قصائدكم قبضات أبطال.. كلماتكم رقصات اطفال

single

تناقلت وسائل الاعلام صباح 19 آب 2014  خبر نقلكم الى غرفة العناية. هناك رقد جسدكم فوق سريركم يتحضر  للرقاد الأبدي. روحكم لم تكن هناك، مع انبلاج فجر  الثلاثاء، سرت روحكم الى بيت في مدينة بعيدة،  ولاية غريبة في الولايات المتحدة الأمريكية  لتعود رفيقا  وصديقا جنوبيا، شماليا (جنوب لبنان وشمال فلسطين). حملت روحكم اليه اشعاركم وصورة ابيه احمد بيضون الحيفاوي لتنبش ذكريات قديمة قدم النكبة. بحبر شبكة التواصل عن بعد (فيس بوك) الأسود استحضرعلي ابو وائل كلمات ابيه فكتب "سألته ناتانيا في حيفا وفي شارع الملوك تحديدا قبل عام 1947: أحمد من سيبقى هنا؟ رد والدي بثقة عضلاته: نحن العرب! ردت ناتانيا: روخ . . روخ احمد انت غلطان..".
 عبارات الأب الواثق، الحيفاوي احمد واسراء روحكم طرق باب حلمي في منفاي الرمادي البارد. واثقا، ثقة  ابو وطن واحمد كتبت مطمئنا "لو قدر لكم ان تزوروا حيفا وجلستم في احد مطاعمها او مقاهيها لتأكدتم انها لا زالت مدينة عربية يحكمها مستعمر متغطرس. بالمناسبة؛ كل الحكام الى زوال والاستعمار ايضا. الشعوب لا تستسلم". لم اكتف بذلك بل فسرت  لصديقة ربما لم يرقها خطابي فقلت "نعم يا سيدتي، زرت ما يسميه البعض اسرائيل، وطبعا وجدت فلسطين عامرة بأهلها العرب الصابرين، يكظمون الغيظ، ينتظرون على الجمر عودة احبتهم في الجوار القريب والبعيد".  بطولتكم يا سيد، تحديكم وقبضات قافلة من الرجال والنساء امثالكم من انطقني، نعم يا سيدي اتحدث عنكم، انتم شخصيا وما تمثلون من مجتمع يختزن ينابيع قيم فكرية، وطنية وانسانية. كيف لا وكلماتكم كانت تعزف لأهل غزة معزوفات تشحذ همم رجالها للنصر المخضب بدم الأطفال. 
سيدي القاسم؛ صفحة التواصل الاجتماعي المذكورة اعلاه تشهد بطواف روحك على وطن الانسان لتزور حالمين تذوقت افئدتهم بألسنة ابائهم وامهاتهم اشهى واطيب تين، زيتون، زعتر، ميرمية، قش بلاك (دقة زعتر) وبرتقال فلسطين. جيل بعد جيل تذوقوا فلسطين وعرفوها في قصائد  شعركم، و"الميادين" تصدح منتخية  تستحث  بكم  اهل فلسطين والعرب اجمعين.  احلام شعب، اسطورة امة تحيكها كلماتك فتغدو ثوبا، قميصا جلبابا، عباءة، قمبازا للنصر القادم لا محالة. كيف لا وانت سليل حادٍ حذت كلماته حذوات اصايل عربية لم تستقر جيدها الا  لشموخ الأطرش وتحدي ناصر  وايمان عرفات وتسامح صلاح الدين.
رفيقي ابا وطن، بالأمس؛ اموا  الشاغور، اهل الرامة قاصدين بيتك ابو وطن حلوا منازل الشهامة مطمئنين. تعانقوا وفي حضرة مجلسكم جددوا العهد. بعماماتهم  قلنسواتهم، غتراتهم ومناديلهم رافعين تيجانا صلجانا فوق رؤوسهم.  بأرديتهم الوطنية، شراويل سوداء تصدح باصولهم واصالتهم وعناء الطريق تكبدوا. بمناديل نسائهم الناصعة بقمة جبل الشيخ فوق جباه انحنى الشموخ لطهارة فتيات وامهات لكم جئن مزغردات.
في الرامة بالامس وبنداء اسمكم وسيرتكم اجتمع العرب، من جولان العرب براياتهم العربية المعقودة، والمرفرفرة بالابيض يحتضن نجمتين تحرسهما دماء الشهداء والاسود الحزين جاؤوا. من  عكا، الناصرة، حيفا ورام الله انتخوا ليحضنهم الشاغور.. ومستوطن لئيم حائر في امر هؤلاء القوم، ولسانه الماكر يتمتم: الا ينسون، ستة عقود ونيف وكأننا بهم موسى وهارون بغير الحق لا يشهدون ولا ينشدون. راقبت البروة يتيمة  المارين بها ودموعها تروي ارضا لأهلها مشتاق حزين. 
سيدي ابا الوطن، اشرتم في احدى مقابلاتكم الى استخفاف احدهم بقصائدكم واشعاركم وسؤاله  عن عدد الطائرات التي اسقطتها قصائدكم؟  لم ارى يا سيدي فلسطين، لم أطأ ارضها واشم عطر ترابها الا بعد ان شارفت الستين. لكن ذاكرة جيلي عامرة بأشعار واغان لولاها لم اكن فلسطينيا ولم يكونوا. كنت طفلا، ولدا  ثم شابا يافعا؛ هناك في مخيم برج الشمالي في الاعراس تختمر ذاكرتي بصور رجال يصطفون على جانبي طريق الاسفلت الوحيد في المخيم، بحطاتهم فوقها عقالاتهم، بقمابيزهم المخططة بانت تحتها شراويلهم البيضاء يسعفون الحدا بعبارات حاولوما . . حاولوما  والحدّا بين الصفين يصول ويجول امام فرس فوقها عروس جليلية... واهل الخالصة وجوارها، الحسينية، ديشوم ، العلمانية... يقيمون حلقات الدبكة الشمالية ونافخ مجوز يغوي صاحب صوت جليلي يكفر بالغناء لغير الوطن فلسطين واعتبار الغناء لغير فلسطين عار لا بل كار غجر. اتذكر يا سيدي اغنية "حيد عن الجيشي يا غبيشي". لم اتعلمها في كتاب مدرسي او جامعي، لم اقرأها في الصحف او دواوين الشعر الحديث، بل حفظتها عن والدي عن ظهر قلب وستبقى هناك في اعماق القلب، في اغوار الذاكرة بوصلة ترشدني  وجيلي وتصوبنا واطفالنا.  
يا سيدي، انتم ورفاق مدرستكم لم ولن تموتوا. يقول اهلي"اللي خلف ما مات"، انتم، تحديتم جبروت الاستيطان. مدرستكم، فكركم، حبر قلمكم، كلماتكم، قصائد شعركم، هزمت جنرالات الغطرسة وارسلتهم الى غياهب النسيان. نعم انتم  قهرتم فلاسفة الانحطاط. بصمودكم ورفاقكم احييتم شعبا وأي شعب؛ شعب ادعوا زيفا انه "اقلية" وهو كثرة  تقهر الصهيونية ودهاقنة الاستعمار والمستوطنين. هل مات نوح ابراهيم، عبد الرحيم محمود، اميل حبيبي، توفيق زياد، اميل توما، صليبا خميس، نمر مرقس؟ لا . هل مات احمد فؤاد نجم، الشيخ امام، وديع الصافي، محمود درويش؟ لا. هنيئا لأبنائكم وشعبكم بإرثكم، هنيئا لأهل الشاغور والجليل بسيرتكم هنيئا لأهل الجولان وسوريا وفلسطين ولبنان بملحمة رفاقكم. كلماتكم اغنيات وطن يرقص على انغامها اطفال لم يولدوا بعد وشعب لا محالة منتصر لأنه شعب الجبارين.   



(كوفنتري، المملكة المتحدة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الخرائط الفلسطينية في يوم التضامن

featured

ترامب وأساليب المافيا العنيفة

featured

اعلان فرنسي هام لفلسطين

featured

تحرك وطني ضد بيع الأوقاف

featured

سيذكرك التاريخ وستفخر بك الأجيال

featured

"ماكو أوامر".. وما وراءها

featured

حبَّة عيني، مَي