هتاف عملاق، طالما رددته الجماهير الشعبية في أنحاء الوطن العربي، عبر الكثير من المظاهرات والاحتجاجات الشعبية الموجهة ضد سياسة الولايات المتحدة تجاه الشعوب العربية التي تعاني وما زالت البؤس والحرمان والجوع بفعل سياسة الولايات المتحدة المعادية للجماهير الشعبية الكادحة. وهذا الهتاف يجب تجديده اليوم اكثر من أي وقت مضي وبالذات في مصر. فعلى ما يبدو ان الغرب والدول الرأسمالية والامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة والمجرورة والمدللة استراتيجيا، حكام إسرائيل الجدد الأربعة المأزومون نتنياهو، ليبرمان، موفاز، وبراك، شرعوا في استيعاب الحالة المصرية الجديدة، في الشكل وليس في المضمون والتي نشأت بعد مرحلة الربيع المصري سنة 2011 انتخابات الرئاسة المصرية وفوز ممثل الاخوان المسلمين والتيار الديني بقيادة د. محمد مرسي. وكل تبعات المرحلة الربيعية بتقلباتها وأبعادها على مستقبل مصر شعبا وقيادة ووطنا. الآن أصبح للشعب المصري كما يذاع ويعلن رئيس منتخب ديمقراطيا. يجب المفاخرة به والتغني بمرحلة الديمقراطية الجديدة التي جلبها الربيع المصري لهذا الشعب بعد حكم قاس، جبار متعاون ومتهادن فاسد لا يرحم، ظل جاثما على صدر الشعب لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن. وكان يحظى بدعم ورعاية الغرب وإسرائيل وبالذات الولايات المتحدة، قدم من خلالها هذا النظام الفاسد كل أنواع الخدمات والتعاون، جوّع الشعب المصري، وفرّط بالاقتصاد الوطني ومعيشة المصريين ككل، عمّق التبعية للاقتصاد الغربي والأمريكي وادخل الاقتصاد المصري في ديون لها أول وليس لها آخر، همّش الدور الوطني والتحرري لمصر وشعبها، وجرها إلى اتفاقيات مع إسرائيل وغيرها وانتقص من دورها ومكانتها في العالم العربي والشرق الأوسط ودوليا.
الآن يجري سيناريو أمريكي غربي إسرائيلي، بدايته الاعتراف والاستعداد للتعاون مع القيادة المصرية الجديدة والمنتخبة وبالذات د. محمد مرسي وغيره، وإمكانية تبادل الزيارات والوفود للولايات المتحدة وقبول الدعوات من الخارجية الأمريكية. كل ذلك بهدف التقرب من سياسة مرسي الخارجية والاطلاع على أفكاره وبرامجه الجديدة وخاصة المتعلق منها حول إسرائيل، من جانبها إسرائيل أخذت ترسل إشارات الاعتراف والمناورة الدبلوماسية في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، وان السلام مع مصر هو مصلحة عليا للشعب المصري، يرافقها إشارات شديدة اللهجة عنيفة تدخل في باب التحريض والاستهتار بإدارة الشعب المصري واختياراته.
الولايات المتحدة من جانبها تقيّم سياستها في الشرق الأوسط ومن مصر بالذات، بناء على موقف مصر من سياسة الولايات المتحدة نفسها، هذه السياسة الأمريكية لم يجرِ أي تغيير فيها. فهي تقدم السحر وتدعو الساحر ان يبقى تحت مظلتها والى جانبها ممسكة بكل الخيوط فيما لو فكر الرئيس المصري محمد مرسي بان يلعب خارج الملعب السياسي الأمريكي، عندها يجري شد الخيوط على أساس إخضاعه في خدمة المصالح الأمريكية في المنطقة، واحترام عملية السلام المتفق عليها بين إسرائيل ومصر، وانها غير قابلة لإعادة فتح ملفاتها من جديد، لان هذه الاتفاقية من سنة 1979، اتفاقية كامب ديفيد، جيدة لإسرائيل وأمريكا ومسيئة جدا لمصر ومصالحها الوطنية والقومية. لذا فالسياسة الأمريكية وتحت ستار دعم الشعب المصري للتغلب على صعوباته ومشاكله الاقتصادية والمعيشية، ولهذا تريد فتح صفحة جديدة مع القيادة المصرية الجديدة، تقرر الولايات المتحدة على لسان وزيرة الخارجية شطب أو إعفاء مصر من مليار دولار وتعزيز التجارة والاستثمار وتقدم مجموعة من الدعم المباشر سواء على شكل قروض وتأسيس مصالح وأعمال مشتركة مصرية – أمريكية وإرسال خبراء أمريكيين لاستكشاف آفاق الاستثمار في مصر. هذه الحزمة من السحر الأمريكي وكدفعة على الحساب قدمتها وزيرة المصائب والمحن الأمريكية هيلاري كلينتون لمصر في زيارتها الأخيرة قبل أسبوعين.
