"امرأة عائدة من الموت" للكاتب نافذ الرفاعي: التحديات والحرية في التجربة الفلسطينية| لبابة صبري

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

تعبّر "امرأة عائدة من الموت" تعبيرًا غنيًّا ومعقدًا عن التجربة الفلسطينية من زاوية اجتماعية وسياسية وتاريخية. تُلهمنا فهمًا أعمق للتحديات الاجتماعية والسياسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال، وللتأمل في أهمية التضحيات التي يقدمها الشعب الفلسطيني والمقاومة المستمرة والسعي نحو الحرية.

يستخدم الرفاعي أسلوبًا أدبيًا مفتوحًا للتأويلات المتعددة، ويثير الكثير من الأسئلة حول الذات والمجتمع، ويناقش موضوعات تتعلق بالهوية والانتماء. كما يعرض لنا أشكال المقاومة الثقافية والاجتماعية التي تُبرز الدور الريادي للمرأة في المجتمع الفلسطيني، باعتبارها القوة الدافعة للتغيير والاستمرار.

تُعتبر "امرأة عائدة من الموت" نصًا متكاملًا يدمج بين الواقعية والرمزية، ليقدم رؤية شاملة عن تجارب الإنسانية تحت الظلم والتحديات والصراعات اليومية من خلال التوازن بين الأسلوب السردي القوي والواضح، وبين التأمل النقدي والعمق الفكري والاجتماعي. بهذا، تدعو الرواية للتأمل في قضايا العدالة والإنسانية وكيفية التصدي للظلم وتتمكن الرواية من إيصال رسائلها بفعالية، وتوضّح كيف يمكن للأدب أن يكون وسيلة لتحليل الواقع الاجتماعي والسياسي.

تمتاز شخصية "سمر" الفنانة الفلسطينية بروح التحدي والإصرار، تُجسد الأمل والإبداع في عالم مليء بالصعوبات، وتطمح بأن تجعل الجدران والشوارع نابضة بلوحات تعبر عن الأحداث الجارية في وطنها. يوضّح الرفاعي هنا كيف يمكن للفن أن يكون أداة للتوثيق والبقاء وتحقيق الحرية، كما أنّ قصة الفنان سليمان منصور ولوحته الشهيرة "جمل المحامل" تُبرز أهمية الفن كوسيلة للتوثيق وصنع الهوية الجماعية.

تتطرق الرواية إلى فلسفة تعريف المرأة وتصوّراتها، من خلال التعبيرات المتباينة والتي تُظهر تعقيدات الهوية النسائية في المجتمع؛ حيث نلاحظ ثنائية الشفاء والتدمير في شخصية "فتاة القبعة الحمراء"، وثنائية الحياة والموت في شخصية "مرام".

إنّ الاحتلال هو الخلفية الدراماتيكية والسياسية في الرواية؛ فلا يقتصر الاحتلال على السيطرة العسكرية فقط بل يمتد ليشمل الإجراءات الاجتماعية والنفسية التي تهدف إلى سحق الروح المعنوية للفلسطينيين. إنّ تأثير هذه الأحداث على مرام يُبرز حالة الغضب والرغبة في الانتقام، وهو دافع مشترك لدى أفراد المجتمع الفلسطيني الذي عاش ويلات الفقدان والمعاناة اليومية.

بالتالي، تمثل "امرأة عائدة من الموت" دراسة عميقة للشخصية الإنسانية في ظل الصراع، وتقدم مقاربة أدبية تحاكي الجوانب المأساوية والجمالية للهوية الفلسطينية. إن تعقيد الشخصيات وثنائية المشاعر تضفي قوة استثنائية للرواية كعمل فني يعكس الواقع المرير والشعور المستمر بالفقدان، لتبقى مرام رمزًا للأمل والقيامة، ممتشقة الجمال والقوة في آن واحد.

تعدّ رواية الرفاعي نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا لسياسة الاحتلال الإسرائيلي، من خلال شخصياته والتحولات الدرامية التي يمرون بها. يشير الكاتب من خلال السرد كيف أن أفعال المقاومة الصغيرة، مثل محاولة الحصول على قوت بسيط في ظل الحصار، يمكن أن تكون تعبيرًا عن التمسك بالحياة والإرادة للوصول إلى الحرية.

كما تعتبر شخصية "نضال" نموذجًا لبسالة الفلسطينيين. وصول نضال إلى الشهادة وهو يحاول جمع الأعشاب للمحاصرين يعكس طابع التضحية والنضال الشخصي من أجل البقاء رغم قسوة الظروف.

