يقف الإنسان أحيانا كثيرة عاجزا عن تفسير كنه ما تحدثه الأيام والدهر ، هذا الدهر الذي قالت فيه العرب " الدهر ذو دول "، تؤجل عملا ما لزمن ما فيأتيك بالأخبار من لم تزود .. وأحيانا لا تريد أن تسمع هذه الأخبار بالمرة ، ولكن رغما عنك يتأبط الدهر شرا وليسمح لنا الشاعر الصعلوك تأبط شرا على بعض التغييرات في اسمه .
هكذا حدث لي في علاقتي الرفاقية مع الرفيقة المحامية مها خوري حزان ( 1953-2010 ) ، التي فقدتها شخصيا كرفيقة درب ثورية ،مؤدبة ، ومواظبة .
ترجع معرفتي بالأصل لبيتها لرفيقنا العزيز رمزي خوري أبو منذر ولأم منذر فقد كان لي الشرف أن أنتخب لرئاسة لجنة مراقبة منطقة المثلث الحزبية وأبو منذر المسؤول المركزي في المراقبة عن منطقتي ، وهذه العلاقة أثمرت إلى جانب النشاطات الحزبية وخطابات أبو منذر المتكررة في ساحات عرعرة وعارة داعيا الأهل للتجند في معركة البقاء وتأييد الحزب ومن ثم القائمة الإنتخابية الجبهوية كتعبير أيضا عن التشبث بالأرض والوطن ، وأذكر في هذه المراحل، أن مها سافرت للتعليم في الخارج في المعسكر الإشتراكي آنذاك ، والفرح يغمرنا بأن لنا رفيقات سيصبحن باحثات ومحاميات وطبيبات ، وبين عودة وأخرى كنت أرى مها في مناسبات حزبية قطرية ، ولكن طبيعة الحياة ... جعلتني لمدة طويلة لا أراها بالمرة تقريبا حتى جاءت ليلة محمود درويش في حيفا ، وإذا بالأسرتين أسرتي وأسرتها نلتقي صدفة أمام المقصف ننظر إلى بعض نظرة العارف : مها ... نعم .. منذ مدة طويلة لم نلتق وتقول : ولكنني ألقاك على صفحات "الاتحاد" وأقرأ ما تكتبه ... كبرنا هذه أماني ابنتي .. وهذه ريم ابنتي تقول وأسأل عن أم منذر ونتحدث مع الزوج الصابر القادر الأديب د. باسم حزان .. وكأن هذا اللقاء يعيد شحنة من الاحترام والتقدير .
ومع مر الأيام توفيت أم منذر وأعد الأيام للمشاركة بشيء من العزاء فأبحث عن رقم البيت وأتحدث وإذا على الخط إبنتها ريم على ما أذكر : عمو ..يا رفيقة أنا مفيد صيداوي من عرعرة آسف لم أستطع الحضور لبيت العزاء أنقلي تعازي للوالدة .. والوالد ولجميع أفراد العائلة . وتمر الأيام أحيانا بدون عد .
وأنا في الطيبة في المثلث الجنوبي وإذا على الهاتف ابن عمي ، أبو أسامة ، يقول :في بيتنا د. باسم حزان صديقك ورفيقك يريد أن يراك ، مرة أخرى يلعب الدهر لعبته الخبيثة ولا أرى باسم بل نتحادث هاتفيا وينقل لي سلاما من العائلة وبأدبه الجم من مها أيضا .
وتمر الأيام وإذا به يلقي محاضرات ويقوم باشغال في المنطقة وتترى السلامات والتحيات منه عبر طلابه وبعضهم طلابي في صغرهم .. ولكن الدهر يلعب لعبته في أن لا نلتقي الا عبر النقال ، وتنقل "الاتحاد" الغراء نعي والد د. باسم حزان وبيت الأجر في بلدة " أبو سنان " أحاول تذليل العقبات للوصول وأحاول ولكن تنتهي أيام بيت العزاء دون أن أشارك باسم ومها حزنهما المؤلم ... فأحمل المحمول وأتحدث للصديق المعلوم د. باسم حزان .. قبلاتي لك وتعازي وأطلب المعذرة لا أستطيع ولم أستطع الحضور لبيت العزاء البقية في أعماركم ، وبأدبه الجم يقول : شكرا يا رفيق كأنك حضرت .. لا تحمّل نفسك أكثر من طاقتها ... هذه المهاتفة تكفينا .. أتمنى لكم ألا تروا مكروها بعزيز .. وسلام من مها وكل الأسرة .
ولكن الأيام لا ترحم والدهر لا يرحم أحيانا تكون ضرباته موجعة مؤلمة وتحمل "الاتحاد" نعي رفيقتنا مها بالذات المحامية التي نريد أمثالها ونفتقر لأمثالها ، ويقع الخبر كالصاعقة ... وأقرر ترك أي عمل مهما كان للمشاركة في الجنازة للوداع الأخير للوقوف مع د. باسم والأسرة في ساعة الضيق ... هكذا أعيد الشريط أودع مرة أخرى أبو منذر الرفيق رمزي خوري الذي اعدت رسمه لمكتبي مع ابتسامته على بطاقة الدعوة لذكرى الأربعين التي أقيمت في يوم الجمعة الموافق 21-07-1989م في ساحة عبود في عكا . وهكذا ودعت أم منذر ، وأبو باسم .
وأخبرت ابن عمي الذي أصبحت له معرفة شخصية بالدكتور باسم وحضرنا الجنازة مع آلاف المشيعين من الرفاق والأصدقاء وأهالي عكا الكرام .. وبين الدمعة والذكرى ... ذكرى اللقاء الأخير في حفل محمود درويش على سفوح الكرمل ، وفي حيفا التي أحبها درويش وأحبته ... أقبل باسم قبلتين وأذرف دمعتين ... على فراق رفيقتنا وذكرى بقية أفراد العائلة الذين غادرونا .
فلك يا صديقنا ورفيقنا باسم كل محبتنا لأسرتك لبناتك وأولادك كل تمنياتنا بتجاوز المحنة ، وآمل أن نلتقي في فرح الأبناء والبنات ونجاحاتكم جميعا .
( عرعرة – المثلث )
