news-details

هل أنت ممّن يحبّون قراءة الرّوايات؟| عبد الرزاق دحنون

إن كنت كذلك فقد قرأتُ لك خبرًا مهمًا في صحيفة سورية من سنوات مضت جاء فيه أن المواطن الكندي الذي يعتبر الكتاب خير جليس في الزمان، ينتابه الكثير من الحزن والقلق حين يشرف على الموت ولم يتم بعد قراءة ألف رواية، مش ألف كتاب، ألف رواية. وأظن هذا المواطن الفطن على حق، لأن أحد فوائد قراءة الروايات أنها تُضيف إلى حياتنا حياة جديدة، لذا كلَّما قرأنا أكثر طالت حياتنا أكثر، فحق لهذا المواطن أن يحزن. أنت لا تُصدّق هذه المعادلة: كلَّما قرأنا أكثر طالت أعمارنا، وتسأل كيف ذلك؟ يا سيدي، لا بد أن تبدأ أولًا في القراءة، جرّب ذلك، لن تخسر، بل بالعكس أنت الرابح في النهاية، خُضْ هذه التجربة، اعتبرها رحلة سياحية في عالم الرواية، وستجد بكل تأكيد فرقًا واضحًا في طرق تفكيرك وستصبح حياتك أسهل وأمتع على ما في الحياة من مشاق ومصاعب. اسمع مني وابدأ بقراءة الروايات.      

والأصل في مادة "روى" في اللغة العربية، هو جريان الماء، من أجل ذلك ألفيناهم يطلقون على وعاء نقل الماء على ظهر الحمير أو البغال أو الجمال والمصنوع من جلد الحيوان "الراوية" لأن الناس كانوا يرتوون من مائه. كما أطلقوا على الشخص الذي يستقي الماء راوية، ثمَّ جاءوا إلى هذا المعنى فأطلقوه على ناقل الشعر فقالوا: راوية، ومن أشهرهم في التراث العربي حماد الرواية وخلف الأحمر، لتوهمهم وجود علاقة النقل أولًا، ثمَّ لتوهمهم وجود التشابه المعنوي بين الري الروحي الذي هو الارتواء المعنوي من التلذّذ بسماع الشعر أو استظهاره بالإنشاد، والارتواء المادي الذي هو العبّ في الماء العذب البارد الذي يقطع الظمأ. والعربي الأوّل لاحظ العلاقة بين الماء والشعر لأن صحراءه كان أعزّ شيء فيها هو الماء والشّعر. ونحن اليوم ننقل المعنى إلى هذا الشّكل من الرواية الحديثة. وقد أفاض الدكتور الجزائري عبد الملك مرتاض في شرح هذه المعنى في كتابه ذائع الصيت "في نظرية الرواية" ولو كان عنون كتبه "في فن الرواية" لكان أليق.       

 

تحسّن وظائف الدماغ

في دراسة حديثة اكتشف علماء الأعصاب أن قراءة الروايات يمكن أن تحسن وظائف الدماغ على مستويات مختلفة. وقد أُجريتْ بالفعل دراسة حول ما يجنيه الدماغ من فوائد عند قراءة الأدب الروائي نُشرت مؤخرًا تحت عنوان "التأثيرات القصيرة والطويلة الأمد للرواية على الترابطية في الدماغ" لخص هذه الدراسة كريستوفر بيرغلاند ونشر ملخّصه تحت عنوان "قراءة الأدب تُحسّن عمل وفعالية الدماغ" ترجمتها إلى العربية مروة الجزائري.

 

 

وسأعمل على الاستفادة من هذه الدراسة في مقالي هذا. ودعني أولًا أروي لك هذه الواقعة: في الأمس القريب شاهدت الروائي المصري الكبير خيري شلبي -رحمه الله كان أديبًا فذًّا على شاكلة إميل حبيبي وحسيب كيالي ويحيى حقي والطيب صالح- وفوق ذلك هو من طينتنا وينطبق عليه المثل: زيتنا في دقيقنا. شاهدته في لقاء متلفز يحدَّث حديثًا شجيًا، كعادة النفوس الكبيرة في هذه الحياة قال: إنَّ على الإنسان في كفاحه من أجل أن يكتب رواية ناجحة أن يعمل أولًا قبل أن يكتب، أن يعيش الحياة بالطول والعرض كما يُقال.

