تدل النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، التي جرت يوم 9 نيسان 2019، على أن 62% من الجمهور اليهودي أدلوا بأصواتهم لأحزاب اليمين الاستيطاني، بمعنى تلك الشريكة الأساس لحكومات حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو، وإلى جانبها كتلتا المتدينين المتزمتين الحريديم، وأضفنا لهؤلاء قائمتين لم تجتازا نسبة الحسم، وهما من الحلفاء المضمونين لنتنياهو وحزبه.
من ناحية أخرى، فإن القوة الكبيرة التي حصلت عليها قائمة "أزرق أبيض" تدل على رغبة جمهور واسع في استبدال نتنياهو، إلا أنه لم يجد البديل من القوى القائمة.
والأبرز في هذه الانتخابات أن ثلاث فئات من المصوتين عاقبت في نمط تصويتها خطوة تفكيك ثلاثة تحالفات أقيمت في 2015، من بينها "القائمة المشتركة".
وبعد احتساب الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب الشريكة لليكود في الحكم، وهي: "كولانو" (كلنا) و"اتحاد أحزاب اليمين" و"يسرائيل بيتينو" (إسرائيل بيتنا)، يضاف اليها كتلتا الحريديم، شاس ويهدوت هتوراة، وكلها تتمثل في الكنيست، ومعها قائمة "اليمين الجديد" التي لامست نسبة الحسم ولم تجتزها، وقائمة "زهوت" بزعامة موشيه فيغلين، التي حصلت على نسبة 73ر2%، تبين لنا أن 63% من المصوتين اليهود صوتوا لأحزاب اليمين الاستيطاني.
وفي محاولة للتوصل إلى النسبة الأقرب، فإننا لم نحتسب جزءا من أصوات قائمة "أزرق أبيض" التي تضم حزب "تيلم" بزعامة موشيه يعلون، الذي يُعد هو وشركاؤه الأربعة في الحزب ضمن تلك القائمة من اليمين الاستيطاني المتطرف، مثل يعلون ذاته ويوعز هندل وتسفي هاوزر. ولم يتم احتساب هؤلاء ضمن نسبة المصوتين لليمين الاستيطاني، باعتبار أن قائمة "زهوت" قد تكون حازت على مصوتين من خارج هذا المعسكر. وربما بفحص أدق مستقبلي، سيتبين لنا أن النسبة هي أعلى من 63%.
ويشار إلى أنه في هذا الاحتساب تم أيضاً خصم أصوات العرب لأحزاب هذا اليمين الاستيطاني.
*الاحتساب يشمل قائمتين لم تتمكنا من اجتياز نسبة الحسم *لأول مرة منذ العام 1996 كتلتان تفوزان بالأغلبية المطلقة من المقاعد *الحريديم نسفوا كل استطلاعات الرأي العام التي لم تقرأ زيادتهم الطبيعية في الجمهور*
مدلولات نسب التصويت
نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة تحمل في طياتها الكثير من المؤشرات إلى تغيرات ديمغرافية وأجواء سياسية تخيم على الشارع الإسرائيلي. فنسبة التصويت كانت في نهاية المطاف 3ر68%. وقد ساهم تراجع نسبة التصويت بين العرب (53%- 54%) في خفض نسبة التصويت العامة. لكن انخفاض نسبة التصويت كانت أيضا في الشارع اليهودي، وهذا ما سيستدعي فحصا معمقا أكثر.
وفي فحص عشوائي سريع، لوحظ تراجع نسب التصويت في المدن الكبرى، التي هي معاقل ما يسمى "اليسار الصهيوني" أو الوسط. وقد تكون لهذا أسباب عدة، من بينها الشعور بالإحباط من أن النتيجة النهائية كانت معروفة. وفي المقابل، رأينا أن نسب التصويت لدى مدن وأحياء الحريديم بقيت على حالها.
وقد رأينا في مستوطنات ومدن الحريديم نسبة تصويت في حدود 85%، مثل مستوطنة موديعين عيليت، ومستوطنة بيتار عيليت، ومدينة بني براك المجاورة لتل أبيب التي فيها 80% من الحريديم، وبلغت نسبة التصويت فيها 77%. كذلك رأينا النسبة مرتفعة في مستوطنات التيار الديني الصهيوني، في حدود 82%. بينما التصويت في مدينة تل أبيب كان أقل من 63%، وفي حيفا كان أقل من 59%.
وفي المجمل العام كانت نسبة التصويت الإجمالية 44ر68%. وهذا يعني أنه إذا كانت نسبة التصويت بين كل العرب في حدود 54%، فإن نسبة التصويت بين اليهود بلغت 71% من سجل الناخبين، الذي يشمل حوالي 11% ممن هم في عداد المهاجرين، أو المقيمين في الخارج بشكل عام.
وحسب التقديرات، فإن 12% من اليهود هم في عداد المهاجرين أو المقيمين لفترات طويلة في الخارج، مقابل حوالي 5- 6% من العرب، ونسبة جدية منهم هم طلاب جامعيون في الخارج.
وبناء على هذه التقديرات، فإن نسبة التصويت بين اليهود الذي كانوا في البلاد يوم الانتخابات بلغت 80%، مقابل 57% من العرب الذين كانوا يوم الانتخابات في البلاد. وهذه الفجوة أسهمت جدا في ضعف تمثيل فلسطينيي الداخل بحوالي 4 مقاعد.
تفكيك تحالفات والتصويت لكتلتين
لأول مرّة منذ العام 1996 باتت في الكنيست كتلتان تفوزان بالأغلبية المطلقة من المقاعد البرلمانية. لليكود 36 مقعدا، ولكتلة "أزرق أبيض" 35 مقعدا، بمعنى 71 مقعدا من أصل 120 مقعدا. وحتى العام 1996 كان يحقق الحزبان الأكبران العمل والليكود الأغلبية المطلقة من المقاعد؛ 66 مقعدا في 1996، وفي العام 1992 كان العدد الإجمالي 76 مقعدا. وفي سنوات سبقت كان يتراوح عدد مقاعد الحزبين مجتمعين ما بين 82 إلى ما يزيد عن 90 مقعدا من أصل 120.
وقد يكون هذا مؤشرا إلى رغبة الجمهور في التصويت للكتل الكبيرة. ففي هذه الانتخابات تم تفكيك ثلاثة تحالفات انتخابية كانت لثلاث شرائح من ذوي حق التصويت.
وكانت أولى عمليات التفكيك تحالف "المعسكر الصهيوني"، الذي كان يضم حزب العمل وحزب "الحركة" بزعامة تسيبي ليفني. وقد حصل هذا التحالف في الانتخابات السابقة العام 2015، على 24 مقعدا، من بينها 19 مقعدا لصالح حزب العمل الذي حقق أعلى نتيجة له منذ العام 1999.