- ما يهمّ واشنطن!..
لقد قدمت الولايات المتحدة ومن خلال كلينتون لمصر وللرئيس الجديد مرسي الجزرة. اعترفت انها تدعم الحكم الديمقراطي الناشئ في مصر بعد الربيع المصري، على شكل دعم اقتصادي وشطب ديون وإقامة علاقات متينة ومميزة، كل ذلك من اجل استيعاب المرحلة الجديدة. ولكن السؤال المطروح ماذا تبدل في حياة الشعب المصري خلال أكثر من ثلاثة عقود من الدعم المباشر لنظام حسني مبارك العميل والمتعاون مع المخابرات الأمريكية، أليس الدور الأمريكي هو نفس الدور الذي يتأرجح بين سياسة العصا والتلويح بها وبين مد الجزرة والطُّعم ولا يهم في نهاية الأمر من يحكم مصر. فالمهم والاهم في نظر الأمريكيين هو كيفية الإبقاء السياسي والاقتصادي والعسكري وتبعية مصر كنظام واكبر دولة عربية، في خدمة السياسة والمصالح الأمريكية في المنطقة والعالم. على هذا الأساس سعت الولايات المتحدة بعد ان تأكد لها ان نظام مبارك القمعي المتهالك لم يعد في مقدوره تأدية الوظيفة والمهمة الموكلة له من قبل الخارجية الأمريكية وجهاز المخابرات العامة وواضعي السياسة الأمريكية، ولهذا لم يهبوا للدفاع عن مبارك أمام موجة الغضب التي أدت إلى الإسراع في اقتلاعه من سدة الحكم. فكان الاتفاق على تسليم السلطة للجيش والمجلس العسكري قد جرى بالتفاهم مع الأمريكيين، فيما السفارة الأمريكية في القاهرة كانت تقوم بدور هام في استطلاع من يحكم مصر في مرحلة ما بعد مبارك.
حان وقت العمل والامتحان الحقيقي، لحكم الاخوان والتيار الديني وللرئيس الجديد. وجاء زمن تنفيذ الوعود الانتخابية التي قطعوها على أنفسهم سواء في تحسين الأوضاع الاقتصادية وتخفيف الأعباء المعيشية على المواطن المصري البسيط. وما يمكن ان تقدمه الدولة للمواطن على ان يقدم المواطن للدولة. أو على صعيد السياسة الخارجية بعودة مصر الأبيّة إلى مركز الصدارة في أسرة الشعوب المكافحة من اجل حريتها، وفي رسم معالم وبناء مصر القوية المؤثرة في ميزان الأحداث في عالمنا المتقلب. للعب دور أكثر تأثيرا على الساحة الدولية وعلى الصعيد الوطني والقومي. وإبقاء مصر الصمود والتاريخ مصر عبد الناصر والحضارة والكفاح في دعم حركات النضال التحرري، وفي المقدمة تقديم كل أنواع الدعم للشعب الفلسطيني في التخلص من الاحتلال وبناء دولته المستقلة وفك الحصار عن قطاع غزة، وجعل مصر رائدة شامخة في قضايا العرب والمواطن العربي.
بالطبع لا نتوخّى الكثير من سياسة الرئيس محمد مرسي ومجمل النظام الاخواني الجديد لان الأوضاع ما زالت تغلي وغير مستقرة حكومة وشعبا. وإذا كان محمد مرسي والاخوان ومجمل التيار الديني قد نجحوا في المعركة الانتخابية للبرلمان والرئاسة، فانما هذا النجاح جاء بهدف إبعاد رموز النظام السابق ومرشح العهد البائد احمد شفيق عن الحكم. ان تجربة الاخوان في مصر هي مرحلة من مراحل الصراع على مستقبل مصر لعشرات السنين، والشعب المصري المجرب جدا، وصاحب أطول تجربة كفاحية، لن يقبل بالسياسة الأمريكية التي حاول قلعها كليا من مصر ولا سياسة وحكم من يحاول ان يفرط به ويعيد مصر إلى الوراء قرونا عديدة. وإذا كان هناك مؤامرة أمريكية – اخوانية للالتفاف على مطالب من وقف وهتف في ميدان التحرير، قبل أكثر من سنة، وادار ظهره للمبادئ والأفكار وللعشرات والمئات من الشهداء والجرحى، فان الشعب المصري الذي رغم معاناته وظروفه الاقتصادية والمعيشية الصعبة لن يقبل بفترة ما قبل الإطاحة بالعميل مبارك، فالشعب المصري الأصيل يحتاج هذه الأيام وفي هذه الفترة بالذات من تاريخ الصراع الداخلي وعلى الساحة العربية والعالمية إلى قيادة حكيمة واعية مبدئية جريئة تأخذ شرعيتها من تاريخ مصر المشرق وملايين العمال والفلاحين. لان الشعب يصنع تاريخه، ومصالح الشعب والوطن فوق كل اعتبار. فالشعب المصري قادر على شجاعة القول والفعل "يا أمريكا ضبي فلوسك الشعب المصري قرر يدوسك". وان مواقف مصر وقيادتها مهما تكن هي ليست سلعة للبيع أو الشراء ولا للمزاد العلني لا للبنك الدولي ولا لصندوق النقد الدولي ولا للخزانة والاحتكارات الأمريكية.
وان مبلغ المليار دولار، بل المليارات وكل ديون مصر هي مبالغ جرى نهبها على مدار الـ 30 عاما وأكثر من حكم مبارك من ثروات وكرامة الشعب المصري. هذا عدا المبالغ الكبيرة التي جرى نهبها وتحويلها بطرق غير قانونية من أموال حكومية وللشعب إلى عائلة المجرم والحرامي الكبير وأولاده، حسني مبارك وكل حاشيته، والتي ارتبطت مصالحها الطبقية وتزايد ثروتها بوتيرة سريعة على حساب قوت الشعب بدعم ومساعدة مصاصي دماء الشعوب من الرأسماليين الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين وغيرهم. فالمعركة السياسية والطبقية، قد بدأت فعلا ولن تهدأ، والشارع الشعبي والحراك الجماهيري والطبقي قد انطلق وقد تحرر من قيود النظام السابق وعلى استعداد لمواجهة ترتيبات وقيود المرحلة الجديدة، رافضا الانسجام والغزل السياسي والتناغم بالمصالح والوظائف بين ثلاثة أضلاع المثلث. حكم حركة الاخوان بقيادة د. محمد مرسي والصراع على السلطة لم ينته بعد، والمجلس العسكري، مجلس الجنرالات الذين كانوا مقربين من مبارك وأركان حكمه وبتنسيق مع وكالة الاستخبارات الأمريكية، وبين الأمريكيين وسياستهم في احتواء التململ والحراك الجماهيري وكل افرازات وتبعية عملية التغيير وإشاعة الديمقراطية. ووصول الاخوان إلى سدة الحكم. فيما يعني تقاسم مصالح ذات ثلاثية الأبعاد، للحد من تطور هذا الحراك الذي بدأ من ميدان التحرير، إلى حراك طبقي ثوري سياسي يصل إلى ثورة حقيقية في المفهوم العلمي للثورة، يؤدي إلى تغيير كل المعادلات السياسية والطبقية ليس في مصر العرب وإنما في مجمل العالم العربي وغيره. والدلائل والمؤشرات تقول ان الشعب المصري، قد أفاق من سباته وعندما يتحرك ينفض كل الغبار كي يدخل إلى رئتيه وروحه الهواء الطلق المنعش والأكسجين الضروري لبناء المرحلة الثورية الجديدة.
(كويكات / أبوسنان)
