*الدولة تعترف بأنها مُنتجة الجريمة وراعيتها*
بات من المؤكد ان غالبيّة العرب في فلسطين لم يكونوا بحاجة إلى اعتراف المصدر الكبير في شرطة إسرائيل الذي أكدّ قائلًا: "إن عملاء (الشاباك) مسؤولون عن غالبيّة الجرائم في الوسط العربي"، وأن الشاباك هو من يمنع الشرطة من مطاردتهم ومحاربة الجريمة بين العرب (20/6/2021). في مقال لي بعنوان (عرب اللد: في مرمى القمع والتهجير، 2010) كتبت ما يلي: "هناك من يعتقد أن عصابة صهيونية تنفذ عمليات القتل بين عرب الـ48 في اللد لترويعهم وجعلهم يعيشون في حالة دائمة من انعدام الأمن. بالطبع يجب أخذ هذا الاعتقاد على محمل الجدّ، لأن القتلى بالعشرات وما من مُدانٍ أو جانٍ!". وفي مقال لاحق بعنوان (عن الأسلحة غير الموجودة وسهولة استعادتها، 2016) فنّدت فيه أكاذيب دهاقنة الدولة من سياسيين وعسكريين وإعلاميين عن الأسلحة التي اختلقوها، كي يبرروا استفحال الجريمة بين عرب 48 وعدم مكافحتها، وتواطؤ قطاع واسع من سياسيي ومثقفي وإعلاميي عرب إسرائيل- دون مزدوجين- الذين يعيشون بين ظهرانية عرب 48 والقائلين والمقتنعين بوجود عشرات الآلاف (قال بعضهم مئات الآلاف!) من قطع الأسلحة المختلفة. فكتبت: "[...] نقترح على الوزير [الأمن الداخلي في حينه] ما يلي: أطلب من أدنى سكرتيرة في مكتبك إرسال sms إلى كل من يحمل السلاح [غير الموجود] من العرب بأن عليه إعادته خلال 60 دقيقة!" ثم أضفت ناصحًا: "وفي هذا السياق نرجو من أعضاء الكنيست العرب الذين نختلف على وجودهم فيه التوقف عن المشاركة في مثل هذه الجلسات واللجان [التي تتداول مستوى العنف دون علاجه]. وعليهم أن يطلبوا من الدولة التي توزّع السلاح على زُلمها إن كانت متضايقة منه أن تجمعه هي وتستعيده بشرطتها ومخابراتها وجيشها!". وفي الثلاثين من شهر آب الماضي أعلن ممثل الدولة، وزير الأمن الداخلي (عومير بارليف)- هل يتذكر أحدكم خط بارليف؟!- أن العنف بين العرب تحول إلى مشكلة أمنيّة للدولة مستندًا إلى أحداث المواجهات في مدينة اللد تحديدًا أثناء معركة "سيف القدس" في أيّار الفائت. كما وأعلن باسم الدولة عن بدء عمل وحدة المُستعربين السريّة التابعة لحرس الحدود، (سيناي)، لمكافحة الجريمة في المجتمع العربي. أما رئيس الدولة (يتسحاك هيرتسوج) والمحسوب على اليسار اليهودي- كما يُشاع- فقد صرح في الثاني من أيلول 2021 أمام المؤتمر العاشر لنقابة المحامين الإسرائيليين قائلًا: "موجة القتل في المجتمع العربي - إرهاب مدني".
نفهم مما تقدم أن الدولة بمؤسساتها المختلفة هي التي أنتجت وأغرقت مجاميع عرب 48 بالعنف والجرائم والدماء والدموع. وقد أوكلت هذه المهمة لعملائها. أما 'الخلافات' التي تناقلتها وسائل الإعلام بين الشرطة والمخابرات ضمن هذا الملف، ما هي إلا محض أكاذيب لا تصدق لأننا ندرك أن الهدف من إغراق العرب في دماء العنف والجريمة كان ولا يزال أمنيًّا بدليل تصريحات (بارليف) و(هيرتسوج)، مع مجزرة أكتوبر 2000، التي يسميها العرب هبّة أكتوبر، التي قتلت فيها الدولة 13 شابًا عربيًّا، وضرورة كسر رأس كل من يحاول الاحتجاج على سياسة الدولة.