وقد بادر لتفكيك هذا التحالف رئيس حزب العمل آفي غباي، حينما أظهرت الاستطلاعات أن التحالف سيحصل على ما بين 12 إلى 14 مقعدا. وألقى غباي باللوم على شريكته ليفني، فبادر إلى تفكيك التحالف. ولم تنجح ليفني في إيجاد شريك جديد لها، فاختارت مغادرة المنافسة البرلمانية واعتزال الحياة السياسية.
في المقابل هبط حزب العمل مباشرة إلى ما دون حاجز 10 مقاعد في استطلاعات الرأي، ليحصل في نهاية المطاف على 6 مقاعد، وحقق الأخير منها بفعل اتفاق فائض الأصوات مع حزب ميرتس. وهذه نتيجة تعد عقابا على تفكيك هذا التحالف.
وعملية التفكيك الثانية كانت تحالف "البيت اليهودي"، الذي كان يضم ثلاثة أحزاب مركزها الأساسي في المستوطنات. ولم يكن ما يبرر هذا التفكيك، خاصة وأن استطلاعات الرأي كانت تمنح التحالف ما بين 11 إلى 14 مقعدا برلمانيا، بدلا من 8 مقاعد في انتخابات 2015. إلا أن زعيمي التحالف، وزير التعليم نفتالي بينيت ووزير القضاء أييليت شاكيد، بادرا للانشقاق، متوهمين أن قوة التحالف بقوتيهما وأنهما لا يريدان سطوة التيار الديني الصهيوني المتشدد دينيا على القائمة. وفي نهاية المطاف عوقب بينيت وشاكيد، اللذين لم يجتازا نسبة الحسم، لا بل لامساها، إذ ابتعدا عنها بنحو 1470 صوتا. كما أن تمثيل هذه التحالف بات 5 مقاعد، هي من نصيب قائمة تحالف "اتحاد أحزاب اليمين"، الذي كان الرهان الأولي عدم اجتيازه نسبة الحسم.
*عدد المتدينين يرتفع من 23 نائبا في الولاية المنتهية إلى 37 نائبا حاليا *النواب المتدينون يشكلون 31% من أعضاء الكنيست وأكثر من 34% من النواب اليهود *عدد كبار الجنرالات والعسكريين يرتفع من 4 في الولاية المنتهية إلى 12 في هذه الولاية*
أما التحالف الثالث الذي تم تفكيكه، فهو في القطب الآخر للحلبة البرلمانية، تحالف القائمة المشتركة، الذي ضم 4 أحزاب ناشطة بين فلسطينيي الداخل. وقد بادرت للخروج من التحالف الحركة العربية للتغيير برئاسة أحمد طيبي، ليبدأ جدل واسع النطاق حول موازين القوى، بموازاة مساع متشعبة لإعادة رأب الصدع. ولاحقا جرى إبرام اتفاق بين الحركة الإسلامية الممثلة بالقائمة الموحدة مع حزب التجمع الوطني الديمقراطي، ولم تنجح كل الجهود والمساعي لإعادة بناء القائمة المشتركة. وجرى تبادل الاتهامات بين الأطراف المختلفة. وفي نهاية المطاف تم خوض الانتخابات بقائمتين، الأولى "الموحدة- التجمع"، والثانية "الجبهة الديمقراطية- العربية للتغيير"، التي حصلت على 6 مقاعد، مقابل 4 مقاعد للقائمة الأخرى.
وهذا يعني أن هذا التحالف خسر 3 مقاعد ثمينة، ناجمة عن هبوط نسبة التصويت من 62% في انتخابات 2015، إلى نسبة 54% في الانتخابات الأخيرة. وبسبب هبوط نسبة التصويت برزت نسبة التصويت للأحزاب الصهيونية التي وصلت إلى 33%. وحسب التقديرات، فإن الممتنعين عن التصويت في ما لو توجهوا إلى صناديق الاقتراع لكانوا صوتوا إلى واحدة من القائمتين.
نتنياهو يحقق فوزا مزدوجا
حقق شخص بنيامين نتنياهو، ومن ثم حزبه الليكود، في هذه الانتخابات انتصارا مزدوجا. الأول أن حزب الليكود بات القوة التي تتزعم اليمين الاستيطاني من دون منافس، وأن شركاءه عبارة عن فتات كتل صغيرة. وهذا هو المشهد الذي سعى له نتنياهو منذ فترة طويلة، حينما حاول خلال الولاية البرلمانية المنتهية خفض نسبة الحسم، ليعيدها إلى مستوى 2%.
ومن المفارقة أن أول المعترضين على هذه الخطوة كان وزير التعليم نفتالي بينيت وشريكته وزيرة القضاء أييليت شاكيد، اللذان اكتويا بنار هذه النسبة، بأقسى مشهد بالنسبة لهما، فقد حرقا ما يزيد عن 138 ألف صوت، وابتعدا عن نسبة الحسم بحوالي 1470 صوتا، كما ذكر سابقا.
والفوز الثاني لنتنياهو وحزبه هو بتشكيل الحكومة المقبلة. لكن على الرغم مما حققه الليكود، فإن حكومته في حال استندت على الشركاء الحاليين، من أحزاب اليمين الاستيطاني المتطرف والمتدينين المتزمتين الحريديم، سيكون مصيرها مرتبطا بكل واحدة من هذه الكتل، وهذا ما قد يهدد بأزمات مستقبلية، على مستوى القضايا الداخلية. وما سيزيد العقبات أمام نتنياهو هو شكل توزيع الحقائب الوزارية الرفيعة، خاصة وأن شخصيات كبيرة في الليكود تطمح للحصول عليها.
ومن الصعب رؤية أن يتجه نتنياهو نحو حكومة واسعة تضم قائمة "أزرق أبيض"، لأنه ليس بحاجة لحكومة كهذه، ستقاسمه فيها القائمة الكبيرة الثانية "كعكة الحُكم". ولهذا فإن الاحتمال الأقوى هو أن يتجه نتنياهو نحو حكومة مع شركائه القائمين في الحكومة الحالية (اقرأ مادة موسعة ص 2).

الحريديم
ليست هذه هي المرّة الأولى التي ينسف فيها المتدينون المتزمتون الحريديم استطلاعات الرأي، فهذا الجمهور ليس مرئيا بالقدر الصحيح في الاستطلاعات. وطوال معركة الانتخابات، وقبلها بأشهر طويلة جدا، تنبأت استطلاعات الرأي بأن يحصل حزب شاس على ما بين 4 مقاعد وحتى 5 مقاعد، ومنها ما بالغ بتوقع عدم اجتياز شاس نسبة الحسم. في المقابل فإن استطلاعات الرأي صدقت مع الكتلة الثانية يهدوت هتوراة، ومنحتها طيلة الوقت 7 مقاعد.
