في الثلاثين من آذار ستحيي الجماهير العربية وكل القوى المحبة للسلام في
إسرائيل والعالم الذكرى الخامسة والثلاثين ليوم الأرض الخالد. وللمرة الأولى
سنفتقد وجودك بيننا يا قِسَّنا الغالي ويا صانع هذا اليوم ومطلق الشرارة الأولى إذا جاز التعبير. وسنشعر بغيابك القسري على رأس المسيرة التقليدية.
في غرة تموز 1973، وفي اعتصام وإضراب عن الطعام لمدة ثلاثة أيام أمام مبنى الكنيست في القدس في سبيل إعادة مهجّري قريتي إقرث وكفر برعم إلى بلديهما، التقيتك أيها القس الحبيب. وهناك أخبرتني أنك "القس المُعَيّن لبلدي شفاعمرو".
في القدس التقينا وقد أضحى اللقاء صداقةَ عُمْرٍ أيّها الصديق الصدوق والأخ الكبير والأب المُحِبُ المعطاء. فمهما كثرت مشاغلُ الحياةِ ومتاعبُها فالذكريات منقوشةً في فؤادي لا تمحوها السنون.
لقد شدّني إليك ذلك الهدوء الناشئ عن انسجام الروح والجسد وتناغُم الفِكرِ والقلب. الهدوءُ الذي لولاه لما كانت كلُّ تلك التضحيات في كل آن وفي كل حين. في طريقٍ شاقةٍ وطويلة، طريقُ الحقّ والواجب.
خدمتَ كنيستَك في شفاعمرو بكلّ أمانةٍ وإخلاص وتفانيت في سبيل رفعتها. حرّرت أرضَها وأملاكَها وشيّدت بناءً دَخْلُهُ يَقي الكنيسةَ الحاجة والعَوْز. فتحت المؤسسات الكنسية أمام أهل البلدة بجميع أطيافها وقدّمت قاعَتها دون مقابل للنشاطات الثقافية بما في ذلك فعاليات إتحاد الأكاديميين وقد كنتُ أنا أحدهم. تَصَدّيتَ لبدعة شهود يهوه وخضتَ معركةً ضروسًا ضدّ هذه الفئةِ المارقةِ على تعاليم السيّد المسيح. والدّينُ المسيحيُّ منها براء. وقد أجبرتهم على الرّحيل عن بلدنا، لا يلوون على شيء.
لقد جاء على لسان السيد المسيح في إنجيل يوحنا: الإصحاح 15 عدد 13
"ما من حُبٍّ أعظمُ من حُبِّ من يَبذلُ نفسَه في سبيل أحبائه"
وأنت أيها "الراعي الصالح". أحباؤك كُثُرٌ في طول البلاد وعرضها وفي شتّى أصقاع المعمورة. آمنت أن الله محبة فكانت لك نهجا حياتيا. بذلت نفسك في خِدمة الله والبشر واستطعت أن تُوفّق بين خِدمتك الكهنوتية وعطائك الإنساني الوافر السّخي، سخاء غيوم الشتاء الّذي لا يَنضُب، في سبيل المحافظة على الأرض والمسكن، منعا لمصادرة البقية الباقية من الأرض العربية وحماية الإنسان وكرامته في تراب أرضه ووطنه الذي ليس لنا وطنٌ سواه.
لك أيها القسيس الحبيب - كما دعاك الناس من أعالي الجليل حتى صحاري النقب- في قلوب الناس محبة ٌواحترامٌ صادقان ما لقمم الجبال من مهابةٍ وشموخٍ، وذلك بفضل مواقفك المشرفة التي تدعو إلى الفخر والاعتزاز. لا يَرقى إلى عُلاكَ نَزَقُ الحياةِ ولا تَرَفُ هذا العالم . آمنتَ بالله فامتلأتَ قوةً وثقةً وشجاعةً. آمنتَ بالإنسان فاندفعتَ في مسالك التضحية بصفاء روح لم يُعَطِّل بريقَها ترابُ الزمن ولا غبارُ الحياة.
كنتَ من قادة الناس الصالحين وبناة التاريخ وحماة المجتمع مما يحيقُ به من أخطار. وقفتَ في النّسَق الأول على خط النار يوم تكالبت قوى الشّر التي تُنذِرُ بالخراب والدّمار في هجومها الشّرس على أرضنا الحبيبة. فرأست لجنة الدفاع عن الأراضي.
كنتَ في معركة الخير مشرقا كالشمس الساطعة تقودُ الشّعْبَ بِحكمةٍ وتسكُبُها في الآذان. فانتفضَ الشّعبُ كالمارد وما زال. واكتوى بنارها المسؤولون وما فَتئِوا لا يُدركون.
رحمك الله يا قِسَّنَا الحبيب وأسكنكَ فسيحَ جنانه وألهمَ أهلكَ وذويكَ وألهمنا الصّبرَ والسّلوان. ونعدك أننا على الدرب سائرون.
(شفاعمرو)
