يرجون العودة ولا يسلكون مسالكها

single

في ذكرى النكبة وتوأمها النكسة، وما بينهما وقبلهما، وبعدهما من كوامخ الانعكاف وتكرار التراجع الى خطوط الدفاع الرابعة والخامسة على خطوط التماس العربية، على كافة الجبهات، يقف شباب العروبة اليوم ، تربة وجينات جميع هذه المحطات من حياتنا السياسية واحدة ، وحصاد ثمارها واحد ، اما الاستشهاد او التشويهات والاعاقات و التشريد والضياع والانتظار اللامتناهي، واما  ذل الاحتلال او الموت البطيء داخل غيتوات موديل سنة 1948، لا تدخل ازقتها الشمس، هواؤها مشبع بأبخرة مزمنة خرجت من صدور ملايين اللاجئين المكدسين، تعبوا من الانتظار وتعبوا من استجداء وكالة غوث اللاجئين ودول العالم .
لم يعرف التاريخ شعبا طالت مدة لجوئه وتشريده وابعاده عن وطنه قهرا مثل الشعب الفلسطيني .  الشركس اصبح لهم وطن ، كذلك الأرمن والأكراد وجميع القبائل النورمندية والمغولية والسكسونية والقبائل الافريقية، جميعها اصبحت تتمتع بالسعادة في دول لها حدودها وسماؤها .
جميع الذين شردتهم الحرب العالمية الثانية، في اوروبا وشرق آسيا، عادوا الى اوطانهم ، عادوا بعد ان اقاموا مراكب عودتهم داخل احواض اصرارهم واستعدادهم واستخدام قدراتهم وتضحياتهم . قبل بداية مشاوير عودتهم ادركوا ان سفنهم لا تجري على اليابسة، وادركوا ان العودة الى الاوطان المحتلة ليست نزهة او معركة دعائية او عملا رومانسيا، عرفوا بأن الحدود هي حدود الاسلاك الشائكة وحقول الألغام والتحصينات ومرابض الاسلحة، بعد ان تأكدوا بأنهم قادرون على تجاوز هذه الموانع عادوا .
 إن الانظمة الحريصة على ابنائها لا ترسلهم الى الموت، بل تعلمهم بأن الحياة هي منطق الرفض مع القوة، وليس ارسالهم الى الموت العاري الذي لا يستره مدفع وطائرة وصاروخ وقنابل ..الخ . وقبل ذلك  قرارات تحمي صلابة وعناد عدالة القضية ، ان الحق الشرعي لا يكفي ان يكون سلاح  العودة، يجب توفير المسالك الصحيحة لهذا الحق التاريخي .
هذا ما حدث على حدود الجولان المحتل ،في ذكرى النكسة مع بداية الاسبوع الحالي، جاءوا كي يقدموا كوكبة جديدة من الشهداء لتضاف الى الارقام في ارشيفات الشهداء، تجاوزوا العشرين شهيدا، اضافة الى مئات الجرحى، جاءوا لاشباع شهوة القتلة المتعطشين لدماء العرب، من جنود نتنياهو وايهود براك . لقد اصبحت عملية القنص والقتل بالنسبة للجندي الاسرائيلي نوعا من حالة الاستمتاع التي تفرز غروره وعُنجهيته، لقد تعودت اصابع الجنود على الضغط على الزناد طوال مسيرة الاحتلال في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان ، حتى اصبحت رائحة الدم نوعا من العشق الاسرائيلي،  انهم يوثقونها في ارشيفات ذاكرتهم ومتاحفهم وتاريخهم، وقد غزت ايضا  شرائح هواتفهم حيث يتناقلون الصور الدامية   كجزء من الفولكلور الشعبي الذي يحاولون تخليده .
القتل والتعذيب والتنكيل ، برقيات يفهمها ويعرفها القاصي والداني ، اذا لماذا نزود شلالات الدم بدماء جديدة ، بضحايا جدد ،  قدموا معرضين صدورهم لهؤلاء القتلة .
