هدف "عملية سهام الشمال" كما اطلقت عليها حكومة نتنياهو هو اعادة سكان الشمال الاسرائيليين النازحين منذ نحو عام، بينما غايتها الواضحة تشمل اهدافا مركزية حربية اخرى وهي السعي الى تقويض حزب الله من داخله، ودليل ذلك كان تفجيرات وسائل الاتصال بكل تداعياتها والاغتيالات في صفوف القيادة العسكرية، كما ويوجد هدف مركزي وقد يكون الاكثر اهمية لاسرائيل الا وهو السعي لتفكيك جبهة الاسناد ومعظم استراتيجية وحدة الساحات وتعدد الجبهات وطوق النار، وضمن هذه الاهداف تأتي النوايا بتغيير الواقع السكاني لجنوب لبنان واستهداف العمق السوري.
تزامن التصعيد الاسرائيلي الحالي، وهو الاقرب الى عتبة الحرب الشاملة، مع الحديث عن مبادرة جديدة من لدن نتنياهو يروج لها الوزير المقرب منه ديرمر، ومفادها التهدئة في غزة ولبنان معا. اراد نتنياهو ان يبقي هذه المبادرة المسنودة امريكيا بين يديه باعتبارها ورقة لعب لضبط مستوى التصعيد الحربي الجوهري، ومنفذاً لانقاذه سياسيا في حال وجد انه يتورط في حرب لا يستطيع ضبط مآلاتها ولا نتائجها. كما باتت هذه المبادرة تتصدر الاخبار الاسرائيلية الى جانب اعلان قيادة اركان الجيش والجبهة الشمالية عن الاستعدادات لاجتياح بري للبنان. هذا وتأتي هذه المواقف عشية سفر نتنياهو الى نيويورك لالقاء خطابه امام الجمعية العامة للامم المتحدة والذي لا بد ان يسعى فيه الى الترويج لمبادرته، لكن بالاساس الى كسب الشرعية الدولية لديباجته القائلة بأن الحرب مع حزب الله هي حرب مع ايران وان الحرب على غزة هي ايضا حرب ضد ايران وبأن ايران هي من يسعى الى اشعال الاوضاع في الضفة الغربية من خلال الحدود الاردنية مع فلسطين المحتلة، وباعتبار تعدد الجبهات هو حرب ايرانية ترى بها اسرائيل خطرا وجوديا، ثم ليؤكد ان اسرائيل تشكل الجبهة الامامية للغرب "المتحضر" في مواجهة محور "الشر".
تترجم اسرائيل الموقف الامريكي الداعي الى الحل الدبلوماسي وعودة النازحين من الطرفين الاسرائيلي واللبناني بأنه بمثابة ضوء اخضر لفرض نزوح جماعي يفرغ جنوب لبنان بالكامل من سكانه. ليشكل هذا تغييرا للواقع السكاني وفعليا منطقة جغرافية عازلة غير قابلة للحياة اذ قد يتبع التهجير عملية تدمير عمراني شامل، وهو ما تشير اليه تصريحات ونداءات الجيش الاسرائيلي الى اللبنانيين في الجنوب بأن كل بيت فيه اسلحة او ذخيرة مهدد فورا بالدمار، وفعليا يتم استهداف كل البيوت دون استثناء، وكي يشكل هذا المخطط فيما لو انجز اساسا للتفاوض حول تطبيق القرار 1701 من العام 2006. ويندرج هذا تحت مفهوم التفاوض تحت النيران.
عشية زيارته الى نيويورك اكد نتنياهو على انه قد منح وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر الضوء الاخصر للتقدم في المبادرة الامريكية الداعية الى وقف لاطلاق النار لفترة وجيزة، يتم خلالها بلورة صفقة تشمل الوضع في غزة ولبنان على السواء وتتيح لاسرائيل استعادة الاسرى والمحتجزين والتبادل اضافة الى عودة سكان الشمال الى بلداتهم. فعليا فإن اسرائيل التي تسعى الى تفكيك جبهة الاسناد وفك الارتياط بينها وبين الحرب على غزة، تقوم فعليا بالقبول بها كأمر واقع لا يمكن تجاوزه.
وفقا للجنرال المتقاعد وقائد وحدة العمليات في الجيش يسرائيل زيف فإن الوضع الحالي ميدانيا يشكل مخرجا آمنا وجيدا للغاية لاسرائيل، ليتم التفاوض والحل الدبلوماسي بشروط تفاوضية تميل لصالح اسرائيل، بينما وفي حال لم تر به الحكومة مخرجا، فقد ينقلب الامر على اسرائيل ويتم تفويت الفرصة المؤاتية وفقا له. بينما تشهد الحكومة مواقف سياسية تقوم على المبدأ الذي اتبعته في غزة والقائل بأن المزيد من الضغط المكثف على حزب الله ولبنان هو ما يعيد سكان الشمال الاسرائيليين الى بلداتهم الحدودية. كما تتسع التقديرات بأن الصوت الصادر على قيادة الاركان بصدد تجنيد لواءين للقتال البري والتلويح باجتياح فوري للبنان هو نوع من المناورة لردع حزب الله، وذلك بخلاف ما يصرح به قائد المنطقة الشمالية للجيش بأن الاجتياح بات قاب قوسين او ادنى، وهو ما تحذر منه غالبية التقديرات بأنه سيشكل ورطة اسرائيلية كبرى.