بما أن الشيء بالشيء يذكر، نستذكر بعض معارك السلطات ذات الطابع الجنائي ضد عرب فلسطين في التسعة عقود الأخيرة ونعيد إلى الأذهان حالتين بارزتين، الأولى- بعد احتلال جنوب لبنان سنة 1982، حيث تسارع النشاط السياسي بين عرب 48 إلى أن وصل أوْجه في الانتفاضة الأولى (اليتيمة) بين سنتي 1988- 1991 التي قال عنها مريدو (سامي سموحه) أنها "محت الخطّ الأخضر" (الذي كان بين منطقتي الـ48 والـ67)، حين سارعت إسرائيل إلى تنظيم تجارة واستهلاك المخدرات بين العرب. حينها نشر الكاتب (ران كِسليف) عدّة تحقيقات في (هآرتس) قال فيها أن ضباطًا من الجيش والشرطة والمخابرات هم من يشرفون على تجارتها. يتذكر القرّاء العرب (ران كسليف) من خلال عدة تقارير عن مصادرة الأراضي العربية نشرها في (هآرتس) تمّت ترجمتها في كرّاس من قبل (جفعات حبيبه) سنة 1976؛ والحالة الثانية- يعتقد بعض المؤرخين والمهتمين بتاريخ ثورة 1936 أن الحركة الصهيونية والاستعمار البريطاني أغرقا فلسطين بصراعات دموية سياسية وعائلية لإفشال الثورة. وفعلا، لا تزال الذاكرة الشعبية ممن عاصروا تلك الفترة تذكر الصراعات الدموية الداخليّة التي أسهمت بإفشال الثورة والتي تناساها غالبية المؤرخين العرب.
يمكن القول إن إغراق العرب في دماء الجريمة ودموعها- من جهة؛ وعجزهم عن القيام بأي دور نضالي لصدّها أو كبحها وتحميلهم مسئوليتها بالقول تارة إن العنف مسألة ثقافية وتارة أنهم لا يحترمون القانون من جهة ثانية؛ دفعت وجهاءهم، رجالًا ونساءً، من سياسيين ومثقفين وإعلاميين لقبول وتصديق وتذويت أكاذيب الدولة والبحث معها عن حلول لمكافحتها (بالمناسبة: الوجهاء بخلاف القادة). أي أنهم تواطأوا معها، تحديدًا الإسلامي السياسي الإسرائيلي وإفرازاته من كل الطوائف، بتحميل مجتمعهم المسئولية وإدانته (كما فعل زعماء السود عندما اتفقوا مع النظام الأمريكي على إدخال الشرطة إلى أحيائهم في سبعينات القرن الماضي). كان تفكير هؤلاء موضعيًّا، أو لنقل حاراتيًّا، ولم يدركوا أن إنتاج العنف وإدارته يعتبر من صميم جوهر الدولة الاستعماريّة الليبراليّة. زد على ذلك، كون إسرائيل تعيش في الفلك الاستراتيجي لأمريكا التي تعتبر الفوضى: إنتاج العنف وإدارته سياسة مركزية لها في الإقليم الذي نعيش فيه كما في العراق، وسوريا، وليبيا، والسودان، وأفغانستان، واليمن.. والقادم أعظم. إن الرصاص الذي يطلقه عملاء السلطة في اللد وأم الفحم ومجد الكروم هو من نفس (D.N.A) الطائرات وبقية الأسلحة الحارقة التي يطلقها عملاء إسرائيل وأمريكا المجرمين على الناس في كل من الدول المذكورة ومناطق الـ48. ومن لا يدرك هذه الحقيقة سيهلل للعصابات التي يُشرف عليها (بارليف الثاني). لذا فإن مكافحة العنف بين جماهير الـ48 في يافا وأم الفحم ومجد الكروم هو كمحاربته في الشام وبغداد والإقليم بالعودة إلى الدائرة القوميّة للصراع.
