فبركة الصورة في الإعلام العبري

single

غلاف "يديعوت أحرونوت"، أول أمس



اعترف بأنني أجد صعوبة في فهم من حملوا صورة حسن نصرالله وعماد مغنيّة في مسيرة يوم الأرض في سخنين. فهذه خطوة أقرب الى "الوَلدَنة" السياسية منها الى الموقف واختيارات التعبير عنه، وهي تحمل أكثر من معنى يقود، بالمحصلة، الى عملية يُراد منها خداع الذات، لا أكثر ولا أقل.
اريد أن اكون واضحًا من البداية: السيد حسن نصرالله لا يمثلني هنا في الداخل، كأقلية قومية فلسطينية تعيش على أرضها. هو لا يمثلني موقفا وتجربة وخصوصية، ولا يمثلني فكرًا سياسيًا واجتماعيًا وممارسة نضالية ورؤية مستقبلية. هذا لا يعني عدم الالتقاء في قضايا المقاومة. على العكس. لكن الفارق كبير بين الإلتقاء على نقاط معينة وبين التماثل المتكامل إلى حد رفع الصورة!
بطبيعتي اعترض على ما يظهر بشكل بديهيات. وأطالب دائما بالتفسير. والكلام يقود الى الإعلام العبري الإسرائيلي. فقد تعامل الإعلام العبري مع موضوع الصورة بما كان متوقعًا منه: حملة تشويه مبرمجة طغت عليها لغة التحريض الجماعي. فهذا الاعلام، بسلوكياته معنا، يقف أمام الأسئلة الصعبة. هو ليس إعلامًا محايدًا. بل له موقف يتجاوز، في الكثير من الأحيان، حدود اللياقة الإعلامية والموضوعية (هي نسبية بطبيعة الحال) في العمل الصحفي.
نحاول ان نفهم الأمور. ونفهمها على النحو التالي: التحريض الإعلامي، في التغطية الإعلامية التي حصلت، يستند إلى موقف معلن، يتم فيه إعادة إنتاج "البوق" المؤسساتي. وهذه الحالة هي إنعكاس لأزمة اعلامية اسرائيلية تصر على التعامل مع العربي من وجهة نظر المؤسسة الإسرائيلية نفسها. من هنا باتت توظيفات الاعلام العبري الإسرائيلي تقوم أصلاً على أسس القطيعة المعرفية والقطيعة السياسية مع قضايا وهموم العربي، مع وجود استثناءات محدودة جدًا، مما يقرّب المتلقي اليهودي، من آليات الإنتاج التحريضي في مختلف مجالات حياة العربي.
 وأول الكلام يتحدد في فقدان التوازن. محاولة جعل اليهودي خارج دائرة الأفكار والمعارف والمعلومات، ليبقى محكومًا بالإنعزال في "ثقافة" تابعة في فهمها لواقع العربي وظروفه، وفي فهمها لتطوره ومستقبله، لمفاهيم التشويه والاختزال والكراهية.
لسنا غير مبالين في هذه المسألة تحديدًا. والخلاصة ان منطق الاعلام العبري اخرج كل شيء خارج دائرة المعقول: ليس فقط استيعاب التشويه والتحريض، انما فهمه وتفهمه وتبريره واعادة انتاجه من جديد. وهذا اخطر ما نلحظه. فلا قيمة لقضايا العربي ومشاكله، ولا هي جديرة بمساحة ما على صفحة الجريدة او شاشة التلفاز. ولا قيمة لسؤال عن السبب الذي أخرج أكثر من عشرة آلاف متظاهر بعد مرور (34) عامًا من يوم الأرض الخالد. هذه قضايا لا تتلاءم وطبيعة "الاعلام الجديد" القائم على خبر الإثارة وليس على خبر الحدث. وهي بذلك انما تشيع وتضبط وتقنن صناعة التحريض وتفرزها الى مرغوب يعزز حالة القبول بالكراهية وتشويه الصورة.
الاعلام الاسرائيلي غير منضبط في تعامله مع العربي. هذا واقع نعيشه ونلمسه. والمعلقون اصبحوا انصاف او اشباه معلقين، تخالهم أحيانًا موظفي أجهزة الاستخبارات و"الشاباك". وشبكات التلفزة والاذاعات والجرائد باتت بوقا للدعاية الرسمية الاسرائيلية. فالعربي لا يظهر الا وهو يحمل صورة حسن نصرالله. وهكذا تجري صناعة التكفير بالعربي. ونحن هنا لا نتحدث عن العربي الفرد. انما عن المجموع. فالعربي، كمجموع، هو المعادي للدولة العبرية وهو الموالي لحسن نصرالله. وفي الوقت ذاته فان الاعلام الاسرائيلي يصر على تغييب اية صورة او مشهد للتمييز العنصري اللاحق بالعرب، عشرين بالمئة من مواطني الدولة، او لحالة الخنق والحصار ومحاولات مصادرة الهوية بعد مصادرة الأرض، ذلك ان الاسرائيلي العبري لا يمكن له ان يظلم ويسرق ويحاصر، ولا يمكن له ان يكون عنصريًا، واذا فعل فهذا نتيجة خطأ انساني!.
اذن، يجوز، في هذا السياق، للاعلام الاسرائيلي تغييب المعرفة وشطب العربي عن بكرة أبيه. هكذا يجري تصويره: هو مدان حتى تثبت براءته. وهكذا يتحول، حتى وهو يعاني (يعاني ويواجه ويناضل في ذات الوقت)، الى انسان لا يستحق الحياة في "اسرائيل الديمقراطية"، فتتحوّل معها، ببساطة، صناعة الكراهية الى حالة عامة تقود المجتمع الاسرائيلي العبري، أو أجزاء أساسية منه، الى الاستنتاج بأن هذا العربي لم يبقي لنا، نحن اليهود، أية امكانية سوى التفكير بترحيله للتخلص من الخطر الكامن فيه.
وحتى هنا فإن العربي هو المتهم بخدش انسانية اليهودي الذي ينقاد الى هذا الاستنتاج رغمًا عنه بفعل فبركة الصورة التي ينقلها الإعلام الى المتلقي اليهودي، وهي صورة تمتلك المؤسسة منها النسخة الأصلية: النيغاتيف!

قد يهمّكم أيضا..
featured

لمواجهة الملاحقة السياسية لـ "الميدان"

featured

مصطلح فلسطين المحتلة

featured

لكسر الإملاءات والصلافة الأمريكية

featured

صبرًا يا آل غزة فإن موعدكم النصر

featured

هذه قمة العنصرية يا اعداء الشعوب

featured

الشعب المصري مخلص لثورته

featured

الى ايمن عودة ورفاقه