الازمة السياسية الداخلية لا تغيب رغما عن التصعيد الحربي والحرب الاكثر تكلفة. وفقا للقنال 12 الاسرائيلية (25/9) فإن التكلفة اليومية بعد تعميق مدى الاستهدافات في العمق الاسرائيلي تبلغ 2 مليار شيكل، اي نحو 600 مليون دولار لليوم الواحد ابتداء من 24 ايلول/سيبتمبر.
وبات اقرار ميزانية الدولة مع افتتاح الدورة الشتوية للكنيست مسألة تتصدر جدول الاعمال السياسي الحزبي لرئيس الحكومة نتنياهو وتهدد بقاءها في حال لم يتم تدارك الازمة مع الاحزاب الدينية الحريدية. وفقا لنتنياهو فإن التخلص من غالنت وزيرا للحرب بات مسألة حاسمة لبقاء الحكومة. اذ يشكل غالنت الحاجز السياسي الاقوى لسياسة نتنياهو في مسألة تجنيد طلبة المدارس الدينية الحريدية، وفي حين ان التصعيد على الجبهة الشمالية يتطلب كما هو حاليا اوسع تجنيد لكل جنود الاحتياط، وسيكون من الصعب تمرير قانون الميزانية القائل بإعفاء الحرديم من الخدمة وفي المقابل تمويل مدارسهم الدينية باعتبار تعلم التوراة بديلا للخدمة العسكرية. كما سيكون من الصعوبة بمكان ان تدافع الحكومة عن قرارها امام المحكمة العليا بمنع التجنيد في سياق وزير الحرب الذي يرفض موقف الحكومة، وعليه فإن نتنياهو كما يبدو يسعى الى تعيين وزير الخارجية كاتس او وزير الزراعة ديختر في منصب وزير الامن بعد اقالة غالنت، وضمان انضمام ساعر للحكومة ومنحه وزارة الخارجية بدلا من وزارة الامن. من مؤشرات عودة توتر الاجواء بين نتنياهو ووزير حربه هو اقصاء الاخير عن اجتماع التشاور الوزاري الامني الذي دعا له نتنياهو يوم 25/9 وقدم فيه احاطة للوزراء من دون وزير الامن.
وفقا لمعظم التقديرات الاسرائيلية فإن احتمال توقف القتال وهدنة قصيرة مستبعد حاليا، قد يكون لكسب الوقت من نتنياهو عشية سفره الى نيويورك، وقد يكون مناورة وضمن ما يسمى استخدام الحيلة في الحرب من اجل التمويه بشيء والقيام بنقيضه. ثم ان التفاؤل الامريكي باحتمالية صفقة شاملة تتلو هدنة فورية يبقى بعيدا عن الوثوق به بعد عام من الحرب على غزة، وكذلك لو نظرنا الى الاسناد الحربي الامريكي المباشر لاسرائيل في حربها على لبنان.
للخلاصة، فإن كل الاحتمالات قائمة مبدئيا وقد تتدحرج الامور خارج سياسة الضبط الحربي، رغم استبعاد ذلك فوريا. وفقا لمعظم التقديرات فقد اخفقت اسرائيل لحد الان في مهمة فك الارتباط بين الجبهات، وبأن الضربة التدميرية التقويضية اي الاغتيالات وتفجير وسائل الاتصال لم تحقق هدفها وفقا للمخططات على الرغم من نجاحها الكبير. هناك تقديرات اسرائيلية مشككة في ان تجنيد لوائين اضافيين لا يكفي لاحتياجات الاجتياح البري للبنان. وعليه هناك احتمالية في ان تهديدات قادة الجيش تهدف الى الدفع نحو تسوية مع الجبهتين بشروط محسنة اسرائيليا.
في المقابل فإن الثمن الاقتصادي اكبر من غزة ولم يبلغ الامر ذروته بل وبعيدا عنها، في حين ان الدخول البري في حال حصل سيضاعف التكلفة مرات عديدة، بالتوازي الازمة السياسية الداخلية والاقتصادية المتفاقمة بتسارع مما قد يدفع حكومة نتنياهو نحو تسوية معينة، لكن دون انهاء حالة الحرب جوهريا.
في الصورة: قصف وحشي إسرائيلي على بيوت في قرية كفر كلا اللبنانية، الثلاثاء (شينخوا)






.png)


.jpeg)



.png)