ما حدث في الجولان السوري المحتل ، في ذكرى النكسة حالة من تقديم الضحايا على مذبح العودة، لكن بطريقة مغايرة لعودة الشعوب الى اوطانها، ان هذا لا يختلف عن الانتحار باسم العودة . ان الشعب الفلسطيني والسوري قد قدما ما فيه الكفاية من مواكب الشهداء، في معارك الشرف التي خاضها في البقاع ومنطقة العرقوب وجنوب لبنان والجولان وغيرها، نحن لا نريد ان يكون الموت رخيصا، يجب ان يكون للشهادة ثمن وهو التقدم الى الامام، للوصول الى الغاية المنشودة وهي العودة الحقيقية، اما بالانتصار السياسي او بالمواجهة العسكرية .
في ذكرى النكبة، استشهد العشرات من شباب العودة وهم يقتربون من الحدود اللبنانية الاسرائيلية وعلى جبهة الجولان المحتل، ان سقوط هؤلاء  الشهداء زاد من نزيف الجرح الفلسطيني ولم يؤدّ الى عقد قمة عربية او اجتماع لوزارء الدفاع العرب، والدول الغربية صامتة كعهدها واذا تكلمت تلف وتدور لتحمي اسرائيل وتكيل التهم للشعب الفلسطيني .  ان هؤلاء الشهداء الجدد لم يغيروا شيئا من واقع وحرارة استمرار الاحتلال على كافة الجبهات، اسرائيل وحدها بقيت الرابحة والمنتصرة لأنها صدرت اللوعة والمرارة والحزن الى داخل عشرات الاسر الفلسطينية التي تعيش داخل مخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان . وفي ذكرى النكسة ارتكبت حكومة نتنياهو مجزرة جديدة في هضبة الجولان، دون ان يقدم لها بطاقة احتجاج واحدة من أية عاصمة عربية او دولة اوروبية او مؤسسة دولية، لقد اعتبرت الولايات المتحدة كعادتها الجرائم الاسرائيلية وقتل الأبرياء، دفاعا عن النفس، حتى لو جاءوا يحملون الأعلام واغصان الزيتون فمن حق اسرائيل سفك دمائهم .
بعد كل مذبحة، يقوم بها جلاوزة الاحتلال، تقوم اسرائيل السياسة والدولة بمد ألسنتها ساخرة من العرب والمسلمين والعالم اجمع، لأنها تعرف ان لا احد يلومها او يعاتبها او يعاقبها، وهي تعرف بأن ملوك ورؤساء العرب لا يملكون حرية العمل والتحرك، لأنهم داخل انفسهم جبناء ومهزومون، وفي علاقتهم مع العالم مجرد أجراء .
اسرائيل تعرف اكثر من غيرها بأن غالبية الشعوب العربية لا زالت في حالة من التخدير تجاه القضية الفلسطينية، حتى بعد التحركات الشعبية التي قامت في هذه الدول، لأن هذه الهبات لم تستهدف اسرائيل ولم تطالب من الأنظمة العربية تغيير سياستها تجاهها او تجاه القضية الفلسطينية، في نفس الوقت فانه لكل شعب عربي همومه على قدر ثوراته ، من اليمن الى سوريا الى ليبيا، اذا نطرح السؤال : من سيدافع عن من ؟ ومن سينجد من ؟ معادلة عربية تحولت الى لغز غامض ومزرٍ ...!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

العلاقة بين اعادة الاعمار والاستقرار السياسي !

featured

الاصنام البشرية!!

featured

قرار ايران سيادي بامتياز

featured

سلكنا طريقا وعرة وتجاوزنا العقبات التمييزية والعنصرية

featured

جمال عبد الناصر - عظيم العرب

featured

سعير. كبش فداء

featured

رياضة بدون شتائم