الجو الحزبي المطلوب لاتخاذ القرار

single

قد تكون الظروف التي فُرضت على حزبنا الشيوعي وانوجد فيها منذ تأسيسه سنة 1919 من أعقد وأصعب الظروف، بسبب وجود أقلية يهودية وأكثرية عربية في فلسطين العربية، وقد سبق تأسيس الحزب اتفاق سايكس بيكو ووعد بلفور ونشاط الحركة الصهيونية ضد العرب تحت حماية الانتداب البريطاني وما تبع ذلك من ثورات عربية وانتفاضات سنة 1929 وثورة سنة 36 وثورة القسام ونكبة الشعب العربي الفلسطيني سنة 48، والدور الهدّام لبريطانيا والحركة الصهيونية والرجعية العربية التي صنعت النكبة وتمعن في بقائها وتوسيعها لتطال العالم العربي كله، وكذلك دور السلطنة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر في تجريد العرب الفلسطينيين واللبنانيين من أرضهم وانتقالها الى الحركة الصهيونية كما حدث في منطقة الحولة وقرية المطلّة، ودور تركيا اليوم. كما سبق تأسيس الحزب قيام ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى سنة 1917 في روسيا ودور الاستعمار في محاولة القضاء على هذه الثورة – "وقتل الدجاجة الشيوعية الحمراء قبل ان تفرخ" كما قال ونستون تشرتشل، وتأثير ذلك على القضية الفلسطينية خاصة فيما يتعلق بقرار التقسيم المجحف، ولكن كان هو الحل الأسلم في تلك الأيام في مواجهة المزايدات الفارغة والتآمرية من الجانب العربي الذي استنكر الموقف السوفييتي، وللتذكير نقول ان اليمن بقيادة الأئمة من عائلة حميد الدين كانت اول دولة تقيم علاقات مع الاتحاد السوفييتي سنة 1929، وللتذكير ايضا نذكر ان عبد العزيز آل سعود الوهابي لبّى وبحماس دعوة بريطانيا لأن تكون فلسطين وطنا لليهود، وذلك في أواسط عشرينيات القرن العشرين، بعد سنوات قليلة من وعد بلفور المشؤوم.
وبالرغم من كل هذه الصعوبات والعوائق المركبة والمعقدة استطاع حزبنا الشيوعي ان يتخذ القرارات الأسلم، القرارات الصائبة، وكان من الطبيعي جدًا ان تكون منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي افضل بكثير مما نراه اليوم، لو نُفّذ قرار التقسيم.
والآن الى الموضوع العيني، والى ما نواجهه اليوم في حزبنا الشيوعي وأهمية وضرورة وجود الجو الرفاقي لاتخاذ القرار ووحدة الحزب الفكرية والتنظيمية والسياسية من منطلق المصلحة الحزبية ولصالح كل قضية.
فحيث ضُربت هذه الوحدة جرى انشقاق في الحزب، خاصة سنة 1965.
استغلت مجموعة داخل الحزب بقيادة ميكونس وسنيه وفلنسكي كذبة نشرتها وكالة انباء اليونايتد بْرٍس على لسان احمد بن بلا أول رئيس للجزائر بعد استقلالها عن الاستعمار الفرنسي والذي كان منشغلا بالمنازعات الداخلية بين قادة جبهة التحرير. هذه الكذبة تقول: ان احمد بن بلا صرّح: ان الجزائر سوف توجّه مجاهديها الذين فرغوا للتوّ من حرب الاستقلال الى فلسطين كي يحرروها ويقضوا على اسرائيل.
وبعد المراجعة تبين ان بن بلا لم يستقبل أي مندوب لهذه الوكالة، ولم يطلق مثل هذا التصريح ولم يفكر بأرسال مجاهدين خارج الجزائر، لكن بن بلا أُوقع في ورطة، فلو أيّد تصريح الوكالة اتهم بالمزايدات في العالم العربي خاصة من عبد الناصر، ولو نفى يخيب أمل العديد من الجزائريين كغيرهم من العرب المستعدين فعلا للقيام بهذا الدور. يومها زعق ميكونس وجماعته: لا يمكن اعتبار جبهة تحرير الجزائر حركة تحرر وطني في الوقت الذي تريد فيه القضاء على دولة ، على اسرائيل. كانت هذه واحدة من حجج المتربصين للانشقاق...
ويُسأل السؤال: كيف ان هذا الحزب الشيوعي، حزبنا، استطاع ويستطيع اليوم ان يتخذ الموقف الصحيح في قضايا معقدة في المنطقة، بينما هناك خلافات حادة في عدد من الفروع حول القضية البلدية والموقف من هذا الرئيس او ذاك!!
وكيف يجري الخلاف القطري على انتخاب هيئة حزبية او قائمة انتخابية!! قد يقول البعض ان هذه الخلافات لها أساس فكري او سياسي، يبدو ان الأمر غير مدفون في ذلك.