"سيف القدس" المعركة الفاصلة
بعد سنوات طويلة من البحث عن حلول لمكافحة الجريمة بين هؤلاء الوجهاء والدولة قررت الأخيرة إدخال قوات الشرطة والمخابرات، وربما الجيش لاحقًا الذي سمعنا مقدماته أثناء العدوان على اللد في معركة سيف القدس إلى القرى والمجمعات العربيّة. لكن حسابات الذي يطلق الرصاص على الشباب تختلف عن حسابات الذي يدفن قتلاه في طقوس هستيرية مرعبة. فالدولة التي تطلق الرصاص بشكل مباشر وتنظم إطلاقه بواسطة عملائها كانت تعدّ لما هو فوق طاقة هؤلاء واستيعاب وجهائهم فاستقر مقامها وقرارها بعد معركة سيف القدس و"غزّة تجبّ ما قبلها"- والتأكيد على معركة سيف القدس- على ضرورة إعادة أو تجديد احتلال المناطق التي احتلتها سنة 1948.
تعتبر معركة سيف القدس حدثًا مفصليًّا في الصراع العربي- اليهودي في فلسطين والوطن العربي. فقد حجّمت هذه المعركة قدرات إسرائيل المدججة من جلدها إلى روحها بكل أنواع الأسلحة وآليات التجسس والاستشعار والتنبؤ بما قد يحدث، وجعلتها تخسر المعركة أمام مقاومة لم تفكر إسرائيل بظهورها بأسوأ كوابيسها (لهذا الموضوع أبواب خاصة في تقارير إسرائيل الأمنية والعسكرية والسياسيّة والنفسية). لكن ما يهمنا في هذا السياق هو قدرة شباب الـ48 أثناء هذه المعركة على تحدّي حالة التشظية (Fragmentation) التي فرضتها إسرائيل وتوابعها عليهم والشروع في معركة إعادة اللُحمة مجددًا (de-fragmentation) لجميع أبناء فلسطين والوطن العربي وصل صداها إلى كافة أجهزة الدولة العلنيّة والسريّة، السطحيّة والعميقة، وضرورة التصدي لهؤلاء الشباب وتحطيم قدراتهم على إعادة هذه اللُحمة في المعركة أو المعارك القادمة. وأعتقد أن دور وحراك شباب عرب 48 هو الذي دفع الدولة بكافة مؤسساتها للإسراع والإعلان عن إدخال وحدة (سيناي) التي بدأت تدريباتها في نيسان الفائت إلى القرى العربية لمكافحة الجريمة. لكننا نعتقد جازمين أن هدف هذه الوحدة ليس في السياق الجنائي أبدًا، بل في الوطني ("الأمني")، الذي أعلن عنه (بارليف الثاني) في الثلاثين من آب الفائت، ورئيس الدولة (يتسحاك هيرتسوج، أو هيرتسوج الثالث في سلسلة النسب الملوكي الصهيوني، بعد والده حاييم الذي كان لواءً في الجيش ورئيسًا للكيان وجده يتسحاك أول من أشغل منصب الكاهن الأكبر في الكيان الذي يعتبر احتلال فلسطين واستعمارها فريضة) في الثاني من أيلول 2021 أمام المؤتمر العاشر لنقابة المحامين الإسرائيليين. أي العودة للمربع الأول وإعادة احتلال أو تجديد احتلال مناطق الـ48. فالهدف منها إعادة ترتيب أولويات عُنف وجرائم الدولة، ولنا أن نتوقع تركيزها في وسط البلاد في كل من اللد والرملة ويافا وعكا التي لن تغفر لها الدولة بسبب مقتل شخصية مرموقة في الصناعات العسكرية فيها أثناء هبّة سيف القدس، لأن وجود العرب فيها بات يقلق الدولة وعليه يجب العمل على إضعافهم وإذا أمكن تهجيرهم منها، كذلك في مناطق الشاغور والجليل الأعلى لما فيهما من كثافة عربيّة بارزة. ومن المتوقع أن تفتعل هذه العصابات صدامات خلال مباريات، ومسيرات وطنية ودينية، والأعراس ومطاردة سائقي السيارات في شوارع القرى الضيقة والمتهالكة كما تفعل اليوم شرطتا السير والجماهيرية المختصة بصنع الإشاعات ونشرها (من يذكر منّا المنشورات بدون توقيع في