منذ بدأ الحراك في سورية ضد نظام الحكم، تبارى ناسٌ من شتى الأصناف في التنبؤ بأن رئيس النظام سيسقط. وجزم بعض هؤلاء أن سقوط الرئيس سيتم في وقت لن يمتد أطول من الوقت الذي احتاج إليه معارضو رؤساء تونس ومصر وليبيا لإسقاطهم. الجزمُ تكرر، وتكرر معه تقصيرُ الوقت المتوقع. ايهود براك، الجالس على تلال من المعلومات والموصوف في إسرائيل بأنه استراتيجي كبير، تنبأ قبل شهور بان رئيس سورية سيسقط خلال أسبوعين. فلما لم يحدث هذا، لم يكفَّ وزير "أمن" حكومة نتنياهو عن التنبؤ، وإن كفّ عن تحديد مواعيد.
الجزم الذي ظهر خطؤه الفاضح من السهل وضع اليد على مصادره: التفكير الرغبي، خصوصا حين يقترن، كما في حالة براك، بمعرفة ما جرى إعداده لتحقيق المرغوب فيه؛ الجهل المقرون بادعاء المعرفة، كما هو حال برهان غليون الغائب عن سورية منذ شبابه الأول؛ القراءة الخاطئة، أو القاصرة، للواقع، كما هو حال الذين وضعوا مطاليب الحدِّ الأقصى فيما هم مفتقرون لما يؤهلهم للظفر بالحد الأدنى؛ متطلبات التعبئة ضد النظام كما يفهمها المولعون بالتحريض دون التزام الحقائق، هؤلاء الذين ما أكثرهم؛ وما إلى هذا كله من مصادر.
حين قال الناجون من التأثر بما يلغي العلم إن الصراع في سورية سيمتد طويلا، خصوصًا إذا اقترن بالصراع على سورية، تلقى هؤلاء من ناس المعارضة كما من ناس النظام شتى الاتهامات، ووُصفِوا، خصوصًا من قبل يساريين مرتدّين، بأنهم يتشبثون بوسائل تحليل عتيقة وأفكار عفا عليها الزمن. وقيل عن هؤلاء، أيضًا، إنهم لا يفهمون زمن الثورات التي تحضّ عليها وسائل الإعلام وتنظمها وسائل الاتصال الحديثة، الثورات التي قيل إن الفيس بوك هو ما أشعلها.
الآن، بعد سنة من بدء الحراك داخل سورية وحولها واقتران الحراكين أحدهما بالآخر، احتوى الحراكُ حول سورية الحراكَ الذي بدأ داخلها، فهُمش معارضو الداخل ذوو السمعة الطيبة، وأُبرز ناسٌ من الخارج بأساليب أغلبها مفبرك لتوائم ما يلزم لحرف الحراك الديمقراطي عن هدفه الأصلي وتوجيه النشاط نحو هدف من نوع آخر: تدمير البلد وإشغال ناسه بعضهم ببعض.
وبهذا، نشأ الوضع الذي تراه أغلبية المعنيين بالأمر رؤية العين: نشاط ضد النظام لا تجمعه إلا صلةٌ واهية بما هو مطلوب لتقدم البلد؛ ونشاطٌ ضد المعارضة لا يُحقق الثقة بأن البلد سيتمتع بالاستقرار.
والآن، أيضًا، تشكلت القناعة بأن التحرك ضد النظام لن يسقطه، وبأن نشاط النظام المستهين بهذا التحرك لن يوقفه. والاحتمال الماثل هو أن يستمر انشغال السوريين بعضهم ببعض، فتحقق الدول التي تغذي هذا الصراع ما تتوخاه، فيغيض دور سورية المتميز الذي مارسته منذ الثورة العربية على الحكم التركي، ويفقد البلد القدرة على مناوأة ما ترسمه الدول الامبريالية له وللمنطقة، أي أن يعجز النظام الحالي عن ممارسة هذا الدور في أي نحو أو درجة، وأن لا ينشأ نظام مهيأ لأن يستعيده.
المعطيات التي ترجّح هذا الاحتمال هي ذاتها التي تُرجح أن يستمر العمل المحموم لدفع سورية إلى مصير مقتبس مما دُفع إليه العراق وتشاد والصومال وكوريا الشمالية، ومما يجري دفع تونس ومصر واليمن وليبيا إليه. هذا المصير يشكله مزيج قبيح من الفتن التي لا تنتهي ومن العزلة. تشغل الفتنُ البلد كلّه فيكفّ عن التأثير في محيطه. وتؤدي العزلةُ المفروضة بالعقوبات وغيرها إلى تجويع ناس البلد، البلد الوحيد بين بلدان العالم الثالث الذي يأكل من إنتاجه ولا يقترض من أي دولة أو مؤسسة دولية.
هذا الاحتمال لا تشي به مؤامرة قائمة أو متوهمة، بل تظهره السياسات المعلنة والوقائع والتدابير التي تتتابع جهارًا نهارًا على رؤوس كل الاشهاد. والحديثُ عن هذا الاحتمال يجري الآن في كل مكان في دنيا العرب. وعند الفلسطينيين، كما عند غيرهم، تجري إعادة نظر في القناعات السابقة. وما بدا في السابق مغريا ومقنعا لم يعد الآن كذلك.
وفي السياق، يجري التذكير بحقيقة ذات وجهين يكمل أحدهما الآخر: الفلسطينيون شكلوا في عهودهم كلها العامل الذي حال دون استقرار العلاقة بين الدول الامبريالية وبين قوى التبعية العربية لهذه الدول. والسوريون ظلوا في عهودهم كلها، منذ عهد شكري القوتلي ومعه خالد العظم، إلى عهد حافظ الأسد ومعه أحزاب جبهته الوطنية، العامل الذي خفف هرولة عرب التبعية نحو إسرائيل.
المرعب في الأمر أن سلوك النظام السوري لا يظهر ما ينمّ عن فهم صحيح وعميق للدور السوري التاريخي في هذا المجال. أما المعارضة السورية الخارجية، هذه التي أنبتها الصراع على سورية وليس الصراع داخلها والتي هَمّشتْ معارضة الداخل، فمن غير الوارد أن تلعب هذا الدور، هي التي لم تعد تلحّ على شيء بمقدار إلحاحها على الدول الامبريالية كي تغزو بلادها.
مع هذا، وبالرغم منه، سيظلّ صحيحًا أن فشل العمل الذي يستهدف تدمير سورية وإلغاء دورها التاريخي سيشكل نقطة التحول الإقليمية ضد الدول الامبريالية. وإذا نجت سورية فستنجو دولٌ أخرى مستهدفة. ومن أجل هذا فليتجند الذين لم تفسدهم أضاليل أي طرف، ولم ترعبهم ضغوط أي طرف!