وقد علمت التجربة أن شاس التي تنتشر في أحياء الفقر، لديها أصوات لا تستطيع استطلاعات الرأي الوصول اليها، وعادة هي بحجم مقعد أو أكثر. لكن من العوامل التي ساعدت حركة شاس للحصول على 8 مقاعد، هو انسحاب المنشق عن الحركة إيلي يشاي من المنافسة الانتخابية، ففي انتخابات 2015 نجح في اقتطاع مقعدين كاملين من شاس. كما أن حزب "كولانو" بزعامة الشرقي موشيه كحلون اقتنص هو أيضا في 2015 مقعدين من جمهور مصوتي شاس بالأساس في البلدات والاحياء ذات الأغلبية المطلقة لليهود الشرقيين.
لذا بالإمكان القول إن نتيجة شاس كانت واحدة من مفاجآت هذه الانتخابات بالنسبة لاستطلاعات الرأي العام.
الكنيست الـ 21: ارتفاع حاد في أعداد النواب المتدينين والعسكريين
تبرز معالم التطرف الحاصل في الشارع الإسرائيلي في احصائيات متنوعة لأعضاء الكنيست الـ 21، مثل أن عدد النواب المتدينين، من التيارين الصهيوني والمتزمت، ارتفع بأكثر من 50%. كما أن قادة الأجهزة الأمنية وكبار الضبط زاد عددهم بثلاثة أضعاف. وهذه مؤشرات للأجواء المتوقعة في الولاية البرلمانية الجديدة.
ويعتمد التصنيف الذي أجريناه، في مركز "مدار"، على السير الذاتية لأعضاء الكنيست الذين واصلوا عضويتهم في الولاية الجديدة، وأيضا ما كان متاحا معرفته عن النواب الجدد، الذين بلغ عددهم في الولاية الجديدة 49 نائبا (41%) يدخلون الكنيست لأول مرّة، يضاف إليهم 4 نواب غابوا عن الكنيست، إما أنهم غادروا الولاية البرلمانية الـ 20 في منتصفها، أو أنهم كانوا في ولايات برلمانية سابقة. ما يعني أن 44 نائبا من الولاية الـ 20 المنتهية لم يعودوا إليها، غالبيتهم الساحقة بغير إرادتهم، وهذه تعد من أعلى النسب مقارنة في الولايات السابقة.
فعلى سبيل المثال، في الولاية البرلمانية الـ 20 كان 38 نائبا جديدا يدخلون الكنيست لأول مرة، ومعهم 4 نواب عائدين. ويعود الارتفاع الحاصل في الولاية الجديدة لكون حزب "مناعة لإسرائيل" بزعامة بيني غانتس، وقبل تحالفه مع حزب "يوجد مستقبل" بزعامة يائير لبيد، و"تيلم" بزعامة موشيه يعلون، قد رفض ضم أي نائب من الولاية البرلمانية القائمة إلى حزبه. ولهذا فإننا نرى في قائمة "أزرق أبيض" 24 نائبا جديدا، من أصل 35 نائبا. وهناك نائبان عائدان، أحدهما من حزب "يوجد مستقبل"، والآخر هو زعيم "تيلم" موشيه يعلون.
وتبين في التصنيف ارتفاع حاد في عدد المتدينين اليهود، من 23 نائبا مع بدء الولاية الـ 20، إلى 37 نائبا مع بدء الولاية الـ 21. وليس من المستبعد أن نجد لاحقا عددا أكبر ولو بقليل من المتدينين من التيار الديني الصهيوني. ويشكل المتدينون نسبة 31%، مقابل 19% في الولاية المنتهية؛ وهذا يدل على التقلبات الديمغرافية في المجتمع اليهودي. فحينما نتحدث عن نسبة 31% من إجمالي أعضاء الكنيست، فإن هذا يعني أكثر من 34% من إجمالي النواب اليهود، ما يعني منذ الآن صعوبة سن قوانين أو تعديلات قوانين من شأنها أن تخفف من وطأة قوانين الإكراه الديني.
الجانب الآخر اللافت في تصنيف النواب هو عدد قادة الأجهزة وكبار العسكريين، الذي قفز من 4 نواب مع بدء الولاية المنتهية، إلى 12 نائبا مع بدء الولاية الجديدة. وعلمت التجربة أن يتكشف لنا لاحقا نواب آخرون خاصة أولئك من الذين عملوا في الأجهزة الاستخباراتية، ولم يظهر هذا حتى إعداد هذا التقرير.
ففي الولاية الجديدة لدينا ذروة في عدد رؤساء هيئة أركان الجيش، لأول مرة منذ نهاية سنوات السبعين. في هذه الولاية يوجد ثلاثة رؤساء أركان للجيش في كتلة برلمانية واحدة، بيني غانتس وموشيه يعلون وغابي أشكنازي. كذلك نجد رئيس جهاز المخابرات العامة "الشاباك" الأسبق، آفي ديختر، في حزب الليكود، ونائب رئيس جهاز المخابرات الخارجية "الموساد" الأسبق، رام بن باراك، في كتلة "أزرق أبيض". و4 نواب هم برتبة لواء، أبرزهم من كاد يتولى رئاسة الأركان يوآف غالانت، وزير البناء في حكومة نتنياهو الحالية، الذي قفز قبل الانتخابات من حزب "كولانو" (كلنا) إلى حزب الليكود، الذي ساعده على الفوز بمكان متقدم كي يواجه قائمة الجنرالات "أزرق أبيض". كما أن بين حملة رتبة لواء توجد أول امرأة بهذه الرتبة في تاريخ الجيش، أورنا بربيباي، في كتلة "أزرق أبيض". ووجدنا نائبين اثنين برتبة عميد، بينهما الوزيرة ميري ريغف، والثاني في كتلة "اتحاد أحزاب اليمين"، ويضاف لهم ضابط برتبة عقيد، هو فطين ملا من الطائفة الدرزية، في قائمة الليكود.
وعلى صعيد الكتل، فإن أكبر عدد للعسكريين وجدناه في كتلة "أزرق أبيض"، 7 نواب، ويشكلون 20% من أعضاء الكتلة، وقد يزيد عددهم لاحقا في هذه الكتلة، بعد أن نعرف تفاصيل نواب آخرين. وفي كتلة الليكود 3 نواب. وهناك نائب واحد في كل من كتلتي العمل و"اتحاد أحزاب اليمين".
ونشير إلى أن اليمين الاستيطاني لا يعني أولئك الذي جاؤوا من المستوطنات، بل هناك نواب لا أقل تطرفا يسكنون في حدود 1948. ففي الولاية البرلمانية الجديدة هبط عدد المستوطنين من 11 نائبا مع بدء الولاية الـ 20، إلى 7 نواب، مع بدء الولاية الـ 21. في حين بقي عدد نواب القدس، بمن فيهم النواب في الأحياء الاستيطانية، على حاله، 16 نائبا، كما كان مع بدء الولاية الـ 20. ومن الصعب معرفة عناوين النواب في القدس المحتلة، ونادرا ما يتبين لاحقا في أي أحياء يستوطنون.
