مرّة سألت النائب التاريخي توفيق طوبي عن أصعب يوم له في الكنيست. أجابني بصوت مبحوح: اليوم الثاني لحرب الأيّام الستة. كان الجيش الأردني يطلق الرصاص على الكنيست فأنزلونا إلى الملجأ. بمرحلة ما جاء موشيه ديّان لوقت قصير فقفز عليه كل أعضاء الكنيست ليهنئوه. أنا كنت أنظر إليهم وأتراجع إلى الوراء حتى جلست لوحدي على الأرض منكفئًا في زاوية الملجأ.
قصتك هذه يا أبا إلياس رافقتنا بالأشهر الأخيرة في هذا البرلمان الفاشيّ القاتم.
***
مرة سألت النائب توفيق طوبي عن الموقف حول تجنيد المواطنين العرب في بداية الخمسينيات. بدأت اجاباته تحليليّة بأن الغالبية الساحقة من الشباب لم تكن بعيدة عن أجواء التجنيد كما حدث مع العثمانيين أو الانجليز، أو الجزائريين في فرنسا (ملاحظة أولى: أحمد بن بِلّة خدم في الجيش الفرنسي. ملاحظة ثانية: قرأت في كتاب ظلّ أزرق أبيض لكاتبه يئير بويمل توصيفًا حول انضمام أعداد هائلة من الشباب العرب إلى دوائر التجنيد بداية الخمسينيات) وواصل الحديث التحليلي بأن السياق حمل نوعًا من التوجّه البلاغي الاستنكاري لإحراج المؤسسة التي لا تريد إعطاء الحقوق بحجّة عدم تقديم "الواجبات". ثمّ انتقل بحديثه إلى البُعد الإنساني، أو بالأحرى إلى الضعف الإنساني، وهذا الضعف الإنساني هو الأكثر إنسانية في الإنسان كما دأب إميل حبيبي على التأكيد. وكلام طوبي أصاب مشاعري خاصّة حين قال لي: كنّا أبناءً لشعب مهزوم. وكان ميكونيس وسنيه يمشيان مثل طاووسيْن، يلمّحان بدورهما بإعادة بعضنا من الخارج، وأن الغالبية الساحقة من المصوّتين للحزب الشيوعي في الانتخابات الأولى كانوا من اليهود. كانا كثيرًا ما يلحّان عليّ بأنه لكوني عربيًا فجيّد أن أقترح أنا هذا الاقتراح أو ذاك. وكثيرًا ما كنت أعاند وأرفض وأتشاجر وأنا كنت بينهم ولم أبلغ الثلاثين من عمري. بهذه الحالة لم أوفّق بشكل الطرح! ثمّ قال: ولكنّنا في منتصف الخمسينيات شجّعنا الشباب العرب الدروز على رفض الخدمة ومن ثمّ أقمنا لجنة خاصة من أجل ذلك، وأعلنّا عن موقفنا المثابر لرفض الخدمة للمواطنين العرب. ولاحقًا للشباب اليهود، وإن كان جزءًا من رفاقنا اليهود يخدمون إلى أن بدأت ظاهرة رفض الخدمة لدى اليهود نهاية السبعينيات، وكان رفاقنا اليهود أوّل الرافضين. ثمّ قال لي: أتابع ما تقومون به لرفض "الخدمة الوطنية" المنطلقة من وزارة "الأمن" والتي يريدون بها ربط المواطنة بالخدمة وأنا أُحيّيكم على نشاطكم التوعويّ.
***
توفيق طوبي الذي وقف في ميناء حيفا في نيسان 1948 يحضّ الناس على البقاء. العنوان الأوّل لمعارك البقاء وفاضح مجزرة كفر قاسم، ومقدّم مئات الاستجوابات حول مباذل الحكم العسكري فاضحًا إيّاه. الذي كسر الحصار في أم الفحم في أيار 1958، الانتفاضة الجدية الأولى بمواجهة المؤسسة الحاكمة التي أرادت فرض احتفال المواطنين العرب باستقلال إسرائيل، بنكبة شعبهم، فأفشل ورفاقه تزوير إرادة المواطنين الفلسطينيين. هو المحرّر المسؤول عن صحيفة الاتحاد التي رافقت نضال شعب بأسره، واجهت الظلم ووضعت معادلة الثوابت الفلسطينية ومعادلة الحقوق القومية والمدنية. طوبي هو المسؤول عن البعثات التعليمية التي علّمت آلاف الشباب في الدول الاشتراكية الأمر الذي كسر الحصار على تعلّم الشباب الفلسطينيين وخلق القاعدة الأولى للمتعلمين الفلسطينيين. هو الذي كان في طليعة بنّائي الأُطر التمثيلية لأبناء شعبنا وآخرها لجنة