يوم أن وُلدت في "الاتحاد"

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

*هي "الاتحاد" الشاهد على فلسطين ونكبتها، وعلى ثبات هذا الجزء الحي من الشعب الفلسطيني، راسخ في الوطن الذي لا وطن له سواه* 

كانت "الاتحاد" مشروعا سياسيا إعلاميا، ساندته التضحيات؛ لأن مفهوم العمل السياسي في تلك السنين كان مختلفا. وكي لا نظلم، فإن التحديات المجتمعية اليومية في تلك السنين، كانت بذلك المستوى الذي يسمح بتلك التضحيات، وأن تعود إلى البيت في نهاية الشهر مع راتب متواضع، ولكن في القلب كانت سعادة، لأنك تنتمي إلى ذلك البيت العظيم.

أن تقول "الاتحاد الحيفاوية"، يعني "مسيرة شعب"، ولا أقل. فقد أسماها مؤسسها ومحررها الأول الرفيق خالد الذكر إميل توما، "يوميات شعب"، وصدق فهو الذي أبدع في فكره وتحليله للأمور وتسميتها؛ ولكن حينما نعود إلى البدايات، نجد أن "الاتحاد" صدرت في تلك السنين، التي باتت فيها المؤامرة تكتمل على فلسطين، وطالها ما طال شعبها، وما تزال تواكب نكبته المستمرة، ولهذا يمكن أيضا أن نسند لها بعد كل هذه السنين أيضا، تسمية "مسيرة شعب".

فقد صدرت يوم 14 أيار 1944 ناطقة بلسان عصبة التحرر الوطني، التي ضمت الشيوعيين العرب، في أعقاب انشقاق الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي وقع في العام 1943. ولوحقت الصحيفة ومحرروها، من الاستعمار البريطاني، ولاحقا من الحكم الإسرائيلي، في فترة الحكم العسكري وما بعده. ومن المُحزن أنه حتى الآن لم يُكتب تاريخ الصحيفة، وما واجهته على مدار سبعة عقود ونيّف.

ففي السنوات الأخيرة، سال حبر أقلام المرتزقة بغزارة، وما زال، ليشوه التاريخ، بكتابته مجزوءا، أو تخلط فيه الأوراق، لا لشيء، إلا لتزوير التاريخ، لتبرير خيانات آخرين، أو لشطب كل ما مرّ لتبرير وجود عابرين على السياسة... مرتزقة بمال الدنس.

لم تمر مرحلة على "الاتحاد" دون أن تكون مُلاحقة، ومحظورة في مناطق معينة. ففي سنوات الأربعين كانت توزع غالبا سرا. وهكذا كان في فترة النكبة وما بعدها. وكان الشيوعيون حينما يوزعون الصحيفة، كان ذلك فعل تحدي، لأجهزة الحكم العسكري، لزعرانه العملاء، الذين كانوا يرسلونهم في محاولات الاعتداء على من يحمل الصحيفة ويوزعها. فقد كنت من المحظوظين الذين سمعوا بعضا من تلك الأحداث، من والدي. وكيف كان الشيوعيون يتصدون ببسالة، تُرعب المعتدين، وتعيدهم الى أوكارهم.

وقد حُجبت ومُنعت "الاتحاد" من الصدور مرات كثيرة، في سنوات الخمسين والستين. وعند احتلال العام 1967، صدرت الأوامر العسكرية، لمنع دخول "الاتحاد" الى كل المناطق المحتلة في حينه، الفلسطينية والسورية. وكان الحكم بالسجن عاما كاملا على من يتم العثور بحوزته على "الاتحاد" في تلك المناطق، واستمر الحظر حتى العام 1994. بعد أن هددت "الاتحاد" بالتوجه الى المحكمة العليا، بعد اتفاقيات أوسلو.

ولا ننسى أنه إبان حرب حزيران 1967، تم اعتقال العدد الأكبر من محرري الصحيفة، منعا لصدورها، فهبّ الوطنيون لملء الفراغ، ولضمان استمرار صدور الصحيفة، التي كانت تصدر يومها نصف أسبوعية.