وما ساهم في تراجع عدد المستوطنين في هذه الولاية هو عدم اجتياز قائمتين نسبة الحسم، وهما من اليمين الاستيطاني المتطرف، قائمة "اليمين الجديد" بزعامة وزير التعليم نفتالي بينيت، ووزيرة القضاء أييليت شاكيد، اللذين انشقا عن تحالف "البيت اليهودي" الاستيطاني، اعتقادا منهما بأن قوتهما أكبر من الشركاء، إلا أنهما دفعا ثمنا "قاسيا" من ناحيتهما، فقد حصلت قائمتهما على 138491 صوتا، وابتعدت القائمة عن نسبة الحسم بـ 1471 صوتا. وأعلن بينيت أنه سيطلب فحص المزيد من صناديق الاقتراع، باحثا عن أصوات ضائعة. كذلك سقطت في الانتخابات قائمة "زهوت" (هوية)، التي ادعت استطلاعات الرأي أنها ستحصل على ما بين 5 إلى 6 مقاعد، ومنها ما ذهب إلى منحها 7 مقاعد، بعد أن أعلن زعيمها المتطرف الشرس موشيه فيغلين عن تأييده لسن قانون يسمح باستخدام القنب (الحشيش) للأغراض الطبية، وعدم تجريم من يتعاطاه في حياته اليومية. لكن في نهاية المطاف حصل على نسبة 73ر2% من الأصوات الصحيحة، بينما نسبة الحسم 25ر3%. وكان بعيدا عن نسبة الحسم بنحو 22 ألف صوت.
ونشير إلى أنه في حين تراجع عدد المستوطنين، فإن ارتفاع عدد المتدينين الصهاينة من 10 نواب مع بدء الولاية المنتهية إلى 22 نائبا مع بدء الولاية الجديدة، سيعزز أكثر هيمنة اليمين الاستيطاني على الأجواء السياسية، خاصة وأن التيار الديني الصهيوني الذي يشكل أقل من 40% من إجمالي المستوطنين، هو المسيطر على الأجواء السياسية في مستوطنات الضفة المحتلة.
وعلى صعيد الكتل، وجدنا أن أكبر عدد للمستوطنين في كتلة الليكود، التي تضم ثلاثة منهم، وهناك نائب آخر في كتلة "أزرق أبيض"، ونائب في كتلة "يسرائيل بيتينو" هو زعيم الحزب أفيغدور ليبرمان، فيما تضم كتلة "اتحاد أحزاب اليمين" نائبين اثنين.
وفيما يتعلق بتمثيل النساء، بقي عدد النساء اللاتي يدخلن إلى الكنيست مباشرة بعد الانتخابات على حاله الذي كان عند بدء الولاية المنتهية، وهو 28 امرأة (3ر23%)، وهي من أدنى النسب مقارنة مع الدول المتطورة، التي تسعى إسرائيل لمقارنة نفسها بها. فعلى الرغم من كل المساعي لزيادة تمثيل النساء، إلا أنه ستبقى حواجز أمام رفع نسبة التمثيل النسائي في الكنيست.
والحاجز الأكبر هو الأحزاب الدينية اليهودية، إذ لا يوجد تمثيل نسائي في كتلتي المتدينين المتزمتين الحريديم، شاس ويهدوت هتوراة، اللتين لهما 15 نائبا مجتمعتين. واعترضت هاتان الكتلتان مرارا في الولايات البرلمانية الأخيرة على مشاريع قوانين تلزم برفع التمثيل النسائي، أو دفع محفزات مالية أكبر للأحزاب التي ترفع تمثيلها النسائي.
ورأينا أن عدد النساء في كتلة الليكود التي لها 36 نائبا 10 نساء، مقابل 6 نساء في هذه الكتلة التي كان لها في حينه 30 نائبا. ومن حيث النسب المئوية، فقد ارتفع التمثيل النسائي في الليكود من 20% في الولاية الـ 20، إلى نسبة 8ر27% في الولاية الـ 21 الجديدة.
وفي الكتلة الثانية من حيث الحجم، بلغ عدد النساء 9 من أصل 35 نائبا، أي 7ر25%. وكما ذكر، فإنه لا تمثيل نسائي في كتلة شاس (8 نواب)، وكتلة يهدوت هتوراة (7 نواب). وفي الكتل الأخرى هناك نائبتان في كتلة العمل، ونائبتان في كتلة ميرتس (50%)، ثم نائبة واحدة في كل واحدة من الكتل التالية: "الجبهة الديمقراطية- العربية للتغيير"، و"القائمة الموحدة- التجمع الوطني"، و"يسرائيل بيتينو"، و"اتحاد أحزاب اليمين"، و"كلنا".
**********
نتنياهو أمام مهمة شائكة لتشكيل حكومته الخامسة
يعرف بنيامين نتنياهو أن تشكيل حكومته الخامسة لن يكون أمرا سهلا، ومن شأنه أن يخلف صراعات داخلية في حزب الليكود، الذي تكثر فيه الشخصيات التي تسعى للفوز بحقائب الصف الأول في الحكومة. والعقبة الثانية أن الحكومة سترتكز على 5 كتل برلمانية عدا حزب الليكود، وكل واحدة منها تطمح للفوز بحقيبة، خاصة وأن كل واحدة من هذه الكتل قادرة على حسم مصير الحكومة. وأمام كل هذا يبقى أمام نتنياهو خيار تشكيل حكومة واسعة، وبرغم أنه احتمال ضعيف جدا إلا أنه في حالة معينة قد يتجه نتنياهو إلى هذا الخيار.
حسب نتائج الانتخابات، في حال اتجه نتنياهو لتشكيل حكومته مع شركائه الطبيعيين، وهذا هو الخيار الأفضل بالنسبة له، فإن الأغلبية الحاصلة ستكون 65 نائبا، من بينهم 36 لحزب الليكود. ولكن تبقى هذه أغلبية ضعيفة، من حيث أن كل كتلة صغيرة، من الكتل الخمس الأخرى الشريكة في الحكومة، سيكون بإمكانها خلق إشكالية أمام استمرار عمل الحكومة. وهناك قضايا شائكة وساخنة على جدول أعمال الحكومة، عدا ما سينشأ لاحقا خلال سير عمل الحكومة.
وأولى هذه الكتل كل واحدة من كتلتي المتدينين المتزمتين الحريديم، أو كلتاهما معا، بعد أن زادتا قوتيهما المجتمعة، خلافا لكل استطلاعات الرأي التي صدرت خلال الحملة الانتخابية، وحتى الأخيرة التي سبقت النتائج بساعات، إذ لحركة شاس 8 مقاعد، ولكتلة يهدوت هتوراة 7 مقاعد.
وسيكون على حكومة نتنياهو، مع بدء عملها، أن تنجز القانون الذي سيفرض الخدمة العسكرية الإلزامية على شبان الحريديم، وتعترض على هذا كتلة يهدوت هتوراة بحدة، أكثر من معارضة شاس. وعلى الحكومة الجديدة أن تنفذ قرارات المحكمة العليا بهذا الشأن، ولذا فإن حكومة نتنياهو ستكون أمام أزمة كهذه في بدايات عملها.
