*تتابع الثقافة الألمانية، تحليقها الأثير في فضاءات رحبة وغير منحازة إخلاقيا لغير المظلومين على كوكبنا، في حين لا تكف حكوماتها منذ قيام إسرائيل وحتى هذه اللحظة، عن دعم المشروع الصهيوني في فلسطين وبطرق لا يمكن وصفها بأقل من منحازة وغير أخلاقية في آن*
بين ألمانيا (الرسمية) التي اعتادت على خفض رأسها بلا انقطاع لإسرائيل، وألمانيا الأخرى: تلك التي تعرف البعد الإنساني، غير المهادن، لناتجها الثقافي والمعرفي بشكل عام: تتسع المسافة يوما إثر يوم ولا تضيق.. إنها المسافة الفاصلة بين عالمين لا يؤثر إحداهما، كما يجب، بالآخر. فلا الدولة بقادرة على زرع نباتها السياسي القبيح، الخاص بإسرائيل، في حوض الثقافة الكبير، ولا الثقافة قادرة بدورها على الدخول الفعلي في صلب القرار الرسمي، أو تعديل مساره الأبدي. وهو الأمر الذي لا يتفق بالمجمل مع حالة الود القائمة، في ظل الدول الديمقراطية، بين الثقافة وما تمثله من مفاهيم راسخة للعدالة، وبين السلطات الحاكمة هناك، فقد اعتادت تلك الديمقراطيات التي اعتلت، مع نهاية الحرب العالمية الثانية 1945، سدد الحكم في أوروبا الغربية، على ربط الكثير من قراراتها السياسية، الداخلية منها تحديدا، بمؤثرات ثقافية/فكرية، ذات مرجعيات إنسانية شاملة تستلهم روح المبادىء التي أتت بها الثورة الفرنسية وتعمل تحت ظلها.. سنعثر على تلك المؤثرات بشكل واضح في القوانين المنظمة للعلاقات الاجتماعية (التكافل الاجتماعي بمعناه الكلي). كما هي حاضرة في متن العلاقة بين الدولة والجمهور (حوار حقيقي وتبادل مستمر، عبر الانتخابات، للأدوار). إلى جانب حضورها المدوي في آليات ثبيت الحد الأقصى للحريات الفردية والجماعية.
تفعل الثقافة فعلها البديع، باختصار شديد، في تلك الدول، إذ يصعب العثور هناك على حقل وجودي ما لا يدين لها بجوهره أو تجلياته العامة، هي حاضرة، مرة أخرى، في كافة الميادين، ومؤثرة بطبيعة القوانين التي يصدرها صناع القرار، كما يمكن العثور على إثرها، ولو بشكل اقل، في السياسات الخارجية أيضا (الموقف من الحروب، مشاكل البيئة العالمية، قضايا حقوق الإنسان... الخ)، ولكن المؤثرات الثقافية تلك: تغيب، وبصورة سافرة عادة، حين يتعلق الأمر بالموقف الرسمي من إسرائيل، ويحل محلها، ما نعرفه اليوم من تأييد أعمى، يطال حد المشاركة في الجريمة، للدولة العبرية، فلا تزال تلك الدول الغربية عموما، وألمانيا، موضوعنا الآن، على وجه الخصوص: عاجزة عن رفد مواقفها وسياساتها تجاه القضية الفلسطينية، بما تنتجه الثقافة المحلية من مفاهيم إنسانية تُعلي، دائما، من قيم العدالة، ولا تتورط بين هذا وذاك في سياسة الكيل بمكيالين الشهيرة والبغيضة للحكومات الألمانية المتعاقبة.
تتابع الثقافة الألمانية، تحليقها الأثير في فضاءات رحبة وغير منحازة إخلاقيا لغير المظلومين على كوكبنا، في حين لا تكف حكوماتها منذ قيام إسرائيل وحتى هذه اللحظة، عن دعم المشروع الصهيوني في فلسطين وبطرق لا يمكن وصفها بأقل من: منحازة وغير أخلاقية في آن، وهو الأمر الذي سيخلق عبر سياقاته عكس المنطقية هذه: مسافة هائلة بين ما يتم إنتاجه إبداعيا (مسرح. رواية. شعر. سينما. فلسفة. فكر. وغير ذلك الكثير) وبين ما تقدمه السلطات الحاكمة من صور الدعم المعتادة لإسرائيل... إنها المسافة القاتلة التي يتم انتاجها في ظل الغياب الفادح، حيال الموضوع الفلسطيني، لعوامل التأثر والتأثير المتبادلين بين صانع القرار وصانع الثقافة في البلاد، ليكون التناقض واضحا والحال هذه مع السيرورة العامة، المشار إليها أعلاه، حيث تتطغى سمات التأثر والتأثير على العلاقة بين الاثنين.
حين تكون القضية الفلسطينية هي الموضوع، وحين تصبح إسرائيل هدفا مشروعا للنقد والإدانة، حين تُرغم ألمانيا الرسمية على الإدلاء بدلوها حول التراجيديا الإنسانية التي ساهمت هي نفسها بتعقيد مسارها (صعود النازية للحكم. الهلوكوست، وهجرة اليهود الجماعية إلى فلسطين)، حينها فقط، تتراجع المؤثرات العظيمة للثقافة الألمانية.. تغيب، أو يتم تغييبها إلى حدود التلاشي الكلي، لتصبح الطريق معبدًة تماما: أمام بوتقة الهلوسات السياسية والفكرية التي ترى في الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين شكلا من اشكال السعي - الشرعي - لضحايا المحرقة (ألمانية الصنع) للبقاء في - الوطن - المُخترع وعلى حساب الغير:( الشعب الفلسطيني) الذي لم تتوقف ألمانيا الرسمية عن استخدامه كأداة: تكفر بها عن ذنوبها بحق مواطنيها اليهود.
هي حالة من الفانتازيا الفكرية غير المسبوقة.. ولكنها فانتازيا من النوع المدمر، فمن يعرف الثقافة الألمانية، ولا حدود باطنها الإنساني العميق، يعرف جيدا أن ذلك الباطن الجميل لا يتفق، بالمطلق، مع الدور القبيح الذي تلعبه ألمانيا الرسمية المدافعة باستمرار عن جرائم إسرائيل، كما لا يتفق مع حالة التأثير القائمة للثقافة في صناعة القرار الداخلي أو الخارجي أحيانا.. هي الفانتازيا غير الأخلاقية إذا، وهي التي تصنع المسافة القاتلة بين المنطق وعكسه.. بين الحقيقة وضدها، حيث على الفلسطيني أن يقيم هناك، في الفوضى العظيمة للمسافة القاتلة حالمًا بلحظة خلاقة تصعد عبرها الثقافة الألمانية الرفيعة إلى مستويات تأثيرها المُنتظر في القرار السياسي، الفكري، الأخلاقي، للنخب الحاكمة، إذ يمكن حينها لألمانيا، وحينها فقط: أن تغسل عار الهلوكوست الأول، لتعمل على المشاركة في وضع نهاية، لا بد منها، لهذا الهلوكوست الثاني: الفلسطيني.. المشتعل بلا رحمة أو توقف، إلى الآن.
(كاتب فلسطيني مقيم في فيينا)
