news
ملحق الجمعة

"على حافة الفرح"| يوسف حيدر

من آذار ونيسان لأيار 2020 - الحب في زمن الكورونا (8):

نحن الواقفون.

على حافة الفرح ننتظر بصبر ان نعود لحياتنا الطبيعية والعادية. ونحاصر في وحدتنا الموبوءة بالتعليمات الحكومية الرسمية. فتلازمنا عوارض التعاسة والملل. والروتين. واشارة الى حين. ألم يحن الوقت ان لا نبالي بالقوانين؟

لنصرخ ولو قليلا اننا نريد ان نحيا "كالبني آدميين". وكما كنا أناس عاديين.

وكل يوم في الانتظار نستيقظ. على شائعة جاهلة نربك فينا يقيننا الحائر. لنعود ونتساءل: هل نستطيع ان نحمي أنفسنا من عالم بشع قادم وخطير. ولنحافظ فيه على الحب؟

على حافة الفرح ننتظر. من يخبرنا بخبر حلول الازمة وانتهاء جريمة الوباء والزعماء.  حتى لا تعود حياتنا تتأرجح فينا بين الحزن والألم والحلم بالفرح. نصبر لنتعالى فوق يأسنا ونتمسك بسروج خيالات تلوح ملائكية نتصورها. نبض غريب مليء بالفرح يغادرنا سريعا. ونعود لنبني لليأس مكانا في صرح املنا المتبقي. لتنزاح عنا الآفة المستديمة الجائحة النواحة. ليغدو الصبر أيضا مفتاح الفرح.

وقفت مثلكم على حافة الهاوية. حتى سألتني العزلة:

"انسيت ان تحيا؟"

واغرورقت عيونها بالدموع. وقالت لي مضيفة: "أأنت المصاب بأمل لا شفاء منه. هل هذا يعجبك. وانت تحوم كالمجنون في مساحتك الضيقة. تفتش فقط عن فنجان قهوة. فقط عن رائحة غير رائحة الانتظار؟".

اعترفت امامها بكل صدق ورهبة.

في حجري القسري صرت أحب الخبز أكثر.

قلت لي: "ورد أكثر".

 قلت: "سنابل أكثر".

قالت: "ماذا اخترت ليومك وابدعت لغدك؟"

قلت: "ليومي. الكمامة والكفوف والصابون والكحول. ولغدي. اه من سؤال غدي!  حتى ابدع يجب ان ادمر".

قالت: "كيف"؟

قلت: "اينشتاين أبدع النسبية والقنبلة الذرية".

قالت:" لكنك جاهل ولا تتقن القواعد".

قلت: "سأتقنها عاجلا ام آجلا جيدا. حتى اعرف كيف اخرقها".

قالت:" الا تدري ان الأقنعة أسلحة"؟

قلت: "ولكن الأقنعة ضد الأشياء السيئة".

قالت: "والجَمال"؟

قلت: "يجب اكتشاف القباحة تحت الجمال".

قالت: "لكن غريب امرك أنى أرى الجمال تحت قباحة قناعك".

قلت: "نعم. نعم. قناعي مزعج. اعترف كما اعترف الأطفال والفتيان في مدارسهم ومعاهدهم. وقبيح وناكر للوجه الإنساني  ومنفر وقذر. ومن خوفي وتصديقي تعليماتهم اكتشفت كم انا ساذج".

ساد صمت مطبق حينما اكتشفت السذاجة. وزادت فرحتي بمعرفتي. بضعفي. وسهولة سلوكي. حين تتلبسني الادعاءات المحذرة من اقتراب نهاية حياتي.

وهذه مصيبتي!

قالت: "ان رحلتك الصعبة بدأت. ولكن الدرب لم ينتهي."

ويفيض عليّ الحنين.

 فاحتسي وقتي على مهل. كقهوتي.

واتغلغل بالذكريات. بالماضي التليد والقاسي الوليد. من رحم واقع بليد. يزحف فيه الوقت زحفا. كما الوباء القادم المجهول الاقسى من الكورونا. او فيما مضى من طاعون وسارس وسل. وملاريا. وايدز.

قالت: "ما هذا القرن اللعين؟ تنشب في فضاءاته حرب عالمية ثالثة تدمر العالم بدون طائرات ولا صواريخ ولا راجمات. بهدوء ساحر ومضطرب. تحصد الأرواح حصدا".

قلت: "اما آن للضحية ان تسأل صارخة من طوفان الجثث السؤال الكبير: لمن تقرع أجراس الاتهام؟"

قالت: "لكارهي الحياة. المستكثرين عليك الحب والفرح".

قلت: "غريبة تعاويذِك. سابقة للزمان".

قالت:" أولست فارس هذا الزمان".

قلت:" لكن الشر من ضرورات التجربة".

قالت: "إذا عليك ان تتعرض للتجربة. وهذا اختبارك الحقيقي".

قلت: "وماذا مع هلعي. الا يذهب الا بالأيمان؟".

قالت: "لا لا عندما يستحوذ عليك ايمانك بالأمل يزول خوفك".

قلت: "وهل انت حَقيقةً وجدت شيئا تؤمنين به حتى ترين الامل في كل مكان؟".

قالت: "حتى أكون لك ميسرة لا ملقنة اعود واكرر لك. لست وحدك تعيش في ارض البؤس".

قلت:" أخلقنا بالخطيئة. وسنحت لنا فرصا ليستغلها من لم يستحق؟".

قالت: "وهل اللص عندما يسرق ينير المنزل؟ يبقيه معتما ليستحوذ عليه".

قلت: "إذا انا وحدي بقيت مخلصا لصليبي؟ ولم يخلصني خلاصي"

قالت ضاحكة: "خلاصك في هذا الزمن بشرى لم تصلك. مت وحدك".

واختفت.

هذه حواريتي السريعة والخاطفة مع عزلتي. منسلة بهدوء من راسي. تدفع دفعا وعيي نحو حدود الصمت القاتم.

أيكون هذا الصمت البُشرى الأولى لنا بالفرح؟

ام اضحى الفرح بلون الشقاء اليومي في فهم واستيعاب ما يجري وما كان وما سيكون.

هذا الآتي الغامض العالق في افتخارات وتهورات وتصورات المبشرين السيئين. ساسة هذا العصر الذين دفعتهم الصدفة نحو قمة الناصية. ظنوها قمة فكانت قمة مقلوبة. هاوية كاوية مدمرة.

فلا القمر والشمس والشجر والبشر. لهم ساجدون.

ولا ملائكة لهم سائلون سابحون.

عبَدة القهر. والعهر.

فليتركونا  ويذهبوا،  جربنا الانتظار والحيرة.

وليبقى لنا الامل، والفرح

وللحب بقية.

(يتبع)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب