هل التهديد بحرب أهلية اسرائيلية حقيقي؟| أمير مخول

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في مؤتمره الصحفي مساء 4/12 هاجم الناطق العسكري دانييل هغاري مشروع القانون الائتلافي الهادف الى منح حصانة قانونية لموظفي مكتب رئيس الوزراء الذين قاموا بسرقة ملفات سرية من الجيش وتسريبها الى وسائل اعلام اجنبية ليتم اقتباسها والاستفادة السياسية منها من قبل نتنياهو ضد الصفقة، ومتجاوزا الرقابة العسكرية. اعتبر هغاري ان مشروع القانون يشكل خطرا على أمن الدولة وعلى الجيش ومصادر معلوماته.

 تطرق المتحدث باسم الجيش الى التحقيقات العسكرية في مقتل ستة من المحتجزين في غزة في سياق القصف الاسرائيلي في المنطقة التي تم احتجازهم فيها، مؤكدا على اخفاق الجيش في اعادتهم أحياءً.

جاء رد وزير الحرب كاتس مباشرا بإعلانه بأن هغاري تجاوز حدود الناطق العسكري ويتدخل في قرارات الكنيست والحكومة بينما دور الجيش تنفيذ هذا القرارات، واكد كاتس بانه سوف يتخذ اجراءات تأديبية ضد هغاري. ثم أكد كاتس ان الطريق لإعادة المحتجزين من غزة يتم بالمزيد من الضغط العسكري على حماس. اما نتنياهو فقد اكد انه تم توبيخ هغاري من قبل قائد الاركان وشدد كما رئيس الكنيست امير اوحانا بأن الجيش ينفذ السياسات ولا يقرر السياسات. في حين طالب وزراء اخرون بينهم سموطريتش بإقالة هغاري بشكل فوري.

قراءة: احتلت ردود الفعل السياسية الحاكمة على اقوال هغاري عناوين المواقع الاسرائيلية وبات الحدث المركزي على جدول الاعمال الاسرائيلي. وقد ثارت الثائرة حول مسألتين، الاولى هي مسألة التسريبات في مكتب نتنياهو لوثائق عسكرية سرية، والثاني هو اعتراف هغاري ضمنيا برؤية الجيش بأن الطريق لاعادة المحتجزين جميعا لن يتأتى بالعمليات العسكرية، اي مساندة الموقف بضرورة الصفقة ليلتقي مع تقديرات الجيش بأن الوضع الحربي في غزة يتيح ابرام الصفقة والامر منوط بالمستوى السياسي.

شدد الوزير كاتس على موقف نتنياهو القائل بالتهرب من استحقاقات الصفقة التي لا يراها اولوية، بل يقوم الجيش تحت ذريعة زيادة الضغط على حماس بعملية تطهير عرقي إبادي متكاملة في شمال قطاع غزة سعيا لضمه واستيطانه، وتوسيع مساحة محور نيتسريم الذي يبتر غزة شمالا وجنوبا لتصل مساحته الى 47 كيلومتر مربع، وليصل جغرافيًا الى حي الزيتون في مدينة غزة وجنوبا نحو وادي غزة وتقام فيه 19 قاعدة عسكرية كبيرة اضافة الى عشرات القواعد والمنشئات الصغيرة. هذه الاهداف تتفوق في اولويتها على اولوية الصفقة التي عبر عن تأييدها هغاري بشكل ضمني، بينما يسعى نتنياهو وتحت مسمى التصعيد ضد حماس الى ترسيخ احتلال القطاع.

بخلاف وزير الحرب غالنت الذي كان متوافقا مع الجيش وكانت قوته السياسية مسنودة من هذا التوافق، ودأب في تدعيم موقف الجيش ومنع استهدافه من قبل رئيس الحكومة ووزرائه، فإن موقف الوزير كاتس، والذي حلّ مكانه، مسنود من نتنياهو بل ان تعيينه في منصبه يشكّل اعلانا مكشوفا للنوايا من نتنياهو بتنحية قيادة الاركان واستبدالها بضباط موالين له شخصيا، ضمن السعي لتغيير هوية الجيش باتجاه عقائدي نحو أقصى اليمن بزعامة نتنياهو. بناء عليه باتت قيادة الجيش مستهدفة من المستوى السياسي ومكشوفة لتلقى ضرباته نحو اضعاف نفوذها.

