لا أحد يستطيع الأدعاء أنه أكثر صلابة وإيماناً بعدالة المطالب والحقوق والمواقف الفلسطينية من الشعب الفلسطيني نفسه ومن رئيسه محمود عباس، فالذي رفض الاقتراح الأميركي الإسرائيلي المتمثل بالمفاوضات المباشرة بعد فشل المفاوضات غير المباشرة، ولا يزال هو الرئيس محمود عباس وأركان قيادته ومؤسسات منظمة التحرير.
رفض أبو مازن للمفاوضات المباشرة ليست رفضاً مبدئياً أو مطلقاً، بل هو الرفض الذي يسعى لتحسين شروط التفاوض بما يلبي استمرار التأكيد على الحقوق الفلسطينية العادلة، والعمل على اقرارها نحو انتزاعها من العدو المتفوق، ولأن المفاوضات كانت ولا تزال دائماً سلاحاً سياسياً دبلوماسياً بيد المفاوض الفلسطيني، فالمفاوضات مثلها مثل الكفاح المسلح والانتفاضة الشعبية والنضال المدني له هدف، لا يمت بصلة للأذعان أو الرضوخ للعدو، بل هو سلاح استطاع من خلاله المفاوض الفلسطيني إقرار حقوق شعبه، وتجسيدها على الأرض عبر اتفاق أوسلو التدريجي المتعدد المراحل، وبدء الانسحاب من المدن الفلسطينية وولادة السلطة على الأرض كمشروع ومقدمة للدولة الفلسطينية، في عهد رابين، قبل أن ينقض اليمين الإسرائيلي، بقيادة نتنياهو ومن بعده شارون، ليعود مرة أخرى نتنياهو ليرفض أوسلو ونتائجه وتداعياته ويرسم على الأرض خطوطاً وبرنامجاً جديداً يقوم على إنهاء القدس والغور والأراضي الواقعة خلف الجدار العازل.
ولذلك الذي أثار الرفض للمفاوضات المباشرة وحرض عليها وفتح بوابات النقد لها ورفع من وتيرة المعارضة لها بكل تلاوينها وأطيافها الفلسطينية والعربية هو الموقف الرسمي الفلسطيني المعلن الرافض للاستجابة للضغوط الأميركية والإسرائيلية وحتى العربية، وخصوصاً الخليجية منها ، من خلال حجبها للمساعدات المالية عن السلطة الوطنية بهدف سياسي واضح، وهو إضعاف السلطة الفلسطينية وإحراجها ودفعها نحو الرضوخ للمطالب الأميركية الإسرائيلية، وإلا ما معنى أن العرب الذين يلعبون بالمليارات والثراء الفاحش لا يقدمون ما التزموا هم به نحو فلسطين والقدس.
منذ بداية العام الجاري 2010 وحتى نهاية شهر حزيران مطلوب من العرب لموازنة السلطة الفلسطينية ما قيمته 550 مليون دولار لم يسددوا منها سوى 115 مليون دولار فقط، ومن بين ستة أقساط مطلوبة من البلدان الخليجية، غير شهري تموز وآب، لم يدفع أكبرهم سوى قسطين فقط، وكما حصل في السنوات القليلة الماضية لم يسددوا ما عليهم إلا بعد المطالبة الأميركية، ويبدو أنهم يفهمون الرسالة الأميركية بعدم مطالبتها لهم بالدفع، يعني أن لا يدفعوا، ولذلك يلعب المال الخليجي دوراً مباشراً للضغط على منظمة التحرير وقيادتها بهدف إضعافها وليّ ذراعها وتفتيت صمودها أمام قوة الضغط الأميركي الإسرائيلي، للتخلص من الالتزامات ووجع الرأس الفلسطيني.
أما بشأن القدس التي تتعرض للتهويد والأسرلة والصهينة، فلم يدفع العرب قرشاً واحداً للقدس وفق قرار قمت سرت الليبية من أصل 500 مليون تم الموافقة لتقديمها لتغطية احتياجات القدس، وأهلها وصمودهم وعرقلة تهويدها وأسرلتها.
من جهتها إسرائيل، تسعى لتبديد مصداقية السلطة الوطنية الفلسطينية وعدم الاستجابة لمطالبها اليومية المباشرة، فإذا كان سلطان أبو العينين عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ترفض سلطات الاحتلال منحه الإقامة الدائمة في فلسطين، فكيف يكون الحال مع باقي المواطنين الفلسطينيين الذين يطالبون بحق العودة إلى مناطق السلطة الفلسطينية وهو حق ترسخ باتفاق أوسلو، وكافة الاتفاقات المترتبة عليه، ولذلك يشكل رفض إقامة أبو العينين رسالة واضحة مفادها أنهم، أي سلطات الاحتلال صاحبة القرار، ويجب التوجه لها وتحسين العلاقات معها كي تستجيب لمتطلبات الفلسطينيين وليس التوجه نحو أميركا وأوروبا للضغط على المحتلين الإسرائيليين، هذه هي رسالة نتنياهو الواضحة في كيفية التعامل مع القيادة الفلسطينية، إضافة إلى مواصلة الاستيطان وتهويد القدس وبدء العمل على عزل منطقة الغور الفلسطينية، ورفض إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين .
كتاب الجهل والتخلف، لدى العواصم العربية، بدلاً من أن يشدوا أزر الموقف الفلسطيني ويدعموه ويثنوا على صلابته، يشككون فيه ويسترسلون في تحطيمه، حتى يصبح الصامد مع المستسلم سوية، بلا تقدير واعتبار وتفهم .
كتاب الجهل والتخلف، ليسوا بعيدين عن المال الخليجي، فأغلبهم بطل وثورجي، بفعل إمكاناتهم المالية الممولة من مصادر خليجية، بما فيها مال حركة حماس الأسود الذي يلعب لعبته في دفع بعض هؤلاء ليكون معارضاً، وهو يكسب بكل الاتجاهات، فهو ثورجي أولاً ويحظى بالمال ثانياً ويمتلك الشهرة ثالثاً من على شاشات القنوات المتفوقة الثورجية صاحبة الرأي والرأي الآخر وما هي سوى غطاء تضليلي لتسويق خططها وتوزيع الافتراءات، بهدف واضح وهو توفير المبررات وإيجاد الذرائع لعدم تقديم الدعم والإسناد للشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية ليبقى فريسة سهلة أمام الوحش الإسرائيلي .
كتاب الجهل والتخلف في بلادنا العربية، ليسوا جهلة ولا متخلفين، بل هم أذكياء واعين فاهمين اللعبة، ويجيدون إدارتها في إعلان رفضهم وإدانتهم للأداء الفلسطيني، فيكسبون الشارع ويكسبون المال الخليجي ويحفظون لأنفسهم المكانة من على الشاشات باعتبارهم أبطال الأمة التي لا تهزم !.