المتابعة، وكان لي معه حديث تفصيلي حول بنائها نشرت تفاصيل الحديث في كتابي "الوطنية والمواطنة"، وبعد توفيق طوبي لم تُبن مؤسسة تمثيلية واحدة. وهو الذي حين حدث تردّد في المُضيّ بتنفيذ إضراب يوم الأرض الخالد، قاد اجتماعًا سريعًا في حيفا للمكتب السياسي للحزب الشيوعيّ وحسم فيه بأن الإضراب سيتمّ مهما بلغت التحدّيات والتضحيات. توفيق طوبي الذي واجه المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة حول شرعية وتمثيلية منظمة التحرير الفلسطينية، وعند الانقسام الفلسطيني بعد مؤتمر عمّان (1984) كان توفيق طوبي هو المقرِّب بين كل الأطراف الفلسطينية وهو الذي خطّ بيده بيان الوحدة بين أطرافها. وقد أسرّ لي العديد من قيادات المنظّمة عن توفيق طوبي بقولهم: بدأ النضال قبلنا. رأينا به أبًا. وكان له احترام طاغٍ ساهم بقوة بتذليل العقبات وإعادة وحدة منظمة التحرير الفلسطينية.
توفيق طوبي كان نائبًا لرئيس مجلس السلام العالمي في زمن الأيدولوجيات الكبرى والصراعات العالمية، ولكنّه فرض احترامًا استثنائيًا كقائد أممي صلب على مستوى العالم أجمع.
على الساحة البرلمانية لم يكن توفيق طوبي الصوت الأصدح والأكثر مثابرة طيلة أربعين سنة متواصلة وحسب. وإنما له انجاز برلماني عظيم عزّ نظيره حقًا. فطيلة الفترة الطويلة التي كان بها مناحيم بيچن رئيس المعارضة كان توفيق طوبي يحدّثه عن قانون "الحاضر غائب" الذي عانى منه بين رُبع إلى ثُلث المواطنين الفلسطينيين الباقين في وطنهم.
كان طوبي يشرح أن البند ٣ من قانون المواطنة وضع شروطًا تعجيزية، مثلا: مَن لم يتم إحصاؤه سنة ١٩٤٩ فهو حاضر غائب!
كان هذا الأمر مصيريًّا لهذه الشريحة الواسعة جدًا من الفلسطينيين الباقين في وطنهم.
منذ ١٩٧٧ حتى ١٩٨٠ وتوفيق طوبي يطالب رئيس الحكومة الجديد مناحيم بيچن بتعديل القانون حتى اجتمع عدّة مرات بوزير الداخلية آنذاك يوسف بورغ لتعقد الجلسة الحاسمة مع رئيس الحكومة بيجن سنة ١٩٨٠ ويتمّ تعديل هذا البند مما حصّل مواطنة رسمية لأكثر من رُبع المواطنين الفلسطينيين.
المحامي حسن جبارين مدير عام مركز عدالة هو الذي لفت نظري لهذا التعديل التاريخي مؤكدًا لي أنه يعتبر هذا التعديل من أهمّ ما قام به النواب في الكنيست منذ تأسيسها حتى اليوم.
***
يذكر الناس المهاجِم أكثر من قلب الدفاع، في السياسة كما في كرة القدم. أتابع صراعات إبني أسيل مع أترابه حول مهاجمي الفرق الرياضية. صراع حادّ استمرّ لعقد من الزمان حول أيهما أفضل رونالدو أم ميسي؟ والآن هالاند أم امبابي. يذكر الناس المهاجمين مثل بيليه ومارادونا وينسون أسماء المدافعين في كرة القدم وكذلك في السياسة.. الناس ينتبهون ويتحمّسون للهجوم والتسديد فيعلقان بالذاكرة أكثر من الصدّ والدفاع.
ليس فقط أن معركة توفيق طوبي في السنوات الأولى بعد النكبة كانت الدفاع والتصدّي وحماية الناس. إلا أن توفيق طوبي ذاته قرّر أن يكون هو قلب الدفاع ضمن صفوف قيادة الحزب الشيوعي، العظيمة بكل أفرادها. كانوا كلّهم نعمة كبيرة لشعبنا. وكان قلب دفاعها الذي نذكره اليوم في شهر ذكراه هو هذا القائد الأصيل والشهم توفيق طوبي.
***
تذكّرته قبل أيّام وأنا أصعد درجات نادي المؤتمر في حيّ وادي النسناس، هو المؤسّس والحافظ الأساسيّ لهذا المبنى ومثله العشرات في مدننا وقرانا، فأخذت أردّد:
قُلت لمّا لم يقم تمثاله
خير تمثال له أعماله







.png)


.jpeg)



.png)

