الانفلات الذي تشهده شوارع تل ابيب في الفترة الاخيرة ، لسكان يهود من المدينة ضد وجود اللاجئين الافارقة في المدينة، يدين بلا شك منفذيه الذين تحركهم مشاعر عنصرية بغيضة ضد المهاجرين، يلقون عليهم بمشاعر الغضب المتراكمة من وضعيات اجتماعية واقتصادية يعانون منها هم بانفسهم بدل البحث الجدي عن المسؤول عن معاناتهم .
ولكن ورغم المسؤولية الفردية والجماعية لمن شارك بمشاهد الحقد العنصري الذي انفجر في القاء الزجاجات الحارقة على بيوت اللاجئين وتحطيم زجاج السيارات التي تقلهم والاعتداءات الجسدية عليهم، الا ان القضية تحمل بعدا اعمق واصبع الاتهام الكبرى موجهة ضد اوركسترا التحريض العنصري التي يقودها النواب اليمينيون في الكنيست الاسرائيلية ووسائل الاعلام العبرية الطاغية، وتغض الحكومة الطرف عنها.
ان "رهاب الاخر" أو العنصرية تجاه الاخر المختلف من اللاجئين والجماهير العربية في هذه البلاد ينمو ويتطور على مستنقع من المياه الراكدة الاسنة من فكر وممارسات عنصرية وتحريض منفلت العقال واوضاع اقتصادية متدهورة كان لا بد ان يقود الى هذه المشاهد وسيتدهور سريعا الى جرائم بشعة، اذا لم يكبح جماحه فورا.
النشر الذي شهدناه في الايام الاخيرة، وشاركت فيه للاسف بعض وسائل الاعلام العربية عن دون وعي، عن ثلاث جرائم اغتصاب بشعة، اتهم في اثنتين منها شباب عرب وفي الثالثة مهاجرون من اريتريا الافريقية ووقعت ضحاياها فتيات يهوديات، هو تحريض أرعن يؤجج مشاعر الكراهية ويشعل فتيل العنصرية. وهو تحريض لأنه، وبحسب احصائيات الشرطة الاسرائيلية، يجري التبليغ عن جريمة اغتصاب كل عشر ساعات في دولة اسرائيل، وفي الغالبية العظمى الضحايا نساء يهوديات، ولكننا لا نشهد تغطية اعلامية واسعة بصدد كل حالة، ولا نرى أي مسؤول اسرائيلي يعتبر الرجال اليهود الاسرائيليين خطرا امنيا داهما.
كذلك، في هذه الدولة جرت ادانة رئيس دولة سابق ، ووزير أمن سابق، وحارس قائد اركان وممثل مرموق (وتدور الشبهات حول رئيس بلدية كريات ملآخي) وغيرهم في قضايا اغتصاب لنساء يهوديات. فهل نسمع أيا كان يطلق الاحكام القطعية ويعمم بأن هذا جزء من طبيعة الرجل الاسرائيلي اليهودي؟! بالطبع لا، ولو فعل لاتهم، وبحق، بالعنصرية.
ان حالة الغليان الشعبية في الشارع الاسرائيلي من جرّاء الاوضاع الاقتصادية- الاجتماعية تنذر بموجة احتجاجات جديدة. وبدايات الاصطفاف التي شهدناها الصيف الماضي تقلق حكومة نتنياهو اليمينية وهناك حاجة وجودية لدى هذه الحكومة في صرف الانظار عن مسؤوليتها وعن سياستها المدمرة بهذا الشأن. وسلوكها اليميني في هذه الحالة لا يختلف عن سلوك جميع الانظمة الفاشية التي نجحت في محطات تاريخية مختلفة في العالم بتوجيه وتقنية الغضب الشعبي الى كراهية الاخر- "الغرباء"، وتحميلهم ذنوب المرحلة وتأليب الفئات الشعبية المسحوقة ضدهم واشغالها بأعمال كراهية تشق وحدة صف جميع المظلومين والمسحوقين.
ما يجري في تل ابيب يجب أن يثير قلق الجماهير العربية أيضًا.العنصرية لا تميز بين جميع من يعتبرون "غرباء" ، ونحن منهم. الاحتجاج ضد الممارسات العنصرية تجاه المهاجرين والعمال الاجانب ليس موقفا اخلاقيا وواجبا علينا وحسب، وانما هو دفاع عن خط المواجهة الامامي في المعركة ضد الفاشية التي توجه سهامها نحونا ايضا، بل بالأساس.