تعرض الرواية تأثير الاحتلال على الذاكرة الجماعية، حيث يستخدم الكاتب شخصية "أبو يوسف" ليمثل الفقدان المستمر للهوية والوطن. إنّ مشهد هدم بيته يُظهِر ليس فقط الخسارة المادية بل الخسارة المعنوية التي تعاني منها شخصيات الرواية، مما يجعلهم في حالة نزاع دائم مع الذات والوجود.

كما يُبرز الرفاعي عبر شخصياته وأحداثه قدرة الرواية على تقديم وجهات نظر متباينة حول مواضيع الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، مؤكدًا على قدرة الأدب في خلق مساحة للحوار والتفكير النقدي والتأمّل في مسألة الحياة والموت والوطن، وكيف يمكن للفرد أن يجد الإنسانية حتى في أصعب الأوقات.

تتناول الرواية موضوعات الجغرافيا، التاريخ والسياسة من خلال منظور القدس وبيت لحم، وهما مدينتان تحملان أهمية دينية وتاريخية؛ حيث يدور السرد بين صفحات التاريخ والمكان، ويعبّر عن الهوية الفلسطينية والصراع المستمر من أجل البقاء والحفاظ على التراث. يُظهر الرفاعي ببراعة كيف أن كل حجر في القدس له قصة، معتبرًا أن المدينة هي قلب العالم. يعبّر هذا التصور عن مشاعر الأمل والإنتماء التي يحملها الفلسطينيون تجاه مدينتهم المقدسة، رغم التحديات التي تفرضها الظروف السياسية القاسية.

تُبرز الرواية تأثير الجدار الفاصل الذي يعزل القدس عن محيطها، مسلّطة الضوء على المعاناة اليومية لسكانها. من خلال القصص التي تروي محاولات الشباب الفلسطينيين الدخول إلى القدس رغم مخاطر الطريق، يعرض لنا الرفاعي قضية صراع الهوية والوجود. وتدعو الرواية هنا إلى تأمل الدور الحضاري والثقافي الذي تلعبه القدس في تشكيل الهوية الفلسطينية.

يركّز الكاتب على الأبعاد الثقافية والدينية، ويُظهر كيف تمتزج الأديان السماوية أحيانًا مع الإرث القديم ليشكل نسيجًا اجتماعيًا متنوعًا. يصف الكاتب الممارسات الإسلامية والمسيحية وتفاصيل الحياة اليومية في القدس؛ مثل الطعام الأرمني، إضاءة قنديل في زاوية صوفية وإشعال شمعة في دير صغير، وهذا يرمز إلى الانسجام بين الأديان في القدس.

يستخدم الكاتب الرموز العالمية مثل قبعة "فتاة القبعة الحمراء" وكوفية ياسر عرفات، وذلك لتحفيز الذاكرة الجماعية وللتأكيد على ترابط الكفاح ضد الظلم في أماكن متعددة. كما يستخدم القبعة والقميص المُزَيَّن بصورة جيفارا كوسائل تذكير بأهمية القيادة الثورية في مواجهة الظلم، وأنّ التطلعات الإنسانية في نضالها لا تعرف حدودًا جغرافية.

كما يذكر لنا الكاتب الأسس الأخلاقية والإنسانية للنضال، ويركز على الثوار باعتبارهم ممثلين لقضية الإنسان أمام الظلم والاضطهاد، الأمر الذي يعكس احترامًا عميقًا للفكر الثوري كقوة محركة للتغيير.

وختامًا، تُعدّ الرواية تصويرًا حيويًا للتحديات التي يواجهها الفلسطينيون تحت الاحتلال، تقدم رؤية نقدية ومعمقة للأسس الأخلاقية للمقاومة، داعيةً في نهايتها لتغليب صوت الحياة والمساعي الإنسانية باتجاه الحرية.

قد يهمّكم أيضا..
featured
إبراهيم طهإ
إبراهيم طه
·2026-01-02 11:59:49

عصام مخّول: نهفات مبعثرة من ذاكرة طويلة

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-02 09:14:58

عصام مخول الراحل الباقي

featured
حسن مصاروةح
حسن مصاروة
·2026-01-02 09:03:40

هذا معلمي فجيئوني بمثله

featured

سنحمل تفاؤلك الدائم، تفاؤل الثوري بأن التاريخ يمشي كما نملي

featured
د. شكري عواودةد
د. شكري عواودة
·2026-01-02 08:09:41

عصام الذي عرفته...صديق ورفيق لا يساوم!

featured
حمادة فراعنةح
حمادة فراعنة
·2025-12-30 10:59:49

رحيل القيادي الفلسطيني عصام مخول

featured
أسعد موسى عودةأ
أسعد موسى عودة
·2025-12-30 10:52:26

محمّد صالح بكري أبو صالح مَهيب في حضورك مَهيب في غيابك

featured

محمد بكري ودوره في صياغة الذاكرة الجماعية الفلسطينية