عند ظهور النتائج محليا او قطريا في قضية معينة مطروحة للتصويت يبدأ سيل التهاني والقهقهة المقيتة من قبل المجموعة "المنتصِرة" والتشفّي حتى ضد الفئة الخاسرة، وتكون الخسارة لكل الحزب. والامثلة على ذلك موجودة. استفحلت هذه الذاتيات والبسطات التنظيمية بنعمة البرسترويكا واعادة البناء والشفافية والعلنية، وبعد الانهيار، ظهرت الخلافات في الهيئات المركزية وجُند جنود الاحتياط في الفروع، كان يسود الاجتماعات جو متوتّر مرير بالصراخ والزعيق، وكان أحد أساليب منع اتخاذ القرار هذا الزعيق المصطنع والتأجيل المستمر لإظهار ان الحزب عاجز، غورباتشوف اخترع اختراعا جديدا لضمان الاكثرية، فصَل ثُلْث أعضاء اللجنة المركزية بحجة انهم يعرقلون اعادة البناء، أي يعرقلون الخيانة، ثم فصل ثلثا آخر من القدامى الكبار السن لانهم غير قادرين على العطاء!!
كان هذا النقاش الحاد في الحزب يومها قبل نعمة الفيس بوك، فكم بالحال اليوم مع هذه الشفافية اللعينة!!
في ثمانينات القرن الماضي قال احد مسؤولي المخابرات – الشاباك: لا حاجة لزرع عملاء داخل صفوف الحزب الشيوعي، يتكلمون عن كل شيء في الهواتف – والهواتف مراقبة، فكم بالحال اليوم.
جو الخلافات هذا عرقل اتخاذ القرارات الواضحة والصحيحة في عدد من الفروع وليس فقط في الفروع. وكم من التقدير يجب ان نوليه اليوم لقيادة حزبنا التي وبالرغم من كل شيء تتخذ الموقف والقرارات الصحيحة فيما يتعلق بالوضع العام في منطقة الشرق الاوسط ورؤية هذا الثلاثي المتآمر والممثّل بالاستعمار والصهيونية والرجعية العربية كما نراه في سوريا واليمن والسودان وفلسطين ولبنان وايران...
وكم من عبرة يجب ان نأخذها من عدد من الرفيقات والرفاق الذين أظهروا حساسية مفرطة والتصاقا لا يُقْبع بالماركسية اللينينية، وفي المعارك انحازوا الى الخَصم او الى الحياد السلبي وبعضهم خرج من صفوف الحزب.
القرار بحاجة ماسة وضرورية وحاسمة الى جو رفاقي وثقة متبادلة والى رفاق ذوي كرامة شخصية غير متسلقين وغير قابلين للتسلق عليهم، وبناء الشخصية الحزبية الصادقة الجريئة التي ترفل بالكرامة الشخصية اثمن ما يملكه الانسان.
وكم هو مؤلم ان ترى رفيقات ورفاقا عريقين قبلوا وضعفوا وحتى ساهموا ليجدوا انفسهم على هامش الحزب والاعتكاف. أُحضرْ، إنشطْ، ناقِش وابْقَ في الطليعة، هذا هو دواء داء الذاتية والشخصنة والتملق والانتهازية والتسلق، حتى لو كنت في خانة الاقلية ومعك حق، لأنه في ظروف التوتر والاصطفافات الممجوجة المدمرة يكون الحق أحيانًا مع الاقلية والتي عليها ان تقبل قرار الاكثرية وتعمل بنشاط مضاعف داخل الحزب وهيئاته وتنظيمه، وفقط داخل التنظيم الحزبي لإصلاح الخطأ. اما الاعتكاف والخروج على التنظيم الحزبي واليأس والاحباط من امكانية التغيير والاصلاح ونشر الغضب والانتقادات – الجارحة احيانا – خارج التنظيم الحزبي تزيد الطين بلّة.
هذا الحزب المجيد بأمسِّ الحاجة الى كل رفاقه خصوصا في ظروف العالم والمنطقة والبلاد، علينا ان نؤثِّر في المجتمع بقوة وايجابية، لا ان نتأثر بسلبيات هذا المجتمع الذي يعج وللأسف الشديد بالمداهنة ومصداقية الرشوة والتلوّن والانتهازية، والتقوقع والانغلاق والتعصب بكل الوانه، هكذا يحافظ الحزب على هيبته وقوة تأثيره وخصوصيته الفكرية والتنظيمية والسياسية والطبقية، هذه هي المسؤولية الجماعية والشخصية.
قد يهمّكم أيضا..
featured

الخسائر: أوانٍ زجاجية ورجل دين!

featured

هل يخنع النظام التركي لضغوطات التدجين الامبريالية؟؟

featured

نذرف دمعة وننشد معك قصائد بوشكين وماياكوفسكي

featured

الجنرال السعودي يعرف الطريق لوحده

featured

"النق" والنقيق!

featured

داود تركي

featured

سلام (شالوم) عليك ولكِ يا كويكات، بلدي

featured

الحكام العرب ولعبة شد الحبل