طمرة الشماليّة قبل حوالي عقدين؟!) والأخطر من هذا كلّه خلخلة السلم الأهلي بواسطة تحويل الناس إلى عملاء لهذه الوحدة عن طريق استخدام كاميرات مثبتة لدى الجيران المُستهدفين بإطلاق النار للتعرف على الجناة وعرض صورهم، ليس كدليل جُرمي بل كمتعاونين مع هذه الوحدة. لذا سيقوم الكثيرون من عائلات الـ48 بإزالة كاميرات المراقبة أو تعطيلها تحسبًا من استخدامها للتحريض ضدّهم كما أنه يمكن اعتبار مقال (ليران ليفي، walla.co.il, 4.9.2021) الذي جاء عنوانه على النحو التالي "الشرطة تحذر: المدن المختلطة ستشهد أعمال شغب عنيفة - لكن لا يمكننا المساعدة بسرعة" تأكيدًا على ما نقوله وتحشيدًا من قبل الدولة وإعلامها المتعطشين لدماء هذه المدن وبقيّة العرب. نعيد إلى الأذهان أن هذه الشرطة هي التي قتلت كلًا من الشاهدين الشهيدين يعقوب أبو القيعان في النقب وإيّاد الحلاق في القدس. وتم في الفترة الأخيرة استجلاب عصابات المستعمرين من الضفة التي ستقوم بأعمال استفزاز ضد العرب لاستجرار وحدة (سيناي) إلى داخل بلدات الـ48. هؤلاء هم وحدة الظلّ لـ(سيناي)، كما هم جيش الظلّ للجيش الرسمي في الضفة.
العودة للمربع الأول
المُثير في العقليّة السلوكية اليهودية (الإسرائيلية) أنها تعود دائمًا إلى التراث الأسطوري- الديني التناخي تحديدًا لفهم أو علاج أية قضيّة. وهذا ما يكشفه لنا اختيار الدولة وحدة المستعربين (سيناي) المكونة من رجال شرطة وحرس الحدود وجنود الجيش الذين أذاقوا أهلنا بالضفة ويلات الألم والدمّ. فالاسم (سيناي) يعُود اليهود به إلى المربع ويعيدون العرب معهم كذلك. فـ(سيناي/ سيناء) هو الجبل الذي وقف عليه (بنو إسرائيل/ اليهود) بعد خروجهم المزعوم من مصر وهناك منحهم (إلوهيم) مكانة خاصة ونوعية بين الأمم (شعب الله المختار)، كما علّمهم تنظيم أنفسهم في جماعة خاصة ومنح زعيمهم (موشِه) ألواح العهد (الوصايا العشر)، وتعاهد معهم بأن أعطاهم أرض كنعان لهم. و(إلوهيم) هو إله سادي كما يصفه لنا التناخ بأدق التفاصيل. لذا يمكن القول إن ما حدث على (جبل سيناي) يشكلّ الأرضية التي بنى عليها اليهود فيما بعد سرديتهم العدوانية- الكولونيالية ضد عرب فلسطين، والآن يستحضرونها في سياق احتلال مجدد وسياسة أكثر عدوانية ضد عرب 48. أما (بارليف الثاني) فهو ابن (حاييم بارليف) الذي كان وزيرًا للشرطة والعدوان وصاحب فكرة تحصينات (خط بارليف) على الضفة الشرقيّة لقناة السويس لمنع القوات المصريّة من اجتيازها، لكنها اجتازتها في الساعات الأولى من حرب أكتوبر 1973 (...).
وإذا قيض لنا من خلاصة عملية لهذا المقال نقول: يجب العمل معًا لبناء حركة سياسية اجتماعيّة لصدّ عدوان الدولة القادم والذي يليه. ويجب أن يبدأ العمل من رصّ الصفوف والعمل البنّاء في الأطر الجماهيرية والمنتخبة. يذكر أهالي مدن الساحل بفخر أسماء المحامين الذين دافعوا عن الشباب مجانًا أو بأجر رمزي، ويتهامسون باسم محامٍ واحد (...) طلب مبلغ (200 ألف شاقل/ 60 ألف دولار) من أحد "مُتهمي" أحداث معركة سيف القدس للدفاع عنه. على هذا المحامي أن يعي أنه هو الآخر مُستهدف، لكن تصدي "زبونه" وبقيّة الشباب حال دون الوصول إليه حتى الآن.
الصورة: تظاهرة أمام مركز الشرطة في طمرة – شباط 2021





.jpg)

.png)

.png)






.png)