كان مقص الرقيب جزارا، طيلة الحكم العسكري وما بعده، وقد برز هذا بكثافة إبان انتفاضة الحجر الباسلة نهاية 1987- 1992. وقد أصدر رئيس الحكومة يتسحاق شمير، مستندا لأنظمة الطوارئ، في العام 1988، أمرا بمنع صدور "الاتحاد" أسبوعا كاملا، فصدرت في اليوم التالي تحمل اسم "المهماز"، أحد أشهر ملاحق الاتحاد الساخرة في سنوات الثمانين. فأصدر شمير أمرا بإغلاق مطبعة الصحيفة أيضا لأسبوع كامل.

ويكفي هذا السرد الموجز، لتاريخ عريق، كي نفهم ماهية "الاتحاد" ومضامينها الثورية الكفاحية، صحيفة الوطنيين الثائرين، صحيفة تحشيد الناس ضد حكم الطغاة الصهاينة. وهذا ما كان يقض مضاجع المؤسسة الحاكمة ومخابراتها. ولهذا فإن الملاحقات لم تتوقف على مختلف الصعد، بما فيها الحرب الاقتصادية، ومحاصرة "الاتحاد" ماليا، إذ كانت فترة، حتى نشر الإعلان في الصحيفة، يُعد دعما سياسيا لها.

إلى هذا الصرح الفلسطيني الوطني الشيوعي الشامخ، دخلت شابا في مقتبل العمر، وهناك كانت مدرستي السياسية الأساسية، قبل أن أنتقل للدراسة السياسية الأكاديمية. في "الاتحاد" تعلمت القاموس السياسي الصلب، وما زلت متمسكا به، لأن مصطلحات الكلام تصيغ الموقف السليم الدقيق.

وفي "الاتحاد" تعلمت من جديد سلامة اللغة العربية، لأن "الاتحاد" كانت مدرسة اللغة أيضا. ويشهد التاريخ على أن صحافة الحزب الشيوعي، وفي مقدمتها "الاتحاد"، كانت من أهم وأقوى الأدوات التي حافظت على لغتنا العربية بعد النكبة، من محاولات التشويه وحتى التهويد.

وأقول حيثما أكون على مدار السنين، إنني ولدت في "الاتحاد". وأن "الاتحاد" نيشان على صدري، وتاج على رأسي أتزين به. فذلك التأسيس الشديد في مدرسة المعلم إميل حبيبي، وطاقم العاملين من الأسماء الكبيرة التي مرت على "الاتحاد"، لعب الدور الأكبر، في صقل قلمي وفكري.    

كانت "الاتحاد" مشروعا سياسيا إعلاميا، ساندته التضحيات؛ لأن مفهوم العمل السياسي في تلك السنين كان مختلفا. وكي لا نظلم، فإن التحديات المجتمعية اليومية في تلك السنين، كانت بذلك المستوى الذي يسمح بتلك التضحيات، وأن تعود إلى البيت في نهاية الشهر مع راتب متواضع، ولكن في القلب كانت سعادة، لأنك تنتمي إلى ذلك البيت العظيم.

هذا البيت الذي حمَل ما حمِل على مدار سبعة عقود ونيّف، فهناك من رحل عنا وهو في عز العطاء والاخلاص. وهناك من اضطر للبحث عن عمل آخر ولكنه بقي على العهد، وهناك من انقلب على مدرسته وتعاليمها، وبات في أقطاب أخرى.

ولكن "الاتحاد" باقية، وعلينا العمل لتبقى، لأنها السنديانة الشامخة، لأنها الشاهد على فلسطين ونكبتها، وعلى ثبات هذا الجزء الحي من الشعب الفلسطيني، راسخ في الوطن الذي لا وطن له سواه. 

لم تقو "الاتحاد" على مجاراة تطور العصر، وبدأت بتلقي الضربات تلو الضربات الاقتصادية، وهي اليوم ليس في الحال الذي كنا نريده لها، ولكن نأمل أن تثمر الخطوات الجارية في الأسابيع الأخيرة، لتنطلق "الاتحاد" بقوة على شبكة الانترنت، ومواصلة صدور الصحيفة الورقية.

 

صورة -الاتحاد في يوم الأرض الأول – سجلّه الوفي
قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية