحن. أراه يقف على قمة الجرمق مؤكدًا أنَّ هناك قمةً أكبر نستطيع تجاوزها والوصول إليها بالفكر، باللّغة وبالتحدّي.
وقبل الختام، نسأل:
عندما يخطّ الأديب سيرته تكون الأسماء المذكورة أسماءً حقيقيَّةً. فهل كان هناك حاجة لأن يقتطع أديبنا النّصّ بعد أن جاوز نصفه ليُعلمنا بأنَّ الأسماء المذكورة في هذه السّيرة حقيقيّة معروفة (ص 131)؟ وجاء ذلك بعد استباقين للأحداث؛ أظنّ أنّه كان بالإمكان الاستغناء عن هذه الإضافة.
خاتمة
"طفولة في حضن الجرمق"، كتابٌ يحمل في تضاعيفه بعضًا من سيرة الأديب محمّد نفّاع.سيرةٌ أدبيّة وسِجِّل تاريخيّ محمّل بالأحداث الاجتماعيّة والسياسيّة. جاءت أحداثه مغلّفةً بالأجواء الشّعبيّة الفلسطينيّة، فهي الرافد لكتاباته، وبهذا تكتسب الأصالةَ والأمانةَ الأدبيّتين؛ صبغها بألوان الأدب، بأسلوب فنيّ، لتسمو وتصبح رائعةً من روائع السِّير.
نصٌّ واقعيّ بعيد عن الحذلقة، نصٌّ واضح، حيٌّ، ناطقٌ، يسلُبُكَ إلى أحضانه بتقنياته البسيطة، يدفعك إلى تخيّل المشاهد الفنيّة فتستعين بالبسمة حينًا وبالغضب حينًا آخر.
سرتُ بين كلماتها، أتنسّم روائحها، وأنصتُ إلى أصواتها، فرأيتُ بعدما جُبت في تلافيفها، صوتًا منفردًا، يعتمد على الأمانة في نقل الواقع، الصّدق في نقل الأحداث، الدّقة في الملاحظة، والعذوبة في التعبير. سيرةٌ شائقة قلَّ نظيرها.
عندما نتجوّل في كتاب نفّاع ترحّب بنا مفردات من واقعه، عندما نقرأ محمّد نفّاع نتعلّم أبجديات جديدة، نلتقي بصورٍ واقعيّة ولغةٍ حبكها بتضاريسَ جغرافية، مكانيّة تراثية وتعابير جديدة. قاموس نفّاع موسوعةٌ لغويّة، تاريخيّة وجغرافيّة؛ عندما تقرأه تتعلّم.فهو مدرسة أدبيّة.
أبارك للرفيق العزيز محمّد نفّاع عمله هذا، وأنتظر بشغفٍ الأجزاء الأخرى.
(حيفا)
* نصّ المداخلة التي أُلقيت في ندوة تكريم الأديب محمد نفاع في نادي حيفا الثقافي بتاريخ 12. 9. 2019
.png)






.png)


.jpeg)



.png)

