لأكثر من عشرين دقيقة، تركوا يعقوب أبو القيعان ينزف حتى الموت. وبعد ذلك قالوا له: أنت قاتل. وفي زمن مضى كتب محمود درويش: "ربطوا يديه بصخرة الموتى وقالوا: أنت قاتل".
هل تعتقد، يعقوب ابو القيعان، أنك اذا متّ ستهرب من اولئك الذين جاؤوا لإحياء الصحراء، وفي غمرة حماسهم هدموا كذلك 500 قرية عربية عام 1948؟ ليس فقط "اللي خلق علق"، كما يقول العرب، فحتى الموت لن يحررك من شره الولهين بالعقارات.
لقد ذاب الثلج (غير الموجود أصلاً) وبانت الصحراء برمالها الذهبية المنتشرة ملأ الفضاء، لتكّذب رواية وزير الأمن الداخلي، جلعاد اردان. أحداث أم الحيران كانت معاكسة للرواية الرسمية. الشرطة قامت بإطلاق النار، وبعد ذلك تدهورت السيارة. ولكنّ بالرغم من ذلك، فما زال هنالك لدى الشرطة بصيص أمل؛ فها هم الخبراء يشمرون عن سواعدهم، لكي يفحصوا فيما إذا كان باستطاعة أبو القيعان تنفيذ الدهس حتى بعد اصابته. وفي الراديو تم اقتباس أحد أطباء العظام، بأن القدم المصابة لا تضغط على دواسة البنزين كما أكد خبراء آخرون. ها هو البريق يعود للأعين. من الممكن أن تكون هنا عملية دهس، لتبرير القتل والتحريض.
بإمكان ابو القيعان أن يشعر بالامتنان الآن تجاه العدالة الاسرائيلية التي وضعته في موضع الشك: يمكن هذا ويمكن ذاك. يمكن أن تكون تلك عملية دهس ويمكن أن لا تكون كذلك. هذه هي الهدية الاكبر التي يستطيع أبو القيعان الحصول عليها من العدالة الاسرائيلية. الفيلسوف العربي جبران خليل جبران تحدث عن نوع مشابه من العدل، حين قال: " والعدل في الأرض يُبكي الجن لو سمعوا به ويستضحك الأموات لو نظروا"، يمكن التقدير الآن أن أبو القيعان يبتسم على ضوء العدالة البائسة على الأرض.
اعتمادًا على ذلك، ها نحن نقدم اليكم "بروفيل" الشخصية الجديدة لعضو داعش: بسبب سوء النية لا يختار سوى أن يولد لعائلة مقتلعة من أرضها؛ يُجبر نفسه على بناء بيت ليؤوي عائلته؛ ينتظر الشرطة كي تأتي وتهدم هذا البيت؛ ويخرج الى خارج القرية مبتعدا عن هدير الجرافات المرعب؛ وفي الطريق يفسح المجال للشرطة لتطلق النار عليه؛ ويسمح لنفسه، دون وازع من ضمير، أن يموت ويفقد السيطرة على السيارة التي تتدهور وتدهس شرطيا. باسم الحفاظ على حقوق النشر، أنا سجلت الأحداث هنا فقط - هذا الإبداع هو من صنع العقل اللامع للوزير اردان.
من الصعب معرفة ما حدث على قطعة الارض التي نزف عليها المصابان. الاول هو الشرطي ايرز ليفي، الذي كما يبدو أنه لم يكن على قيد الحياة آنذاك. والثاني هو أبو القيعان الذي كان ينزف. هل بكى رجال الشرطة على المصير المأساوي لشابين ما زالت الحياة كلها أمامهما. هل تحدثوا عن احلامهما؟ ما الذي فعلاه وما الذي لم يفعلاه بعد؟ أو: هل حاولت الشرطة نسج رواية؟ أو: هل تم اعداد رواية من فوق وفُرض عليهم تبنيها؟ ألم يفكروا في أن الشمس ستشرق على الرغم من ذلك، وسيأتي شخص يهودي شجاع ويقول بصوت واضح: لقد حدث اطلاق نار قبل عملية الدهس؟
أنا أفكر بالمصير الصعب لـ "الجندي أبننا جميعًا"، اليئور أزاريا، الذي قام، وبحماس شرقي، بقتل الفلسطيني المصاب في الخليل. لماذا كل هذا الحماس؟ كان يمكن الانتظار بضع دقائق، وسيموت المصاب بسبب النزف دون هذه الضجة، دون تحقيقات لا لزوم لها.
لقد قيل عن أبو القيعان إنه قاتل (روتسيح). أما الشرطة فهم فقط قتلة غير متعمدين (هورغيم)، وفي اسوأ الحالات، هم قد تسببوا بقتل عربي. وقد سألت أحد الاصدقاء عن الفرق بين الكلمتين. ما هو غير المفهوم هنا؟ قال ذلك بصبر نافذ، إن لقب "قاتل" مخصص للعرب. ولقب "قاتل غير متعمد" مخصص لليهود.
الآن جثة "القاتل رغم أنفه" أبو القيعان تقبع في التجميد. واولئك الذين تسببوا بقتله عندما منعوا علاجه الطبي الذي كان يمكن أن ينقذ حياته، يسيرون أحرارا. واذا تمت المطالبة بمحاكمتهم، فستحدث هنا عاصفة كبيرة. "لماذا، مين مات؟"، كتب دافيد غروسمان الذي تزعزع من تصرف رجال الشرطة الذين تركوا عمر أبو جريبان يموت على قارعة الطريق.
حقًا، العدل في اسرائيل يدفع ايضا الجن للبكاء. وفي فرصة ما، سنتحدث عن أبي هذا العدل، وهو الجهاز القضائي الذي صادق على اخلاء قرية عربية من اجل اقامة قرية يهودية على أنقاضها.
(نُشر أيضًا في "هآرتس")