شكرا للربيع الجميل السخيّ الذي منحني الفرح والسعادة في زمن كان الفرح فيه نادرا. حمله على راحته الخضراء النديّة وزرعه في قلبي وقال هامسا مثل عاشق قرويّ خجول: أنا نهضت.
ربيع الطبيعة: أشجار خضراء وأزهار بيضاء وحمراء وصفراء وزرقاء وورديّة وبنفسجيّة مرشوشة بالندى.
وربيع الشعب العربي من تطوان ووهران إلى صنعاء وعدن. ومن أم درمان إلى حلب الشهباء. شبان سمر وشابات سمراوات ملأوا ميادين الجزائر ومراكش وتونس وبنغازي ومصراتة والقاهرة والصعيد وصنعاء وعدن والمنامة وبغداد ودرعا وحمص وغزة ورام الله و ... و ... ومدّوا سواعدهم القوية وراحاتهم النقية ليقبضوا على عنق الفجر ويجرّوه ويطلعوه مشرقا باسما رائعا.
يقولون بثقة الثائر: ها قد نهض النائم.
يطردون الخوف الذي عشش في عقول وصدور الأجيال وباض وفرّخ فيها.
هل هناك شجاعة توازي شجاعة شاب أو شابة يخرج الى الشارع بصدره العاري متحدّيا البلطجية والشبّيحة ويصرخ بملء فمه: حرية حرية. واحد واحد شعب واحد. لا سلفية ولا طائفية ولا فئوية، وحدة وحدة وطنية. ارحل ارحل. سئمناك مللناك عفناك قرفناك. انقلع ارحل.
يأتون من الأحياء ومن الأزقة ومن المدن ومن القرى ومن الريف ومن الكليات ومن الجامعات ومن المدارس ومن المساجد ومن الكنائس ومن المعامل والمشاغل والمكاتب. يأتون مثل السيل الهادر بالمئات وبالآلاف وبمئات الألوف وبالملايين لا يخافون الرصاصة ولا الدبابات ولا المجنزرات ولا يهابون الجنود المضللين ورجال المخابرات العلنيين والسرّيين. يأتون وفي صدورهم حب الحرية والحياة ويحملون الربيع والورد العطر ويرددون: سلمية سلمية .
واعون واعون. سلاحهم الإيمان والإصرار والعزيمة.
لا بنادق ولا قنابل ولا سكاكين ولا خناجر بأيديهم.
نسيم عليل نسيم عليل يوزعون على الوطن.
الحاكم المستبد، الظالم، مصاص الدم، سارق الخيرات، الرابض على صدر الوطن منذ عقود مثل بعير هرم يحاول أن يجرهم الى معركة مسلحة فيرفضون. يطلق الرصاص على رؤوسهم وعلى صدورهم فيرددون: سلمية سلمية. الشعب والجيش وحدة وطنية. ارحل ارحل ولكنه كلب وماسك عظمة.
هل هناك في هذا العالم شبان وشابات أوعى وأشجع من شبان وشابات تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين و...؟
لا يوجد رجل في اليمن لا يملك سلاحا ناريا. والسلاح لا يعني مسدسا بل أكثر من ذلك بكثير. رجال اليمن يملك الكثيرون منهم مخازن للأسلحة في بيوتهم ومنذ أشهر وهم يتظاهرون ويصرخون: حرية حرية ارحل. والطاغوت يطلق الرصاص ويقتل الأبرياء... والشبان عقلاء حكماء واعون لا يطلقون رصاصة ولا يلقون قنبلة ولا يحملون جنبيّة.
لهؤلاء أحني رأسي اجلالا.
سنة وشيعة. مسلمون ومسيحيون. عرب وأكراد وبربر. لا فرق. لغة واحدة. هدف واحد. حرية حرية. كفى للاستبداد وللظلم وللجوع وللخوف وللزنازين وللسجون. كفى للقهر.
هل تتصورون للحظة معنى أن يخرج متظاهر في دمشق أو درعا أو حماة أو حمص أو حلب أو الللاذقية أو السويداء أو القامشلي متحديا خمسة عقودٍ من القهر والاستبداد والأحكام العرفية وقوانين الطوارئ والشبّيحة وأقبية السجون التي لا تعرف نور الشمس؟
هل تصورتم معنى أن يخرج متظاهر في القاهرة متحديا حبيب العادلي وجبروته وأمن الدولة؟
أين شجاعة عنترة من شجاعتهم؟ وأين حكمة إياس من حكمتهم؟
وأين عينا زرقاء اليمامة من عيونهم؟
شكراً للذين وهبوني الفرح وجعلوني أغيّر عنوان مجموعتي القصصية العتيدة وأن أسميها " في مديح الربيع " ، الربيع السخيّ الجميل ، ربيع الطبيعة ، ربيع تونس والقاهرة وصنعاء ودمشق ورام الله وغزة ، ربيع الشعب العربيّ العظيم.
