إلى رئيس مجلس التعليم العالي المحترم،
إسمي إبراهيم طه، أدرّس في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة حيفا منذ ثمانية وعشرين عامًا. أدرّس الأدب العربيّ، من أقصاه إلى أقصاه، صنعتي الكلام ومنها آكل خبزي وأطعم أهل بيتي. أحبّ الأدب كلّه وأحبّ قربه ووِصاله فأدرّسه بانفعال غريب وشوق عجيب. فكيف إذا كان الحديث عن أدبنا نحن، يا سعادة الرئيس؟!
قبل سنوات قليلة أسقطت الجامعة كلّ آثار اللغة العربية من وثائقها وشاراتها ويافطاتها ومكاتباتها. قامت الدنيا ولم تقعد حتى أعدنا لهذه اللغة بعضًا من كرامتها. كنتُ قد أرسلتُّ رسالة واضحة إلى رئيس الجامعة آنذاك، البروفيسور أهارون بن زئيف، وكان في مقدّمة هذا النضال بعضٌ من زملائنا اليهود. والحقّ يقال، وينبغي أن يقال دائمًا. سألني بعضهم يومها لماذا كان قلبي مجمورًا بل مسجورًا إلى هذا الحدّ. قلتُ: حين أدافع عن لغتي فأنا أدافع عن نفسي، عن هويّتي ووجودي، عن تاريخي ومكاني وكياني.
يا سعادة الرئيس، لا أعرف واللهِ، بكسر الهاء، كيف أحافظ على مسافة واضحة وأنا أدرّس الأدب الفلسطيني في الجامعة؟ كيف أحقّق ما تسمّيه النأي بالنفس عن مادّة الدرس؟ لا أعرف كيف أدرّس شعر محمود درويش وسميح القاسم وحنا أبو حنا وحنا إبراهيم وأحمد الحاج وجمال قعوار وفوزي عبد الله وحسين مهنا وعلي هيبي ومفلح طبعوني... والقائمة تطول وتظلّ تطول. كيف أدرّس روايات إميل حبيبي وأدب محمد نفاع وقصص زكي درويش وسهيل كيوان ورجاء بكرية ومحمّد هيبي... والقائمة تطول وتظلّ تطول.هل أنا من القطب الشمالي وكلّ هؤلاء هم من القطب الجنوبي حتى أنأى بنفسي عنهم،يا سعادة الرئيس؟ أفاخر أمامكبحرصي على تدريس الأدب الفلسطيني منذ عتّبت قدماي الحرم الجامعي. واسمح لي أن أفاخر أيضًا بحرصي الشديد على إقامة مؤتمر سنوي عن هذا الأدب منذ عشر سنوات دون توقّف. ماذا أقول الآن لزملائي وأصدقائي اليهود في القسم الذين أحاطوني بتشجيعهم ودعمهم وحبّهم ومدّوني بالقوّة والثبات؟! وماذا أقول لطلّابي الذين تبرق عيونهم وهم ينظرون إليّ ويسمعون؟! أأقول لهم إنني جبنت أمام وثيقة المجلس وخذلتني قدماي؟! وهل ترضى لنا ذلك يا سعادة الرئيس؟!
يا سعادة الرئيس، هل أجرمتُ حين أحببتُ الأدب واحترفتُ مهنة الحديث عنه؟! كنتُ أريد أن أدعوك إلى محاضرة من محاضراتي عن هذا الأدب، لكنك مثلما يبدو لا تجيد العربية، حتى وإن كنتَتجيدها أكنتَ تطيق ما ستسمعه! أنا أعفيك من ذلك، وأدعوك لتدعوني أنت إلى محاضرة لك عن تاريخك وأدبك وإيمانك ومعتقدك لأتعلّم منك كيف تحافظ على الحياد والموضوعية والنزاهة. كنت أرجو أن أرى بأمّ عيني وأسمع بأذني كيف تحرص أنت على إقامة هذه المسافة بينك وبين مادّة الدرس. وأنا أعفيك حتى من هذا، الأ يكفي أنك تُسمعنا دروسًا في التربية والأخلاق التربوية في المنشورات الدوريةالتي تنزلها علينا أنت ومجلسك كلّ خميس؟!
يا سعادة الرئيس،بعد كلّ هذا الكلام، ماذا تريدني أن أفعل بهذه الوثيقة "الأخلاقية" التي تطالبني بالانصياع لها وأين تريدني أن أضعها؟ عجبًا! ألا ترى أين انتهى المطاف بوثيقة آسا كشير؟! على كلّ حال، لم يترك أجدادنا موقفًا إلا وقالوا فيه قولًا يليق به. لكنني أكتفي بأرقّ هذه الأقوال، حرصًا على مشاعر القرّاء،وأقول لك: "بلّها واشرب ميّتها"!
