لم يحد توقيع هذه الاتفاقية عن السيناريو المعهود الذي رافق توقيع كافة اتفاقيات العمل خلال السنوات الأخيرة:إعلان الإضراب من قبل قيادة الهستدروت ومفاوضات تتفجر عدة مرات وتوقيع الاتفاقية إما قبل الشروع بالإضراب بلحظات أو بعد يوم من بدء الإضراب.
ولكن هل تحمل هذه الاتفاقية بشائر لجمهور عاملي القطاع العام؟
لنستذكر مطالب الطرفين عشية إعلان الهستدروت للإضراب العام في كافة المرافق العامة,كما وردت في وسائل الإعلام:
موقف الهستدروت-طلب علاوة بنسبة بمعدل %3.5 لكل واحدة من السنوات 2009,2010,2011 أي بمجموع% 10.5 .
موقف وزارة المالية-استعداد لدفع علاوة بمعدل %0.5 لكل سنة أي بمجموع %1.5 للأعوام الثلاثة.كذلك كان للمالية مطالب إضافية (ربما كوسائل ضغط خلال المفاوضات):
- دفع منح وعلاوات لأجور المستخدمين المتميزين.
- أن تكون العلاوة بنسب متفاوتة تنخفض تدريجيا مع ارتفاع الراتب (لتقليص الفوارق بين الأجور).
- منح إدارات القطاع العام مرونة إدارية لفصل المستخدم اونقل مكان عمله حسب احتياجات الهيئة أو الإدارة.
ومع توقيع الاتفاقية جرى تبادل التحيات والمدائح بين وزير المالية شتاينيتس ورئيس الهستدروت عيني ولكن ماذا كان نصيب أجيري القطاع العام ؟
*يحصل الأجيرون على علاوة بقيمة %6.25 موزعة كالتالي:
-%2.25 اعتبارا من كانون ثاني 2011 .
- %2 إضافية ابتداء من كانون ثاني 2012 .
- %2 إضافية ابتداء من كانون ثاني 2013.
-دفعة لمرة واحدة بقيمة ألفي شاقل عن العامين 2009و2010 .
تعويض زهيد يقل عن مائة شاقل شهريا ,وجميع هذه الإضافات خاضعة للضريبة. ويبدو جليا خضوع قيادة الهستدروت لإملاءات لجان العمال القوية التي تجمع ذوي الرواتب المرتفعة نسبيا (شركة الكهرباء,مكوروت....),إذ تنازلت الهستدروت نتيجة ضغوطهم عن إمكانية دفع المشغلين علاوات متفاوتة بحيث تكون بنسب أعلى لذوي الأجور المتدنية وتنخفض تدريجيا لذوي الأجور المرتفعة.
هل عوضت الاتفاقية جمهور الأجيرين في القطاع العام عن تآكل أجورهم؟
بموجب تحليل الخبيرة الاقتصادية المختصة بشؤون الأجور,ليندا عفروني,يتبين أنه بين العامين 2000 و2012 وقعت الهستدروت على اتفاقيتي أجور ضمنت فيهما علاوات بقيمة %12 ,أي بواقع %1 سنويا بينما تراوحت نسبة التضخم المالي بين%3-%4 سنويا .
أي أن تآكل الأجور هو في الواقع بين %2 إلى %3 سنويا.هذا بالإضافة لتنازل قيادة الهستدروت عن ضمان الآليات المعهودة التي تضمن تعويض الأجيرين عن تآكل الأجور في ظروف الغلاء المتزايد كاتفاقية علاوة غلاء المعيشة التي توقع عادة مع لجنة التنسيق للهيئات الاقتصادية التي يتم توسيعها بأمر يوقعه وزير العمل.أو الآلية النابعة من زيادة التدريج والأقدمية ,إذ تم تقليص هذه الإمكانية في القطاع العام حتى الحد الأدنى ففي السابق كان المستخدم يحصل على درجة إضافية بمعدل مرة كل ثلاث سنوات وهذا يعني زيادة بواقع %4 سنويا(%3 للدرجة و%1 لسنة الخدمة الإضافية).ولابد من الإشارة هنا أن نقابة مستخدمي القطاع العام وقيادة الهستدروت قد أهملت لسنوات طويلة موضوع مبنى الأجور في القطاع العام وسلم التدريج المعمول به, خصوصا بعد تشريع الإتفاقيات الخاصة واتفاقيات الموظفين الكبار مما أدى بالتالي إلى إهمال موضوع أجور باقي المستخدمين.وأحيانا يتم الالتفاف على سلم التدريج نتيجة ضغوط جهاز المستخدمين بدفع علاوات مختلفة لا تدخل في احتساب الراتب التقاعدي أي انها تضر بالأجيرين في المستقبل.