كذلك فإن كتلتي الحريديم ستتشددان أكثر في كل ما يتعلق بفرض قوانين السبت، لحظر المواصلات العامة والمرافق التجارية وأماكن عمل. أضف إلى هذا أن الحكومة، وحسب سلسلة من التقارير الاقتصادية، ستكون مضطرة لإجراء تقليص في ميزانية 2019، قد يصل حجمه إلى 10 مليارات شيكل، وهو ما يعادل حوالي 8ر2 مليار دولار. وحسب التقارير ذاتها فإن هذا التقليص سيكون من خلال رفع ضرائب وتقليص مخصصات اجتماعية، وهذا إجراء قد يعترض عليه الحريديم بالذات.
كذلك سنشهد سلسلة ليست قليلة من القضايا التي ستكون محط خلافات بين أطراف الحكومة، لتهدد كل كتلة بمغادرة الحكومة أو التمرد على قراراتها.
العقبة الجدية التي سيواجهها نتنياهو لدى توزيع الحقائب البرلمانية ستكون في حزبه الليكود. ففي حكوماته الثلاث الأخيرة وزع نتنياهو الحقائب "الدسمة" على شركائه، ولم تبق لوزراء الليكود سوى وزارات هامشية، إن صح التعبير، حاول تجميلها بتسميات مختلفة، في إطار تعريفات نواب رئيس الحكومة، لكن هذه مجرد تسميات وزنها أقل قيمة من الورق الذي كتبت عليه، أمام رئيس حكومة قوي.
وبالإمكان القول إن 18 عضو كنيست من الليكود سيرشحون أنفسهم للحصول على حقيبة وزارية، من بينهم لا أقل من 8 نواب يرون أنفسهم قادرين على تولي حقيبة رفيعة. لكن نتنياهو الذي يتوج نفسه مجددا الزعيم الأوحد لحزب الليكود، قادر على فرض إرادته بشكل أقوى، وهذا سيخلق له صراعات داخلية، قد تلعب ضده في حال صدر قرار نهائي بتقديمه إلى المحاكمة في قضايا فساد.
وفي هذه النقطة بالذات نشير إلى أن التنافس الخفيّ، حالياً، بين شخصيات الليكود، على مقعد نتنياهو في حال مغادرته منصبه، سيؤجج الصراع بين تلك الشخصيات على الحقائب التي سيتولونها.
كذلك فإن الكتل الخمس الشريكة ستطلب كل واحدة منها حقيبة رفيعة، ومعها وظيفة برلمانية، وترى كل واحدة من هذه الكتل بنفسها كمن تحسم أمر الحكومة، ولهذا فإنها ستمارس ضغوطا لتحصل على ما تريد أو أقرب ما يكون إلى ذلك.
نشير في هذا السياق إلى احتمال أن نشهد في الولاية البرلمانية الحالية قرار زعيم حزب "كولانو (كلنا)" موشيه كحلون، الذي حصل حزبه على أربعة مقاعد، الانضمام إلى حزب الليكود، الذي انشق عنه قبيل انتخابات العام 2015. وظهرت تلميحات عديدة في تصريحات شخصيات من الليكود في الأيام الأخيرة، يمكن تفسيرها على هذا النحو. ومن بين هذه التصريحات غير المباشرة، أن نتنياهو مستعد لمنح كحلون مجددا حقيبة المالية التي يتولاها منذ العام 2015. لكن هذه تبقى في إطار تصريحات تحتاج لوقت حتى تثبت.
ونذكر أنه في العام 2003 أقدمت كتلة "يسرائيل بعلياه" التي فازت يومها ىمقعدين على الانضمام كليا لكتلة الليكود، وكانت تضم يومها نتان شيرانسكي، والثاني هو من بات في السنوات الأخيرة رئيسا للكنيست، يولي إدلشتاين.
خيار الحكومة الواسعة
رغم أن هذا الاحتمال ضعيف حاليا، إلا أن نتنياهو قد يتجه في مرحلة ما، أو بعد تشكيل الحكومة، لإقامة حكومة واسعة مع قائمة "أزرق أبيض".
وهذا الخيار سيكون في حالتين:
الأولى، أن تتعاظم الضغوط على نتنياهو من حلفائه الطبيعيين، ما يعرقل كثيرا تشكيل الحكومة الجديدة.
الثانية، أن تكون حكومة كهذه هي إرادة أميركية مثلا، لغرض تمرير ما يسمى "صفقة القرن" على الساحة الإسرائيلية، على الرغم من أن الصفقة باتت مرفوضة منذ الآن من الجانب الفلسطيني، ومن دول عربية أخرى، أبرزها الأردن.
لكن المصلحة الشخصية والحزبية لنتنياهو تقضي بعدم الدخول في خيار الحكومة الواسعة، لأن هذه قائمة تشكلت للتو، وهو يعرف أن دخولها إلى الحكومة سيعززها أكثر، ويبقيها في الانتخابات المقبلة قائمة منافسة. ويعرف نتنياهو أن بقاء هذه الكتلة التي يقودها ثلاثة جنرالات كبار، ومعهم "نجم سياسي"، يائير لبيد، لن تتحمل الشخصيات الكبيرة فيها البقاء في المقاعد الخلفية في الهيئة العامة للكنيست. وليس من المستبعد أن تنشب لاحقا خلافات في داخل هذه الكتلة البرلمانية، التي تجمع من أقصى اليمين الاستيطاني المتشدد، وحتى ما يسمى "اليسار الصهيوني". كذلك واستنادا لتجارب سنين طويلة مع نتنياهو، فإن الأخير قد يسعى لتغذية خلافات في داخل "أزرق أبيض"، بهدف شق الكتلة، وجذب أحد شقيها إلى حكومته. فهذه كتلة "عنقودية" إن صح التعبير، أو بالتعابير العسكرية "قنبلة انشطارية"، عند أول ضربة لها ستتفرقع إلى شظايا.
اتجاهات حكومة نتنياهو
خلافا للتقدير السابق بأن نتنياهو سيكون الآن أمام حكومته الخامسة والأخيرة في حياته السياسية، فإن نتائج الانتخابات تلزم بالتريث وإعادة النظر بهذا التقدير، خاصة وأنه حتى الآن لم يثبت وجود جسم سياسي قوي متماسك قادر على خلع نتنياهو وحزبه عن الحكم، وهذا يعود أيضا إلى استفحال تمدد اليمين الاستيطاني في الشارع الإسرائيلي.
كذلك فإن هذه النتائج قد تساعد جهات في النيابة العامة على إجهاض لوائح الاتهام المعلنة ضد نتنياهو. وهذه حالة شهدناها في حالة أفيغدور ليبرمان، التي بدأت بالحديث عن قضايا تبييض أموال بالملايين، وجرائم مالية واقتصادية من شأنها أن تبقيه لسنوات طوال في السجن، وانتهت القضية بأنه حصل على مظروف من دبلوماسي بشكل غير قانوني، ووجهت له المحكمة توبيخا، وعاد إلى كرسيه في وزارة الخارجية في حينه.
وهذا احتمال وارد في حالة نتنياهو. فمحامو نتنياهو سيقدمون ردودهم للمستشار القانوني للحكومة على قراره الأولي بمحاكمة نتنياهو في شهر تموز المقبل، وهنا سيحتاج المستشار، بصفته المسؤول الأعلى في النيابة، من 6 إلى 8 أشهر حتى يصدر قراره النهائي. وقد تقرر النيابة التراجع عن بعض مواقفها بخصوص لوائح الاتهام، أو تبقيها كما هي. وكل الاحتمالات واردة. لكن في حال أبقت النيابة العامة على موقفها تقديم لوائح الاتهام ضد نتنياهو، فسيكون مضطرا لمغادرة منصبه، رغم أن القانون لا يفرض عليه ذلك، لكن سينشأ ضغط شعبي يجبره على التخلي عن منصبه.
وأمام نتنياهو مع بدء عمل حكومته الخامسة، ثلاث مهمات مركزية، أولها الإقدام على تقليصات في الموازنة العامة، وثانيا الانتهاء من قانون التجنيد الإلزامي للشبان الحريديم.
أما الملف الثالث، فهو الذي أعلن عنه نتنياهو في الأيام الأخيرة التي سبقت الانتخابات، وهو فرض "السيادة الإسرائيلية" على مستوطنات الضفة، وعلى المستوطنين عامة، وحينما نقول المستوطنين فالقصد هو مستوطنون في مستوطنات خارج الكتل الاستيطانية الكبيرة. وهذا إجراء ليس سهلا، ويتضمن خلافات داخل اليمين الاستيطاني ذاته، مثل تعريف الكتلة الاستيطانية، ومناطق نفوذ المستوطنات.
ويستند نتنياهو في جرأته على خطوة الضم، إلى سلسلة ظروف ناشئة، ومنها:
-
نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية دلت على توغل عقلية اليمين الاستيطاني في الشارع الإسرائيلي، وهذا لا ينعكس فقط في عدد المقاعد البرلمانية التي حصلت عليها أحزاب هذا اليمين، وإنما أيضا قوائم تحمل ذات الفكر، لكنها لم تعبر نسبة الحسم.
-
في حال تشكيل حكومته مع شركائه القائمين، ولم تكن موسعة، فإن نتنياهو لن يجد أمامه معارضة جوهرية، لفرض "السيادة" على الضفة، فهذا الإجراء ورد في البرنامج السياسي لقائمة "أزرق أبيض".
-
الدعم المطلق، غير المسبوق بمستواه، من الإدارة الأميركية بزعامة دونالد ترامب. فنتنياهو يقرأ القرارات الأميركية الداعمة لاحتلال القدس ومرتفعات الجولان السورية المحتلة، على أنها ضوء أخضر لفرض "السيادة الإسرائيلية" على المستوطنات والمستوطنين في الضفة الفلسطينية المحتلة.
وبالإمكان التخمين، استنادا لتقارير إسرائيلية وغيرها، أن "صفقة القرن" تشمل فرض "السيادة" على المستوطنات في الضفة، وحتى لو تضمنت "الصفقة" إقامة كيان فلسطيني يسمى "دولة"، وسيرفضه نتنياهو وشركاؤه، فإن الأخير سيستغل بند الضم، ليبدأ في مسار تشريعي لهذا الإجراء.
لكن خيار الضم يبقى احتمالا، قد يجد ما يعرقله ويلجمه في الأشهر المقبلة. ومن ذلك: انفجار الساحة الفلسطينية في وجه الاحتلال، في الضفة وقطاع غزة. وسيكون في خلفية هذا الانفجار اشتداد الخنق المالي، في أعقاب قيام الاحتلال بنهب أكثر من 10% من عائدات الضرائب الفلسطينية.
والجانب الآخر الذي من شأنه أن يشوّش عمل حكومة نتنياهو المفترضة، هو أن تبقى النيابة العامة الإسرائيلية عند موقفها القاضي بتقديم لوائح اتهام ضد نتنياهو بشبهات فساد.
*نتنياهو سيتجه لإقامة حكومة تضم شركاءه القائمين ومعهم يضمن أغلبية 65 نائبا من أصل 120 نائبا *ائتلاف كهذا قائم على 6 كتل سيشهد لاحقا صراعات لأن كل كتلة قادرة على حسم مصير الحكومة *خيار حكومة واسعة مع "أزرق أبيض" يبقى قائما في حالات معينة*
"أزرق أبيض": تحالف انتخابي تنتظره تصدعات وحتى احتمال الانشقاق!
سعى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو طيلة الوقت إلى تفتيت التحالفات الحزبية، التي كانت قائمة في الولاية البرلمانية المنتهية، والتي تشكلت تمهيدا لانتخابات 2015، بهدف أن يكون الليكود الكتلة البرلمانية الأكبر من دون منافس. وعلى الرغم من تفتت ثلاثة تحالفات، أحدها في ائتلاف اليمين الاستيطاني واثنان في المعارضة، إلا أن نتنياهو فوجئ بتشكل تحالف "أزرق أبيض" من ثلاثة أحزاب.
وعلى الرغم من أن هذا التحالف شد أعصاب نتنياهو طيلة المعركة الانتخابية، مع ظهور تفوقه في الاستطلاعات على الليكود، إلا أن التجربة علّمت أن تحالفا كهذه من الصعب رؤيته مستمرا؛ وحتى إن صمد طوال الولاية البرلمانية التي ستبدأ للتو، هناك أسباب كثيرة تدعم التوقعات بأنه سيكون تحالفا لمرّة واحدة.
يضم تحالف "أزرق أبيض" ثلاثة أحزاب، اثنان منها تشكلا قبل أسابيع من موعد تقديم القوائم للانتخابات البرلمانية، أولهما حزب "تيلم" بزعامة موشيه يعلون، وهو حزب يمين استيطاني متطرف، والثاني حزب "مناعة لإسرائيل"، برئاسة رئيس أركان الجيش الأسبق بيني غانتس، وهو حزب يعج بالشخصيات من ذوي الخلفيات العسكرية والأمنية، وقد تتضح خلفيات بعضهم لاحقا. أما الحزب الثالث فهو "يوجد مستقبل" برئاسة يائير لبيد الذي تشكل في العام 2013.
وفي حين أن غانتس ويعلون تحالفا في وقت مبكر نسبيا، فإن التحالف مع "يوجد مستقبل" اكتمل قبل 48 ساعة من إغلاق باب الترشيحات، وقيل إن ضغوطا كثيرة شاركت من أجل ضمان هذا الوليد، من بينهم عساكر كبار وأولهم رئيس الأركان الأسبق غابي أشكنازي، وأيضا حيتان مال وأثرياء كبار، كأولئك الذين يؤثرون على "يوجد مستقبل".
وهذا تحالف هجين يضم الكثير من التناقضات، فسنرى أن بين نوابه من اليمين الاستيطاني المتشدد، وحتى من هم محسوبون على ما يسمى "اليسار الصهيوني" بالذات في حزب "يوجد مستقبل"، ولكن أيضا في حزب "مناعة لإسرائيل". وقد تنشأ لاحقا خلافات حول مشاريع قوانين ومبادرات سياسية، رغم أن الحديث يجري على الأغلب عن كتلة ستقبع في صفوف المعارضة الخلفية، على الأقل في المرحلة الأولى، إذا لم تحدث مفاجأة ويتجه نتنياهو لحكومة موسعة، خلافا لمصلحته الحزبية الضيقة.
وفي ما يلي ملامح كل واحد من المركبات الثلاثة، الذي خارجها سيكون غابي أشكنازي، غير المحسوب على أي من الأحزاب الثلاثة، لكنه يتلاقى مع الشخصيات الثلاث وغيرها في الحزب، في السعي لمحاسبة نتنياهو والعمل لإقصائه عن الحكم.
حزب "تيلم"
حزب "تيلم" برئاسة موشيه يعلون، رئيس الأركان الأسبق، ومن كان وزيرا للدفاع في السنة الأولى لحكومة نتنياهو المنتهية ولايتها. وقد تبين لاحقا أن نتنياهو أطاح بيعلون، ليس فقط من أجل كسب حزب "يسرائيل بيتينو" وزعيمه أفيغدور ليبرمان في الحكومة وتوسيع قاعدتها، وإنما أيضا لوجود خلافات جدية بين يعلون ونتنياهو على أمور عدة، أكبرها الخلاف الذي دار بينهما حول صفقة الغواصات مع ألمانيا. وكما يبدو فإن يعلون اشتم رائحة فساد في هذه القضية، ومن الممكن أنه مصدر معلومات جدي للشرطة التي تحقق.
ويعلون هو من صُلب اليمين الاستيطاني المتشدد، ولكن منذ أن أنشأ الحزب كانت تمنحه استطلاعات الرأي ما بين 4 مقاعد، أو عدم اجتياز نسبة الحسم. وقد اختار معه اثنين من أشد المتطرفين في اليمين الاستيطاني، د. يوعز هندل، العامل في معهد الأبحاث للاستراتيجية الصهيونية، وهو معهد يميني متطرف. والثاني من كان سكرتيرا لحكومة نتنياهو 2013- 2015، تسفي هاوزر.
ولهذا فإن هذا الفريق الصغير في الكتلة البرلمانية التي تضم 35 نائبا، سيكون المؤشر الأبرز لليمين الاستيطاني، ومن المتوقع لهم أن يشاركوا في مشاريع القوانين الداعمة للاحتلال والاستيطان خلال سير عمل الولاية البرلمانية.
*تحالف "أزرق أبيض" اكتمل قبل 48 ساعة من إغلاق باب الترشيحات وهذا يدل على أنه ليس متجانساً *التحالف يضم نوابا من اليمين الاستيطاني المتطرف وحتى ما يسمى "اليسار الصهيوني" *31 نائبا سيكونون منصاعين لتوافقات القادة الأربعة *نتنياهو لن يهدأ حتى يشق التحالف في حال طال زمن الولاية البرلمانية*
"مناعة لإسرائيل"
حزب "مناعة لإسرائيل" أقامه رئيس الأركان الأسبق بيني غانتس الذي خلع البزّة العسكرية في العام 2015، وهو من تعيين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، لكن منذ أن غادر منصبه العسكري جرى الحديث عن أن وجهته نحو السياسة. وعلى مدى فترة طويلة كانت تكهنات حول الإطار الذي سيختاره، فهل سينضم لحزب العمل وينقذه من حضيضه، أم أنه سيكون ثانيا مع حزب "يوجد مستقبل"، أو أنه سيتجه لإطار جديد، وهذه خانات تدل على أن غانتس سيختار ما يسمى اليمين الوسطي المعتدل، بحسب المقاييس الإسرائيلية.
والأسماء التي أحضرها غانتس معه إلى قائمته، منها شخصيات عسكرية برزت على الساحة الإسرائيلية العامة، إضافة إلى إعلاميين وإعلاميات، وبالذات شخصيات تحاكي الجمهور العلماني في ما يسمى إسرائيليا مجازا "دولة تل أبيب". ولذا فإن برنامج التحالف الذي أسموه "أزرق أبيض" فيه جوانب علمانية عديدة، تردع المتدينين والمتدينين المتزمتين عن الاقتراب من هذا التحالف.
"يوجد مستقبل"
هذا الحزب الذي أسسه الصحافي يائير لبيد تمهيدا لانتخابات 2013، أثبت خلال الولاية المنتهية 2015، ورغم جلوسه في صفوف المعارضة، أنه حزب يمين متشدد، ويغازل كثيرا اليمين الاستيطاني، رغم وجود نواب من المحسوبين على ما يسمى "اليسار الصهيوني" فيه. وهذا الحزب يسجل عليه قانون سلب ونهب أموال الضرائب الفلسطينية، التي تجبيها السلطات الإسرائيلية عند المعابر الدولية. ويقضي القانون باحتجاز أموال من الضرائب بذات قيمة المخصصات السنوية التي تدفعها السلطة أو منظمة التحرير الفلسطينية أو أي جهة من طرفيهما للأسرى في السجون وعائلاتهم، وللأسرى المحررين، ولعائلات الشهداء، وغيرهم. وحسب التقديرات فإن الحديث يجري عن أكثر من 130 مليون دولار سنويا.
أضف إلى هذا أن حزب "يوجد مستقبل" بادر من صفوف المعارضة إلى مشروعي قانونين يقضي الأول منهما بطرد عائلات المقاومين المقدسيين من مدينتهم إلى الضفة، والثاني يقضي بفرض شبه إقامة جبرية على عائلات المقاومين من الضفة، بحيث يكون محظورا عليها مغادرة بلداتها، إضافة إلى تدمير بيوتها.
وبحسب الرصد الذي أجريناه في مركز "مدار" للقوانين العنصرية والداعمة للاحتلال والاستيطان، فإن كتلة المعارضة "يوجد مستقبل"، أيدت أكثر من 23% من القوانين العنصرية الداعمة للاحتلال والاستيطان، وعارضت 26% فقط من هذه القوانين، فيما تغيبت عن 49% منها، وبالنسبة للمعارضة فإن التغيب عن التصويت هو بمثابة دعم غير معلن، وعدم رغبة بالتصويت ضد هذه القوانين. وهذه النسب هي الجهد الجمعي لنواب الكتلة في كل واحدة من عمليات التصويت.
ومن أصل 11 نائبا في الكتلة في الولاية المنتهية، لاحظنا ثلاثة نواب كان أداؤهم أخف وطأة من باقي زملائهم في التعامل مع هذه القوانين، ومنهم من كان يصوت خلافا لموقف غالبية نوابه، وهم الصحافي عوفر شيلح، ورئيسة بلدية هيرتسليا السابقة ياعيل غيرمان التي كانت في حزب ميرتس، والنائبة كارين الهرار. لكن هؤلاء الثلاثة أيدوا قانون نهب أموال الضرائب الفلسطينية.