يأتي مسعى استهداف قيادة الجيش ضمن المواجهة العنيفة التي يفرضها نتنياهو على مؤسسات الدولة ومنظوماتها التقليدية بعد ان تم تطويع الشرطة وسلطة السجون لصالح الوزير المسؤول (بن غفير)؛ وكذلك السعي للتخلص من منظومات الرقابة وحصريا المستشارة القانونية للحكومة، ومن وحدة التحقيق مع افراد الشرطة (ماحش) التابعة لوزارة القضاء ونقلها الى منظومة الشرطة بإلغاء استقلاليتها النسبية وتطويعها للمستوى السياسي، بينما يقوم وزير القضاء ليفين باستهداف المحكمة العليا والجهاز القضائي بالنيابة عن نتنياهو نفسه الذي يخضع للمحاكمة.

في المقابل يروج الائتلاف الحاكم الى وجود "مؤامرة" لتنحية نتنياهو من خلال اعلان قصوره عن أداء مهامه وذلك بسبب ملفاته القضائية بعد ان فشل في تأجيل جلسات المحكمة للنظر فيها. عوضا عن ذلك تجري حملة تحريض على المحاكمة واتهام المستشارة القانونية للحكومة بأنها المعنية بالمحاكمة، ليقوم الائتلاف الحاكم بتقديم مشروع قانون يتيح للحكومة إقالتها قانونيا بذريعة توجهها المعاند وتعارضها التام مع سياسات الحكومة واجراءاتها، وقد نجحت المعارضة بإسقاطه بشكل غير متوقع. سبق ذلك بأن أعلن الوزير عن الليكود دافيد امسالم بأنه في حال القيام بالإعلان عن عدم اهلية نتنياهو لمواصلة الحكم سيؤدي الامر الى "حرب أهلية وقد يتم استخدام السلاح فيها لاحقا" وهو التصريح الذي تصدر العناوين الى ان انشغلت بتصريحات الناطق العسكري لاحقا.

الشرخ الاسرائيلي السياسي الواسع والعميق يأخذ منحى استقطابيا وصداميا على غرار "إما نحن او هُم"، مما يشير الى ان اقصى اليمن الحاكم لن يتنازل عن الحكم، وبالطبع لن يقيم بإرادته لجنة تحقيق رسمية في اخفاق 7 اكتوبر والحرب. كما ان تفكيك منظومات الدولة بشكل منهجي يتيح له استخدام العنف السافر لقمع اية معارضة ولتطويع المنظومات وحصريا الامنية والقضائية لتكون في خدمته وتبقيه في الحكم ولينفذ مآربه دونما معوقات بما في ذلك تجاه الفلسطينيين بهدف اساس وهو منع دولة فلسطينية.

بناء عليه، فإن تصريحات الناطق العسكري ورد فعل المستوى السياسي العنيف عليها، انما تندرج في سياسة التصفيات وتغيير هوية منظومات الدولة وإحكام قبضة العقيدة الحاكمة.

للخلاصة: عمقت الحرب على غزة الازمة الاسرائيلية الداخلية كما لم تكن يوما، لتدخل اسرائيل في حالة صدامية وازمة مستعصية لا فكاك منها، ويبدو ان تهديدات امسالم بحرب اهلية تعبر عن نوايا قائمة في اوساط اليمين الحاكم حتى وان كانت مستبعدة.

لا يزال موقف نتنياهو المعارض جوهريا للصفقة في غزة هو المتسيّد في الساحة السياسة الاسرائيلية، قد يوافق على صفقة جزئية دونما صفقة شاملة ودون انسحاب من غزة التي يرسخ احتلاله لها، بينما ما يدفعه الى الصفقة من هذا النوع هو توقعاته من موقف ادارة ترامب الذي بدأ يحمل مفتاح الحل في هذا الصدد.

يخرج الناطق العسكري والجيش برمته بوضعية أضعف بعد المواجهة مع المستوى السياسي بعد تنحية غالنت وتعيين كاتس في وزارة الحرب، لتنتقل الصراعات السياسية الى خلخلة جدية في منظومات الدولة، مما يفتح الباب امام حالة صدام مباشر وحالة من الفاشية المتعمقة لتجيير الحكم لصالح عقيدة أقصى اليمين. الى اين ستقود الأزمة؟ الاحتمالات مفتوحة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية