أرجو ألا يستغرِبَنَّ أحدٌ إذا قُلْتُ: إنّني أتابع الصّحف العبريّة، حتى اليمينيّة منها ، كما أتابع صحافتنا العربيّة المحلّيّة، وليس ذلك من باب حُبّ الاستطلاع وحسب، بل لمعرفة ما يدور في الشّارع العبري، وعلى درب طيّب الذِّكْر الكاتب اللبناني: سلام الرّاسي: في الزّوايا خبايا، حَكِي قَرايا وْحَكِي سَرايا !
أسبوعيّة (مَكور ريشون) مصدر أوّل! لعلّها أكثر الصّحف العبريّة يمينيّة وتطرّفًا، تنشر بين الفَينة والأخرى بعض المقالات والأخبار التي تثير الاهتمام ، من مختلف الزوايا، وقد تلفتُ انتباه القارئ العربي بالذّات، في عددها يوم الجمعة 16/1/2017 ، نشرت: مقابلة، ريبورتاجًا مصوّرًا، مع فضيلة الشّيخ الدكتور القاضي: إياد زحالقة، مدير المحاكم الشّرعيّة الإسلاميّة في البلاد، العنوان بالمانشيت العريض: شريعة /فِقْه / سُنَّة / زحالقة، أعدّت التقرير: ماية فوليك ، صوّره: يونتان زيندل ، من بين العناوين نقرأ:
*ليس من السّهل أن تكون قاضيًا مسلمًا رسميًّا في دولة يهوديّة – غربيّة، المُصادقة على زواج رَجُل من امرأتَين، من النّاحية الأولى، ومن النّاحية الثّانية، أن تُطْلِعَ السّلطات القضائيّة على ذلك، وأن تُدافع عن الانتماء الدّيني، وأن تدمجه مع الحياة العصريّة، القرآن وَعَلَم اسرائيل، قاضي أورشليم: إياد زحالقة- نَعَم، توجد قرابة مع عضو الكنيست- يُحاول الوَصْل والجَسْر بين المتناقضات ، بالذّات في أيّام يبدو فيها الإسلام مُهَدِّدًا بشكل خاصّ.
*القَتْل على خلفيّة شرف العائلة هو عادة غير إنسانيّة، لا تَستند إلى الدّين، طبقًا للشرع الإسلامي: الله هو القادر على القصاص، لا أهليّة لإنسان أن يُسيء الى انسان آخَر، من يفعل ذلك، عليه ألا يقول بأنّه فعل ذلك باسم الدّين، الله احْترمَ المرأة، وأعطاها مكانة تمامًا كالرّجُل.
*حين دَرَسْتُ للّقَب الأوّل كان الطّلاّب العرب مع بعضهم، والطّلاّب اليهود مع بعضهم، اليوم غالبيّة طُلاّبي يهود، تربطني معهم علاقة وطيدة، وهناك إقبال على الدّورات التي أحاضِر بها، أعتقدُ إذا كانوا يُحبّون دروسي كمحاضر، فمن المؤكّد أنّهم كانوا يودّون القرب منّي كطالب.
*مشروع قانون: موضوع لجان إيقاف الحَمْل هو في خدمة الجمهور وليس للإساءة أو الإكراه الدّيني، في عدّة أحيان يرغب النّاسُ سماعَ موقف الدّين لِأجل اتّخاذ قرارات مصيريّة ، ولكن لا يجدون ممثّلًا دينيًّا ذا خبرة في الموضوع المشار إليه، لعلّ في هذا المشروع انطلاقا لإشارة أولى لتشغيل جهاز استشاري ديني في الخدمات الطّبّيّة.
* شملت المقابلة ستّ صفحات وثلاث عشرة صورة بالألوان، من بين الأسئلة التي وُجّهتْ إليه نُشير إلى:
- حتى الآن لم تسمح المحاكم الشّرعيّة بتعيين قاضية؟
- من حيث الشّريعة والفتاوى، لا مانع في تعيين امرأة لمنصب كهذا.أمّا عن التّعايش واحترام الآخر المختلف، يقول فضيلته ، جاء في القرآن الكريم: قُلْ يَأهلَ الكتاب تعالَوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم...
- هذا يبدو بعيدًا عن تفسير داعش لهذا الطّرح!
- هؤلاء النّاس انحرفوا كلّيًّا عن الشّرع، لديهم وسائل إعلام تُروّج لهم، هذه الوسائل ترغب في بثّ مشاهد ضجيج وانفعال ، ولا ترغب في بثّ رسائل حقيقيّة عمليّة وواقعيّة تُشير الى الواقع والدِّين كما هو، أنا لا أفهم داعِشَ، دينهم ليس ديني، ما يفعلونه يخالف آيات القرآن.
- لكنّهم يُقنعون ناسًا بأنه هذا هو الإسلام، وينجحون في ضمّ مُتطوّعين اليهم من أوروبا، وحتى من اسرائيل!
- أنا أفكّر بالذّات بأنّ داعش مُنِيَ بفشل كبير في العالَم، عدد مسلمي العالَم مليار ونصف المليار، كم منهم يؤيّد داعش؟ عشرات الآلاف، نسبة ضئيلة جدًّا، لو كان العالم الاسلامي يؤيّدهم حقًّا ، لكانت انفجرت حرب عالميّة ثالثة، مَن يحاربهم عمليًّا في كل مكان هم المسلمون بأنفسهم، ديننا هو دين الاعتدال والتّسامح، لقد أوصى القرآن باحترام الأسير وإطعامه، تفسيرهم خاطئ تمامًا.
- ما هو موقف الإسلام بالنّسبة لإعادة جُثَث الأسرى، كما في حالَتَي: هدار جولدن وأورون شاؤول؟
- هذا سؤال سياسي، لكن يمكنني أن أقول لك إنّ دين الإسلام يُقَدّس الحيَّ والميّتَ، حرّم النّبيُ المسَّ بالجُثّة، يجب احترامها كاحترام الحيّ.
- ما رأيك بجعل الحركة الإسلاميّة حركة غير قانونيّة؟
- أنا لا أريد التّطرّق الى ذلك، ولكن أقول فقط: على المسلمين في اسرائيل أن يسلكوا طبقًا للقانون.
كما أنّ القاضي لم يتطرّق إلى قانون منع رفع الآذان، إلاّ أنّه من الأهمّيّة بمكان التّنويه الى وجوب حرّيّة العبادة والصّلاة لدى المسلمين، عن ظاهرة التّحَجُّب لدى المسلمات قال فضيلته: للمرأة حُرّيّة الخروج لِأيّ مكان، وأن ترتديَ ما تشاء، طالما أنّ أحدًا لم يُملِ ذلك عليها!
تُشير الصّحفيّة إلى أنّ موضوع أطروحة الدّكتوراة عند سيادته: مبدأ فِقْه الأقليّات، ويقول الدكتور: نحن جهاز قضاء ديني إسلامي، يُلْزِمُنا أوّلًا بالحُكم الشّرعي، ومن ناحية أخرى نحن جزء من جهاز القضاء الإسرائيلي، حين يكون تشريع مَدَني ذو صلة، نحن نطبّق ذلك، ونحاول الجَسْر بين هذا التّشريع والشّرع الدّيني.
- واذا كان تناقض؟
- كانت بعض الحالات التي وصلت لمحكمة العدل العليا، لا تنقصُ القاضيَ المعضلات الإنسانيّة التي تواجه المسلمين.
أصدر القاضي مجموعة كتب ، منها: الشّريعة في العصر الحديث، أربعة كُتب تعالج قضايا المحاكم الشّرعيّة، ويُعِدّ العدّة لكتاب آخر، بالإضافة إلى ذلك فهو يُحاضر في: جامعَتَي تل أبيب والقدس، معهد روطمان، معهد الدّراسات الأمنيّة القوميّة ومعهد فان لير، إضافة إلى إلقاء محاضرات في المدارس، الكنيست وأرجاء العالَم.
- كيف يُمكن الجَسْرُ على التّباعد بين فئات المواطنين؟
- أعتَقِدُ أنّ الجمهور اليهودي ارتكب خطًا كبيرًا حين أهمل دراسة العربيّة في مدارسه، وهذا يُؤدّي إلى هاوية بين الجمهورَيْن المُخْتَلِفَيْن، نحن العرب نفهم اللغة العبريّة ، الحضارة الإسرائيليّة والدِّين اليهودي، في نظري الأمر يجب أن يكون مُتبادلًا. ثمّ يتحدّث القاضي عن خصوصيّاته بصدق: أبتعدْتُ عن السّياسة بعد تجربة السّلطة المحلّيّة كنائب لرئيس المجلس المحلّي/ كفر قرع، قرينتي فيروز ، مربّية تحمل اللقب الجامعي الثّاني، تُعِدّ لرسالة الدكتوراة، مركّزة التربية الاجتماعيّة في المدرسة ، إنّها امرأة رائعة، حكيمة وَمُلِمّة، ما كُنْتُ لِأصِلَ لوظيفتي لولا دعمها، كدعمي لها.
- كيف تقضي وقت فراغك؟
- وقت فراغي مُخصّص لأسْرتي، أومِنُ بقِيَم العائلة والمحافظة على حصانتها الدّاخليّة، حين تسنح لنا الظروف ، نخرج للنزهات، المقاهي، التّسوّق، أحبّ الاطّلاع على الأدبيّات الدّينيّة والعالميّة.أكاد لا أشاهد التلفزيون، إلاّ أنّني أريد أن أرى هناك: الأكثر من المعلّقين العرب، ومن يجلس في رمات أبيب أو سدروت يجب أن تتاح له الفرصة لرؤية العربي: ليس فقط حين يُساق إلى السّجن، أو يُتَّهَم بعمل تخريبي، أريد أن أراه مُحلّلًا رياضيًّا كذلك، مُعِدًّا للطعام، معلّقًا سياسيًّا، ولشؤون الشّرق الأوسط، الجمهور العربي هو جزء من دولة اسرائيل، قضاياه يجب أن تكون في مركز الإجماع، تمامًا كالإجماع على وجوب تطوير: أوفكيم، سدروت وبيسان، هكذا يجب أن يكون الحال بالنّسبة لـِ: أمّ الفحم، سخنين، عرّابة وراهط، انّ تطوير البلدات العربيّة وتقديم الخدمات لها سيزيد من الارتباط بدولة اسرائيل.
*ويبقى فضيلة الشّيخ القاضي مثالًا للتسامح الدّيني، رصانةً، اتّزانًا وخُلُقًا، وضعَ النّقاطَ على الحروف، حتى لو كان في منصب قضائي مرموق، وكثّر الله من أمثاله ، في هذه الظّروف العصيبة التي يمرّ بها شرقنا الحبيب. تحيّة صادقة له ولأسْرته الكريمة .