كيف ستعمل المركبات الثلاثة
في تفاصيل هذا العرض للأحزاب الثلاثة منها ما سيكون مصدر خلافات داخلية بين نواب الكتلة في قضايا جوهرية، وبالذات حينما يبدأ الكنيست في بحث وتشريع قوانين عنصرية وداعمة للاحتلال والاستيطان، ومن بينها النيّة لفرض "السيادة الإسرائيلية" على الكتل الاستيطانية في الضفة، وعلى المستوطنين، والقصد على المستوطنات الصغيرة الواقعة خلف جدار الاحتلال في الضفة.
لكن علينا عدم الذهاب كثيرا في هذا المجال، لأن النواب الـ 31 على الأغلب سيكونون منصاعين للقادة الأربعة الذين يقودون التحالف، وهم رؤساء الأحزاب الثلاثة المذكورة، ورابعهم رئيس الأركان الأسبق غابي أشكنازي، بمعنى أن الأمور الخلافية سيتم حسمها بين هذه الرباعية، بقدر ما ستبقى هذه الرباعية متماسكة.
ومسألة تماسك الرباعية هي الرهان الأكبر لهذا التحالف. فنحن نتحدث عن ثلاثة جنرالات، كانت في أيديهم حتى وقت قريب المفاتيح الأشد خطورة، ولهم ظهور شبه يومي في الإعلام الإسرائيلي وواجهة السياسة بشكل عام، ورابعهم من كان وزيرا للمالية، يائير لبيد، ولربما سيشعر بخطورة على مستقبله في أن يبقى لسنوات أخرى في صفوف المعارضة الخلفية، وهنا المسألة ليست شخصية، بل الجهات التي أرسلت هذه الأسماء، وبالذات حيتان مال، وتنتظر منها تسديد فواتير، وأن تكون قادرة على دفع بعض مصالح هذه الجهات، رغم أن هذه مهمة صعبة غالبا من صفوف المعارضة.
لذا فإن التحدي الأول لهذه التحالف هو أن يكون لدى قادته نفس طويل، يتحمل الجلوس في مقاعد المعارضة لفترة ليست محددة، فإما أن تكمل الولاية البرلمانية فترتها القانونية، أربع سنوات ونصف السنة، وهذا صعب جدا، ومرتبط بمصير ملفات فساد نتنياهو، أو أن تحصل تقلبات سياسية جوهرية واستراتيجية، ترافقها طلبات من وراء المحيط، من واشنطن، كالطلب بتوسيع الحكومة من أجل تمرير "صفقة القرن"، بشكل أحادي الجانب من إسرائيل.
وإذا ما طالت فترة الجلوس في صفوف المعارضة، فليس من المستبعد أن تبدأ صراعات حول صدارة التحالف، من بينها مثلا طلب لبيد بعد مرور عامين تبوء منصب رئيس المعارضة، الذي يمنحه القانون الإسرائيلي امتيازات أمام الحكومة القائمة.
مناورات نتنياهو لفض التحالف
في الأسابيع والأشهر الأولى جرت العادة على أن نرى فترة هدوء كبير على المستوى البرلماني، بمعنى عدم ظهور تصدعات جدية داخل الائتلاف، ولا بين صفوف المعارضة، لكن كلما تقدم عمل الكنيست زمنيا، فإن مثل هذه الاختلافات، وهي كثيرة، ستبدأ في الظهور على السطح وفي مجالات عديدة.
لكن التجربة علمت أن بنيامين نتنياهو لن ينتظر الأمور تسير وحدها، بل سيستمر حفارا في الكتل الأخرى ليفتتها، ويدس أصابعه في كل جسم كبير أمامه لإحداث شقه، والهدف الأساس في هذه المرحلة سيكون تحالف "أزرق أبيض"، رغم كل ما يرى من صعوبة اختراق في هذه المرحلة.
نذكر مثلا أنه في الولاية البرلمانية الـ 18، (2009- 2013)، عمل نتنياهو جاهدا لشق كتلة كديما التي كان لها 28 مقعدا، أكثر بمقعد واحد من الليكود، وفي حينه سعى لتعديل قانون الكنيست، بحيث يجيز لسبعة نواب، حتى لو لم يكونوا ثلث الكتلة البرلمانية، بأن يشقوا الكتلة البرلمانية. وكان الهدف جذب النائب شاؤول موفاز وشقه عن حزب كديما، حينما كان برئاسة تسيبي ليفني.
ولاحقا خسرت ليفني رئاسة كديما لصالح موفاز، وقيل في حينه إن أصابع نتنياهو لم تكن بعيدة عن هذه النتيجة. وفي شهر أيار 2012، حينما صوّت الكنيست بالقراءة الثانية على قرار حلّه والتوجه إلى انتخابات مبكرة، تم وقف عملية التصويت بشكل مفاجئ، وما هو إلا وقت قصير جدا، أقل من ساعتين، حتى تم الإعلان عن حكومة وحدة تضم الليكود وكديما دامت لأكثر من شهرين بقليل، حتى تم فض الكنيست مجددا، والتوجه إلى انتخابات مبكرة جرت في مطلع العام 2013.
لكن قبل هذا، وفي ذات الولاية، نجح نتنياهو في شق حزب العمل الذي كان يتزعمه إيهود باراك. وكان للحزب 13 مقعدا. وفي مطلع العام 2011 انشق باراك ومعه 4 نواب آخرين عن حزبه العمل بعد أن أيقن بوجود أغلبية في هيئات الحزب للانسحاب من حكومة نتنياهو، وهذا الانشقاق ضمن استمرار عمل حكومة نتنياهو، حتى مطلع العام 2013.
وفي تركيبة "أزرق أبيض" ثغرات ليست قليلة قد تسهل على نتنياهو مهمة شرخ هذه التحالف، فالحلقة الأضعف من ناحيته هي "يوجد مستقبل"، على الرغم من معارضة الحريديم الشديدة لهذا التحالف. فيما ستكون الحلقة الأضعف لضمها للحكومة حزب "تيلم" نظرا للخلاف الشديد بين نتنياهو ويعلون، ولأن الأخير يُعد طرفا في الشهادات في قضية الغواصات من المانيا.
وعلى الرغم من أننا ما زلنا في بداية ولاية برلمانية ستبدأ عملها في غضون أسابيع قليلة جديدة، وأنه من الصعب حسم مصير تحالف "أزرق أبيض"، إلا أن تجارب العمل البرلمانية، وخاصة مثل هذه التحالفات، ترجح أن من الصعب رؤيته تحالفا سينصهر في يوم ما ليشكل حزبا واحدا.
(نشرت المادة كأربعة مقالات في ملحق "المشهد الإسرائيلي"- مركز "مدار")







.png)


.jpeg)



.png)