ومما سبق فقد وجد الباحثون أن الانخراط في قراءة رواية من شأنه أن يعزّز ترابطية الدماغ ويحسن وظائف المخ. ومن المثير للاهتمام، أن قراءة الأدب الروائي يعزّز قدرة القارئ على وضع نفسه مكان شخص آخر ويطوّع مخيلته بطريقة مشابهة لتصور عضلة الذاكرة في الرياضة. وهنا أتساءل هل من فرق بين قراءة الروايات من الكتب والاستماع إلى تلك الحكايات والروايات من الجدّات؟ الدراسة لم تفطن لهذا الجانب المهم. وقد قرأت العديد من الحوارات مع كُتّاب رواية كبار عرب وأجانب: الروائية المصرية ميرال الطحاوي، الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو، الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس، الروائية المكسيكية لورا إسكيبيل، زعموا بأن روايات الجدّات كانت الحافز الأوّل الذي دفعهم لكتابة الرواية. والروائيون على العموم من كبار قراء الروايات والاستمتاع بها.   

 

الحبّ، هذا السّاحر العظيم

لعلّ من حسن حظي، وأنا أكتب هذا المقال، أن أحصل على نسخة إلكترونية لثلاث روايات قصيرة في كتاب واحد للكاتب الروسي ايفان تورغينيف (1818-1883) صادر عن دار التقدم في موسكو تحت عنوان (ثلاث قصص عن الحبّ) ترجمة مواهب كيالي ابن مدينتي المولود في إدلب عام 1918والمتوفي في موسكو عام 1978. لقد أضاف مواهب كيالي إلى هذه الروايات القصيرة عن الحبّ حاملًا لغويًا متينًا زاد من رشاقة أحداثها وطراوة حواراتها. ويمكننا القول بثقة مفرطة إن الرواية التي تفتقد الحبّ وتجلّياته المتعددة في نسيجها تكون ناقصة ولا يمكننا الوثوق بأنها رواية. والروايات في العموم تنبض بالحياة، وكما نعلم فالحبّ في النهاية هو القلب الذي يحرّك هذه الحياة.  فكيف إذا كانت هذه الروايات الثلاثة عن الحبّ. هي متعة حقيقية أن تقرأ رواية مترجمة من كاتب مترجم. وقد كان مواهب كيالي- نعم، هو شقيق الكاتب السوري الساخر الكبير حسيب كيالي- أحد أنجح الكتاب في بلاد الشام في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ومن الأوائل في تأسيس رابطة الكتاب السوريين.  

 ما الذي ميَّز هذه الروايات الثلاث القصيرة للكاتب الروسي ايفان تورغينيف؟ الحبّ، بكل تأكيد. هذا السّاحر العظيم. لقد أحبّ هذه الروايات أنطون تشيخوف الروسي، ورومان بارت الفرنسي، وارنست همنغواي الأمريكي، واجتمع على حبّها وتقديرها كتاب قراء من مختلف أنحاء العالم. وأنت لو قرأتها اليوم ستحبّها وتُعجب بها بكلّ تأكيد بعد مضي نحو قرن ونصف على تأليفها. ولا تزال روايات ايفان تورغينيف مقروءة في العالم كله بمختلف اللغات، لم يؤثر في نضارتها مرور الزمن. وبين مؤلفات تورغينيف التي نالت أكبر مقدار من الشهرة روايات: رودين، عش النبلاء، في العشية، الآباء والبنون. يُضاف إليها رواياته الثلاث التي تحدّثنا عنها: آسية، الحبّ الأول، فيوض الربيع.     

 

القراءة في عصرنا الرقمي

تستمرّ عادات القراءة في العصر الحديث بالتطوّر خصوصًا في عصرنا الرقمي هذا. وتتمايز الإحصاءات حول عدد الأشخاص الذين يقرؤون الروايات في هذا العقد مقارنة بالعقود الماضية. إلا أنّ هناك ميلًا لشراء المزيد من الأدب الروائي من قبل القرّاء العامّة مقارنة بأنواع الكتب الأخرى. وللحصول على الحقائق والأخبار والمعرفة المتبلورة من الإنترنت، فقد وجِد في عام 2012 أن أربعة كتب فقط من أصل أفضل عشرين كتابًا كانت عناوين غير روائية.

وأنت لو ذهبت إلى مواقع تحميل الكتب الالكترونية ستجد في أرشيفها أن باب الرّوايات العربية والعالمية تشغل حيزًا كبيرًا من مساحة ما تعرض من كتب. وستجد أن عدد التحميلات من قراء الروايات هو العدد الأكبر. وهذه ملاحظة مهمة في باب الكتب الالكترونية. 

