جمعيات السّم في الدسم
لقد كنت على خطأ حين فكرت يومًا ان بإمكان مؤسسات المجتمع المدني ان تحل محل الأحزاب السياسية والإجتماعية، خاصة تلك التي لها برنامج توعوي إقتصادي طبقي.
إعتقد أن منشأ ذلك الخطأ كان في الفترة الطويلة التي كنت فيها نشيطًا في مؤسسات محلية وقطرية وجمعيات خيرية إجتماعية منها السياسية ومنها النصف سياسية، وكان السبب الأساسي حين استطاعت هذه الجمعيات النفاذ إلى مؤتمرات المنظمات غير الحكومية خارج البلاد شاركت فيها عدة مرات.
اعتقد أنه أصابني "الغرور" في حينه فتوهمت او قدرت فاعلية وأنشطة هذه المنظمات بشكل مبالغ فيه في مدى تأثيرها على الرأي العام دون مراجعة حقيقية وواقعية لمواقع الدعم ومن يموِّل ولماذا يموّل تلك المؤتمرات.
ولم أفكر كثيرًا في مصادر التمويل سواء كان ذلك محليًا او على مستوى العالم.
اما وقد مرّت تلك التجربة فلا بد من وفقة ومحاسبة النفس. حين ساهمت بتلك الجمعية او المؤسسة سواء كان ذلك في طور التأسيس او بعد نبت الريش او حين حلّقت عاليًا في السماء المحلية والقطرية والعالمية لم أكن على وعي كاف بالبعد الطبقي والوعي القومي المنفتح على باقي القوميات غير المفصول عنه.
لم اعِ في حينه قضية مهننة آليات نضال هذه الجمعيات وخصخصة الخدمات المختلفة وتشظية المعركة الإجتماعية وخلق ثقافة جديدة من النضال مدفوع الثمن وبلورة وعي زائف يحرق ويشوه واقعنا كأقلية قومية في هذه البلاد.
مهم جدًا ان يقف الإنسان عند قناعته لكن الأهم هو أن يغيّرها عندما يدرك أخطاءها، فينتقد ذاته اولا ويحلل ويمحّص ويستنتج لينتقل من الصحيح إلى الأصح! او حتى من الخطأ إلى الصواب ومن ثم إلى الأصوَب!
ففي حالتنا هنا في هذه البلاد صحيح ان الدمقراطية البرجوازية تمنح اليسار وقوى التغيير الاجتماعي والسياسي هامشًا واسعًا للعمل لكن مع مراقبة وأحيانًا مراقبة شديدة من قبل دوائر المخابرات والشرطة ومراقب الجمعيات.
وهذا الهامش الواسع يبدأ في الضيق حين تقسو شوكة مؤسسات المجتمع المدني، خاصة إذا كانت محسوبة على قوى التغيير فيحتسب اي تغيير تغييرًا أمنيًا عند السلطة المصابة بهوَس وهاجس الأمن. فتجتهِد القوى الأمنية إذا فشلت في كسر الشوكة وتتحول إلى فرقعتها من الداخل.. والأمثلة كثيرة.
كما تلجأ في حالات اخرى إلى أساليب ملتوية في التأثير على سياسة هذه الجمعية او تلك وإن فشلت تزرع في داخلها بذور الشقاق أو حتى العملاء.
هذا عدا عن مسألة الإرتزاق خاصة إذا كبرت هذه المؤسسة أو الجمعية وتضخيم الرواتب لبعض العاملين فيها.. فيصبح هَمّ الموظف المحافظة على وظيفته، ويصبح بمقدوره ان يفصّل هيئة إدارية على مقاسه، منتخبة بشكل "دمقراطي" ألاعيبي تغض النظر عن مصدر التمويل وما وراءه. كمثل احداها التي اجرت دراسة عن وضعنا كأقلية قومية في هذه البلاد مدفوعة الأجر من قبل إحدى السفارات الكبرى والمؤثرة في الشرق الأوسط وفي العالم. من الممكن ان تكون الدراسة جيدة لكن الهدف من تمويلها حتمًا سوف يستخدم ضدنا، من الممكن ان يكون إعدادها عن حسن نية لكن الطريق إلى جهنم مرصوفة بالنوايا الحسنة.. فوراء كل سفارة قسم للمخابرات...
كل هذا عدا عن ان الدمقراطية البرجوازية التي "نتمتع" بها هنا تتسم بمحدوديتها الطبقية التي تهدف بشكل أساسي إلى الحفاظ على الإستقلال الرأسمالي وتراكم رأس المال.
قديمًا قيل "ليس كل ما يلمع ذهبا" كما ان كثيرًا ما يكون السم في الدسم!
