"حتتّاكل يعني حتتّاكل"

single
حالة الانفصال التي نعيشها الآن، بين الإنسان وبين احتياجاته اليومية، هي حالة غير مسبوقة، والمقصود هنا إنه قبل سنوات خلت ارتبط عمل الناس ونشاطهم اليومي ارتباطًا مباشرًا، مع تلبية احتياجاتهم الحياتية، وبالذات احتياجاتهم الجسمانية المباشرة، فقد عملوا في الزراعة وفي تربية المواشي لتوفير الغذاء، وعملوا في البناء لتوفير المسكن، وآنذاك قليلة كانت هي المهن التي انفصلت عن التلبية المباشرة لاحتياجات المعيشة، مثل الهندسة والطب والمحاماة والتدريس، وآنذاك، أيضًا، حتى وإن بدت هذه المهن منقطعة عن حاجات الناس المباشرة، فقد ظل أصحاب هذه المهن يعيشون في بيئتهم الصغيرة قريباً من الأعمال التي تصب لصالح الاحتياجات الجسمانية المباشرة.
واليوم أمام هذا الاغتراب المفزع بين مهن الناس، بغالبيتهم الساحقة، وبين احتياجاتهم اليومية، تتغير طباع الناس، فما هي الصلة بين إعداد عرض في الحاسوب عن التغييرات الاقتصادية في المجتمع مع وجبة غذاء ستُحضَر، بعد قليل، إلى مائدتك، حتى دون أن تعرف أحيانًا مكونات الطبق التي أُحضرت به، وما هي صلة المشروب الذي تشربه مع ما فعلته قبل ذلك من أجل معيشتك في رسم خارطة أو نص تصريح مشفوع بالقسم، أو معالجة صورة في الفوتو شوب، أو تصليح بنود ميزانية يجب تقديمها لمؤسسة ما.. لا توجد علاقة، نضبت العواطف واندثرت العشرَة.
العلاقة الوحيدة الباقية هي أنه بدون المردود المالي من عملك المذكور أعلاه لن تحصل على هذه الوجبة، أي أن العلاقة هي علاقة "بزنس" صرف، لا عواطف، لا دموع، لا نظرات إعجاب برأس البصل الأخضر أو دوران الرأس بأريج حبة البندورة المتألقة.. بينما، فيما مضى من زمن، كان الناس يزرعون فيأكلون، المهن الأخرى كانت قليلة، يرعون الأغنام ومن هذه الأغنام والأبقار يحصلون على الحليب واللحوم، يبنون الجدار، ليصبح بيتًا فيستظلون بظله ويحتمون به.. كانت نتائج العمل محسوسة ومباشرة، ولذلك كانت هنالك حميمية وأناة وطولة روح.
اليوم حتى لو جُلت الهند والسند، فلن تشهد ما شاهده شقيق نمر مرقس في أتون الهجيج المرعب في العام 1948، حينما اضطر فلاح أن يبيع ثوري الحراثة خاصته، بسبب ضنك العيش المر، وما إن حانت ساعة الفراق، ساعة التسليم أو البزنس في لغتنا اليوم، حتى تدخلت زوجة الفلاح " قبل أن يسوق  الشاري الثورين ورجته أن ينتظر لحظة وهرعت إلى الثورين، تحتضن رأس هذا ورأس ذك ودموعها تسيل، وتقول لهما، (للثورين)، لا تؤاخذونا يا جماعة.. مع السلامة". (اقرؤوا كتاب نمر مرقس الرائع "أقوى من النسيان"). في أحسن الأحوال نحن نعرف البقرة، اليوم، أو بالأحرى أجزاءً منها فقط في أطباقنا الفاخرة، أو تلك الأجزاء "المشكوكة" في السياخ تنوء بحرارة الفحم في الموقد..