ما هي القوى الخفية التي تجذبنا لقراءة رواية ناجحة، وما هي في الأساس مواصفات الرواية الناجحة، وكيف تعمل هذه الرواية على إضافة معرفة مهمة إلى معارفنا؟ هل فعلًا تُغيّر قراءة الأدب في العموم والروايات خاصة من طريقة تفكيرنا في الكثير من الأمور؟ سمعت الروائي المصري علاء الأسواني يتحدّث في هذا الأمر. يقول: إن قراءة الروايات تجعل منا أكثر عقلانية وتُبعدنا عن اتخاذ مواقف متطرفة وهمجية في الحياة، بمعنى تُهذب وتشذب أرواحنا المتعبة من صراعات الحياة التي لا تنتهي.

 تقول الدراسة المشار إليها آنفًا أنها توصلت في بحث استقصائي بعنوان "مشروع الحياة الأمريكية ودليل الانترنت" لعام 2012 إلى أن الأشخاص الذين يحبون قراءة القصص الخيالية مدفوعون بإثرائهم الشخصي وصفوا ما يعجبهم بشأن القراءة بكلمات مثل "أحب أن أتعرض للأفكار وأن أكون قادرًا على الخوض في أزمان وأماكن وأحداث كثيرة". ونُقل عن شخص آخر قوله: "إنني أنظر إلى القراءة باعتبارها منبهًا للذهن، وهي فعل استرخاء كذلك"، وأعرب آخرون عن سعادتهم بعيش حياة الشخصية الخيالية معها وامتلاك حياة أخرى في مخيلتهم.

وفقًا للدّراسة، فإنّ القراءة هي اختيار نمط الحياة الذي تحرّكه أيضًا الرّغبة في الانفصال عن سيل المعلومات المرئية المستمر. وقال القراء أشياء مثل: "أُفضّل أن أتخيل الأشياء في رأسي عوضًا عن مشاهدتها على شاشة التلفزيون. إنها البديل عن التلفزيون الذي يتفوّق عليه في كل مرة. القراءة أفضل من أي شيء الكتروني"، وقد لخص أحد الأشخاص ممن أٌجريت معهم المقابلة مشاعر القراء الشغوفين بقوله: "أحب أن أكون قادرًا على الخروج من نفسي".

 

فوائد الخروج من نفسك

أحد فوائد الخروج من نفسك، وأن تضع نفسك محل الآخرين عبر الرواية هو أنه يحسّن نظرية العقل. وعلى الرغم من أن الكثير من الناس ما زالوا يقرؤون الروايات الخيالية، إلا أنَّ هذه الدّراسة الجديدة تؤكد على ضرورة تشجيع الناس من جميع الأعمار على زيادة وقت القراءة والسعي إلى تقليل وقت مشاهدة التلفاز.

تم تسجيل التغييرات الناتجة عند قراءة رواية في القشرة الصدغية اليسرى، وهي منطقة من الدماغ مرتبطة بتقبل اللغة، وكذلك الحال في المنطقة الحسية الرئيسية للدماغ. ارتبطت الخلايا العصبية في هذه المنطقة بخداع العقل للاعتقاد بأنها تفعل شيئًا هو ليس كذلك، وتُعرف هذه الظاهرة باسم الإدراك المتجذّر أو الإدراك المتجسد. ومثال على الإدراك المتجسد هو شبيه بالتصوّر في الألعاب الرياضية - مجرد التفكير فقط بلعب كرة السلة، يمكنه تنشيط الخلايا العصبية المرتبطة بالحركة الجسدية للعب كرة السلة.

"إن التغيرات العصبية التي وجدناها مرتبطة بالإحساس الجسدي وأنظمة الحركة تشير إلى أن قراءة رواية يمكن أن ينقلك إلى جسم بطل الرواية"، كما قال أستاذ علم الأعصاب البروفيسور غريغوري إس. بيرنز، المؤلف الرئيسي للدراسة. "وإن القدرة على وضع نفسك مكان شخص آخر يحسن نظرية العقل". وقال الدكتور بيرنز من جامعة إيموري في أتلانتا: "القصص تشكل حياتنا وفي بعض الحالات تساعد في تمييز الشخص". وأضاف: "نريد أن نفهم كيف تدخل القصص إلى عقلك، وماذا تفعل به".

إن جانب السرد القصصي في الرواية هو شكل من أشكال الاتصال متعددة الأوجه الذي يضم مجموعة واسعة من مناطق الدماغ. وعلى الرغم من وصف العديد من النظريات اللغوية والأدبية لما يُشكّل القصة، إلا أن الأبحاث البيولوجية العصبية قد بدأت للتو في تحديد شبكات الدماغ التي تنشط عند سماع القصص أو قراءتها.

