الشعار الذي حكم الانتفاضة المصرية هو أن "الشعب يريد إسقاط النظام"، وبعد ثمانية عشر يوماً، تنحى حسني مبارك عن السلطة تاركاً الحكم لمجلس عسكري يدير البلاد إلى حين تحقيق مطالب الشعب كما أشار. فهل سقط النظام؟
هذا ما يجري الصراع حوله الآن، حيث إن الجيش لم ينضم الى الشعب رغم تأكيده على دعم مطالبه، بل فرض تسلم السلطة من خلال الطريق "الدستورية"، أي بتكليف من رئيس تنحى عن الحكم. لكن هل هذا أمر دستوري، خصوصاً أنه نُقل عبر نائب الرئيس ولم يُقل بلسان الرئيس ذاته؟ على كل فإن كل هذه "اللفة" (التي جرت في تونس كذلك) كانت توصل إلى تسلم الجيش "شرعياً". بمعنى أنه كان يؤكد على أنه استمرار للنظام وليس إسقاطاً له.
وهو مازال يصرّ على التقدم وفق "الشرعية" التي تحددها القواعد الدستورية التي صيغت لكي تكون أساس النظام منذ سيطر أنور السادات على الحكم وصاغ دستور العام 1971، رغم أن الانتفاضة قد أسقطت كل شرعية لهذا النظام، ودعت إلى دولة مدنية وجمهورية برلمانية، انطلاقاً من إقرار دستور جديد، وليس استمراراً لتغيير بعض مواد الدستور الراهن، الذي عمل المجلس العسكري على تعليقه.
إن الملاحظة الأولية التي يمكن تلمسها هي أن المجلس العسكري يسعى لأنْ يبتسر الانتفاضة في تحقيق إصلاح جزئي في بنية السلطة الحالية، وأنه يسير في طريق المماطلة تحت شعار "الشرعية الدستورية"، وليس شرعية الثورة التي فرضت ذاتها، والتي عنت تدمير بنية النظام المتكلس والسلطوي بفظاظة، والمركزي بشكل عنيف، لمصلحة جمهورية برلمانية من جهة، وحل مشكلات الطبقات والفئات الاجتماعية التي اندفعت تعبّر عن همومها من جهة أخرى. وبالتالي، فما يمكن تلمسه هو أن الأمور تسير نحو تحقيق تغيير محدود في شكل السلطة، ربما يوسّع الديمقراطية لكنه لا يغيّر من مجمل تكوين النظام ومن سياساته.
هذه النتيجة هي نتاج ميزان القوى. فعلى الرغم من المشاركة الهائلة للشعب، التي فرضت انكسار أضخم جهاز بوليس، أي الأمن المركزي وجهاز الشرطة، لم يتقدم من يعلن إسقاط السلطة. وكان توسع الانتفاضة من خلال تحوّلها إلى صراع طبقي صريح بعد انضمام الطبقة العاملة لها مطالبة بحقوقها، يفرض الحسم من داخل السلطة قبل ان تتوسع أكثر ويصبح من المحال السيطرة عليها. هذه اللحظة هي التي فرضت تنحية مبارك عبر قرار عسكري.
ولا شك في أن قصوراً طال شعارات الانتفاضة جعلها لا تتوسع بالسرعة اللازمة بما يسمح بانقسام الجيش وانضمامه إلى الانتفاضة. فشعار إسقاط النظام وحّد الكل لا شك في ذلك، لكنه كان يحتاج إلى تحديد أوضح، يتعلق بالدولة المدنية من جهة، وبمطالب العمال المباشرة، وكذلك مطلب الفلاحين بإعادة الأرض التي سرقت منهم لمصلحة الإقطاعيين القدامى من جهة أخرى. فهذه النقلة هي التي كان يمكن لها أن تجعل الجيش بقواعده والرتب المتوسطة فيه، يقف مع الشعب في مواجهة النظام. وهذا كان يفترض وجود قوى تعرف ماذا تفعل، وكيف تخوض الصراع، وبالتالي تجاوز الرفض والاحتجاج إلى التغيير.
لهذا، ما يجري هو الحفاظ على التكوين الأساسي للنظام، من حيث النمط الاقتصادي الليبرالي، أو شكل الدولة المشوّه. لكن من خلال صيرورة تغيير في شكل السلطة ينحكم لسقف واضح، هو توفير القدرة السلطوية على إيصال فئات الى الرئاسة ومجلس الشعب لا تفكر في التغيير الجدي لبنية الدولة الطبقية، على العكس تُكرّس الطابع الليبرالي المسيطر، هذا الطابع الذي كان أساس عملية الإفقار الشديد التي تعيشها كل الطبقات الشعبية، والتي كانت في جذر قيام الانتفاضة وتوسعها، واستمرارها على شكل حركة إضرابات واسعة في القطاعات العمالية والموظفين والفلاحين.
إذن، سيكون أمر بناء دولة مدنية تقوم على شكل جمهورية برلمانية، وتؤسس لنمط اقتصادي منتج ويحقق العدل، في عالم الصراع ليس مؤكداً تحققه الآن.
فقد رحل مبارك ولم يسقط النظام بعد. لكن الشعب يريد إسقاط النظام.
*مفكر شيوعي فلسطيني