ويكفي استذكار الاتفاق الذي وقعته الهستدروت مع وزارة المالية في العام 2008 بخصوص مخصصات التقاعد وشرع في تنفيذه في نهاية العام 2009 ,حيث وافقت على فك الارتباط بين سلم التدريج ورواتب التقاعد,بموجب النظام القديم كان الموظف المتقاعد يستفيد من أي تعديل لراتب الدرجة المحتسبة له لغرض التقاعد (أي إن اتفاقية الأجور الحالية كانت ستؤثر ايجابيا), ولكن بموجب الاتفاق تنتهي العلاقة مباشرة بعد الخروج إلى التقاعد ويجري تعديل الراتب مرة واحدة في شهر كانون ثاني من كل عام بمعدل ارتفاع جدول غلاء المعيشة لشهر كانون أول للسنة التي تسبق التعديل عن جدول شهر كانون أول من السنة التي سبقتها.
*العلاوة المدفوعة لأمهات أطفال حتى جيل 5 سنوات محددة لطفلين
تدفع هذه العلاوة اعتبارا من أيلول 2011 كالتالي:
300 شاقل للطفل الأول
200 شاقل للطفل الثاني
أي أنها تمنع عن العائلات كثيرة الأولاد ,العرب والحرديم,وهي تدفع فقط للعاملات في القطاع العام ولم يتم التطرق لتوسيعها للعاملات في القطاع الخاص.كذلك لايستفيد منها الزوج العمل في القطاع العام بينما زوجته لا تعمل أو أنها تعمل في القطاع الخاص.
*زيادة الإقتطاعات لصناديق التقاعد(حاليا %17.5 )
في بداية العام2011 ترتفع إلى %18.5 (%1 مقسمة كالتالي-%0.5 من المستخدم و%0.5 من المشغل)
ومع بداية 2013 تصبح النسبة %19.5 بنفس النظام.
هذا البند يحسن حاليا مدا خيل صناديق التقاعد وفائدته بعيدة المدى, هذا إن لم تعصف أزمة مالية بهذه الصناديق, وتأثيره الفوري خفض راتب المستخدم بنسبة %1 منه.
وككل اتفاقية أجور لم تضمن الهستدروت التزام وزارة المالية تنفيذ الاتفاقية الفوري ليشمل كافة مستخدمي القطاع العام بما في ذلك السلطات المحلية والاتحادات المختلفة أو سلطة البث وغيرها من خلال ضمان تحويل تكلفة الاتفاق من قبل وزارة المالية,فنرى مركز السلطات المحلية يعلن عن عدم استطاعة السلطات المحلية تحمل تكلفة الاتفاق ومرة أخرى سنشهد احتمال إضراب قطاع آخر اصغر حجما وأقل تأثيرا من إضراب شامل للقطاع العام ,فالهستدروت ألغت إمكانية التضامن بين قطاعات العمال المختلفة ولن نجد قطاع قوي وذو تأثير يدعم قطاعا أضعف وأصغر.
والأهم أن وزارة المالية ضمنت هدوءا تاما في مجال علاقات العمل من قبل نقابة العمال الجديدة- الهستدروت حتى نهاية العام 2012 .
هذا الواقع يحتم على كتلتنا في الهستدروت وكوادر الجبهة أخذ دور فاعل ومؤثر لقيادة المعارك النقابية دفاعا عن حقوق العاملين .