وهنالك من الفطاحل من يقول لك، إنه لا يجد الوقت الكافي لتحضير الطعام في البيت، أو يقوم ببالغ "الألاطة" بإجراء حساب يُثبت فيه أن تحضير الطعام، بتقطيع البصل والثوم والطماطم والفلفل الحار وما إلى ذلك من خضار ولحوم، يستغرق وقتاً إذا تم استخدامه في مهنته فسينتج ربحاً أكبر بكثير.. والسؤال التاريخي هنا، هل تحضير الطعام وملامسة الفاكهة واستنشاق شذاها، وقبل ذلك معاينتها في سوق الخضار، والتعرف عليها من بعيد، ومراقبة، بدهشة بالغة، هذا التغيير المستمر في ما تنتجه الطبيعة خلال دورتها السنوية، هل هذا يُقاس فقط بعوامل اقتصادية أم أن هذه العملية، التي تبدأ من البقال، أو من "التبقيل" في الوعر، هي جزء من الرجوع إلى توازن فقدناه، توازن بين ما ننتجه، أي العمل، وبين احتياجات جسمنا.
هل تذهبون إلى سوق الخضار، سوق الثلاثاء أو سوق الخميس، وبالتأكيد أن هنالك أسواق في أيام أخرى في أمكنة أخرى؛ وهل تراقبون هذه الدورة المدهشة؛ الدورة السنوية في حِسَب الخضار والفواكه؛ كيف ينزل البطيخ، في البدء بصوت واهن، وفيما بعد حين يشتد عود الحياة فيه، يطغى حضوره على باقي الفواكه والخضار، بسطات كاملة تخصص له، لملك الفواكه الذي لا ينازع؛ وحين تضج، كذلك، البسطات الأخرى بالحياة، في أنواع الفواكه والخضار الصيفية؛ الشمام والبرقوق والخوخ والمشمش، وخاصة المستكاوي، والعنب والخيار البلدي والبندورة البلدية والفقوس والكوسا والقرع والملوخية.. وقبل ذلك، وفي جمعة مشمشية، حين تتسلل بكل رشاقة حزم الحمص، لتملأ الأمسيات، والمصاطب، بقشور الحمص الذي لا يُمَل من تناوله.. وفيما بعد، بدون أن تنتبه للوقت السائر بلا رحمة، يخفت الصوت مرة أخرى، وتتراجع منتوجات الصيف ليفوح في المكان أريج جديد، أريج البرتقال والمندلينا والحامض، وتأتي خضار جديدة تبحث عن مكان لها في مركز نظرات الشارين وبين أياديهم الدافئة؛ الملفوف والقرنبيط والفجل والسبانخ والفول والبصل والجزر والفلفل.. وهذه المرة، تجد أيضاً منتوجات الوعر طريقها، إلى مائدتك؛ الفرفحينا والخردلة والعلت والخبيزة والعكوب والفقع.. وعندما يحل توت الأرض بكامل أبهته، وأحياناً عجرفته، ضيفاً على السوق، تدرك أن الربيع قادم لا محالة.. دورة جميلة ولكنها حزينة، تذكّرك أن دورة ما أيضًا، تخص حياتك، مضت ولن تعود..
هنالك كم أكبر من الرّضا في طعام قمت، أنت أنت، بتحضيره، من تلك الوجبة التي نزلت على طبقك، من غامض علم الله، جاهزة مجهزة، لأن جهدك الجسماني والفكري وتألقك الإبداعي، الذي أحياناً، بل في كثير من الأحيان، لا يزبط، مكنون في هذا الطبق.. ويزداد انتماؤك للطبق بالذات عندما تكسّر مقدسات، تعتبر "تابو" في تاريخنا الحديث، مثل التأكيد المتوارث، أن "ورق الدوالي" تعده النساء المعدلات فقط، أي "النساء العتاقي"، أمهاتنا، فشو المشكلة في كسر هذا "التابو"، خاصة أن صبايا الأمس، بنات جيلنا، أصبحن في جيل أمهاتنا؟ (نعترف بهذه الحقيقة، مرغمين، فالجيل القادم يقرع الأبواب). شو المشكلة أن تقوموا، أنتَ أو أنتِ، بلف طنجرة ورق دوالي؟ راسمال الشغلة إنك تفلفل كبايتين رز، مع شوية لحمة مفرومة، بعدين تضع ورق العنب في ماء مغلي لبعض الوقت، بعدين إفرد الورقة وضع قليلاً من الرز، ثم لف الورقة (وخلافاً عن سيجارة العربي بلاش تلحس طرف الورقة بلسانك، لأنو، من جهة، قرف ومن جهة ثانية مش رايح تفيد، فالورقة بتضب لحالها)، بعدين بتحط أكم ورقة دوالي في قاع الطنجرة وبتغلي الطبخة على نار واطية.. شو المشكلة؟ (ملاحظة: إذا كان الكولسترول عندك متوازنًا فضع أضلاع خروف بين الورق، بكل فخر واعتزاز، أما إذا كان لديك فائض كولسترول، فضع أضلاع الخروف، سراً).
بيجي واحد بقولك، إنو هذا ضياع للوقت، شو هالحكي؟ لعاد لما إنت بتروح رحلة، تُروِّح بها عن نفسك، فهذا كمان ضياع للوقت؟ بالعكس، هذا النشاط هو جزء من الرجوع إلى التوازن في الحياة، وخاصة لأولئك الذين يحملون، أو بالأحرى يعتقدون أنهم يحملون، هم الدنيا على أكتافهم، أو لأولئك الذين في عهدتهم مشاريع ضخمة وهموم لا حصر لها، بالذات على هؤلاء أن يدركوا أن هنالك توازنات في الحياة، ومثلما أن هنالك هموم كونية، أو تلك التي يعتقدون إنها هموم كونية، فهنالك هموم صغيرة مثل شراء قميص للطفل، وتنظيف البيت، وكي البنطلون، وتصليح اللامبة، وتلميع الحذاء.. والمهم في الشغلة كلها، أن تفعل ذلك وأنت مستغرق في هذا الأعمال الصغيرة، لا أن تقوم بهذه المهمات ورأسك مشغول بمليون هم آخر.. وفي أحد الأفلام  عن حياة القائد الأسطوري المهاتما غاندي، ويكون في قمة نقاشه حول قضية سياسية بالغة الأهمية، تظهر في المشهد طفلة تنتظره ليذهب معها من أجل تجبير ساق ماعز.. لا شك أن لغاندي كانت هنالك مسؤوليات أكبر قليلاً من تجبير رجل ماعز مكسورة.       
 هذيك المرة حضرنا طبخة "لسينة"، بعد جولة "تبقيل" في الوعر.
جمعة بالتمام والكمال، يوم يوم، وأنا أتناول غذائي من "اللسينة".. الأولاد محبوهاش، معذورين، فأذواقهم تختلف عن أذواقنا. ولو كانت طبخة أخرى، فمما لا شك فيه، أنها كانت ستجد طريقها إلى سلة القمامة، في اليوم التالي. أما هذه الطبخة، شقا العمر، وبعد عدة ساعات في إعدادها، وبعد العلاقة العاطفية التي نشأت بيننا، فمصير واحد ينتظرها.. ماذا قال سمير غانم في مسرحية "المتزوجون" عن الفرخة، سيئة الطعم الممروغة بالاسمنت، التي أعدتها زوجته، صرخ صرخة المقدم على تضحية حياتية كبرى: "البؤساء".. نعم هذه اللسينة أُعدت كي تؤكل.. "حتتاكل يعني حتتاكل".. 
قد يهمّكم أيضا..
featured

فلنترك الحرية تكتب اسمها؟!

featured

جريمة تسمية الاحتلال بالتحرير

featured

السلام بين الحقيقة والوهم

featured

إلى الرفاق قيادتي الجبهتين الشعبية والديمقراطية

featured

نحو المؤتمر الـ 26 لحزبنا الشيوعي: حرس فتيّ؟ بل شيخ تسعيني وفتيّ!

featured

النقاش معركة أم جولة استكشاف ونمو فكري

featured

واجبات فلسطينية قبل "المؤتمر"

featured

خُثار الأوردة العميقة