ولتحديد الإطار الزمني لأي اتصال في الدّماغ قام الباحثون بقياس تغييرات الترابطية في حالة الراحة قبل وبعد قراءة رواية. واختار الباحثون رواية على القصة القصيرة؛ لأن طول وعمق الرواية سيسمحان لهم بمجموعة من الارتباطات المتكررة مع المنبهات الفريدة المرتبطة بها المحددة في سياق تحفيزي أوسع يتم التحكم فيه ويمكن استخدامه بين عدة فترات في فحص الدماغ.

 

دعوا الخيال يقوم برحلة

وأجرى الباحثون فحوصات الرنين المغناطيسي الوظيفي لأدمغة أحد وعشرين طالبًا جامعيًا أثناء ارتياحهم. ثم طُلب منهم قراءة مقاطع من رواية اثارة بعنوان بومبي من تأليف روبرت هاريس صادرة عام 2003 على مدى تسع ليالٍ. ثم فُحصت أدمغة الطلاب كل صباح بعد مهمة القراءة الليلية، ومرة أخرى يوميًا لخمسة أيام بعد الانتهاء من قراءة الكتاب. وكشفت عمليات المسح عن ترابطية عالية داخل أدمغة الطلاب في الصباح الذي يعقب مهام القراءة المسائية. تضمنت المناطق ذات الترابطية المعززة القشرة الصدغية اليسرى للطلاب، وهي منطقة في الدماغ مرتبطة بفهم اللغة، وكذلك في التَّلَم المركزي للمخ، والذي يرتبط بالأحاسيس والحركة.

وأشار بيرنز إلى "أن الصف الأمامي للتَّلَم يحتوي على خلايا عصبية تتحكم في حركة أجزاء الجسم. ويحتوي الصف الخلفي على عصبونات تتلقى مدخلات حسية من أجزاء الجسم. وشكّل الترابط المعزز هنا اكتشافًا مفاجئًا، لكنه قد يعني أننا نضع القارئ في جسم بطل الرواية أثناء عملية القراءة". وإن القدرة على وضع نفسك في مكان الآخر عبر الإدراك المجسّد هي مفتاح تحسين نظرية العقل وأيضًا القدرة على أن تكون عطوفًا. على الرغم من أن هذه الدراسة لا تستخلص هذه الاستنتاجات بشكل مباشر، إلا أنه يبدو من المنطقي أننا إذا شجعنا أطفالنا على القراءة -على عكس مشاهدة التلفزيون- فإن نظرية العقل والقدرة على التعاطف مع معاناة شخص آخر ستتحسن.

إن قراءة رواية جيدة تسمح لخيالك بالقيام برحلة. تتيح لك الروايات نسيان مشاكلك اليومية ونقل نفسك إلى عالم خيالي يصبح حقيقة في عقلك. نادرًا ما نصادف فيلمًا مقتبسًا عن كتاب جيدًا تمامًا مثل الرواية الأصلية. وحتى المؤثرات الخاصة الأكثر تقدمًا ستظلّ دائمًا أقل من القوة المرئية لخيالك. وخلص بيرنز إلى أنه "يمكننا القول إن قراءة القصص -خاصة تلك التي تحتوي على أقواس سردية قوية- تعيد تشكيل شبكات الدماغ لبضعة أيام على الأقل. فهي توضح كيف يمكن أن تبقى القصص معنا. وقد يكون لذلك آثار عميقة على الأطفال وعلى دور القراءة في تشكيل أدمغتهم". 

في كتابه المشهور "في نظرية الرواية" بحث في تقنيات السرد، يخبرنا الدكتور الجزائري عبد الملك مرتاض أن الرواية تتخذ لنفسها ألف وجه، وترتدي في هيئتها ألف رداء، وتتشكل، أمام القارئ، تحت ألف شكل؛ مما يعسر تعريفها تعريفًا جامعًا مانعًا. ذلك أننا نلفى الرواية تشترك مع الأشكال الأدبية الأخرى بمقدار ما تتميز عنها بخصائصها الحميمة، وأشكالها الصميمة. والرواية في العموم تغترف بنهم من الحكايات والأساطير الشعبية، ولا تلفي أيّ غضاضة في أن تُغني نصها السردي بالمأثورات الشعبية، والمظاهر الأسطورية والملحمية جميعًا.  

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب